المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) الكاريكاتير يهزّ عرش الاستبداد



رذاذ عبدالله
3 - 9 - 2011, 10:26 PM
الكاريكاتير يهزّ عرش الاستبداد

من أعمدته العربية ناجي العلي وعلي فرزات



http://im9.gulfup.com/2011-09-03/131507432871.jpg (http://www.gulfup.com/)




بعيداً عن التوغل في تتبع تعريفات فن الكاريكاتير الكثيرة، فإنه يمكن الاستخلاص إلى أحدها، طبقاً للترجمة الإيطالية لكلمة “cariare” التي تعني المبالغة، ويقابلها في الإنجليزية اللفظ المشتق منها”caricature” . وإذا كان المصطلح قد أطلق في العام 1646 من قبل موسيني، فإنه يشار، وفق ذاكرة محرك البحث غوغل، إلى أن هذا المصطلح قد احتاج إلى نحو عقدين من الزمان، كي يتعرف إليه المجتمع الفرنسي، ويتم انتشاره ضمن دائرته، بشكل واضح . ولتنداح الدائرة بأكثر، فيغدو لغة عالمية، ما من أحد على وجه البسيطة إلا ويتقن أبجديتها، من دون أن يعيا عن فك رموزها، وشفراتها الواضحة، كما الموسيقا بل لتتطور هذه اللغة، وتزداد حروفها أبجديتها، على شكل خطوط لا أمياً أمام ضربات خطوطها البتة .

إذا كان الحديث -هنا- عن تبلور مصطلح الكاريكاتير تبعاً لدورة الزمان، فإن الفن الكاريكاتيري، قد سبق تبلور مصطلحه بقرون، حيث كان معروفاً في الحضارات البشرية الأولى، سواء أكان ذلك عند اليونانيين أم عند الآشوريين أم المصريين، حيث يشار إلى وجود رسوم كاريكاتيرية منذ العام 1250 ق م، في عصور الرعامسة-وفق الذاكرة الغوغلية نفسها- وثمة من عزا أسباب هذه الرسوم لدى المصريين إلى وجود “خلل ما في العلاقة بين الحاكم والمحكوم” .

وإذا الكاريكاتير قد انصرف في بداياته الأولى، ومنذ أن كان يحبو للتركيز على وجود هوة بين عالمي السلطة السياسية العليا، والعامة من الناس، فإنه لم يتوان البتة عن أداء مهمات أخرى له، ومنها تناول قضايا اجتماعية عامة، إذ روى المؤرخ بلنيوس أن المثّالين اليونانيين “بوبالوس وأنتيس” صنعا تمثالاً للشاعر الدميم ايبوناكس، وكان هذا التمثال يثير ضحك كل من ينظر إليه، ما استفز الشاعر ايبوناكس، ودفعه لهجائهما في قصيدة كانت سبباً في انتحارهما .

وتشير الدراسات الفنية نفسها إلى مدارس عديدة، للكاريكاتير، منها “المدرسة الأوروبية الشرقية”، وهي أنها تصب على الاهتمام ب”تفصيلات الرسم” من دون اللجوء إلى التعليقات، بعكس المدارس الأوروبية الغربية التي يقترن فيها “الرسم التخطيطي” ب”النكتة”، مركزة على عملية الإيصال، ربما بأكثر من غيرها، بيد أن المدرسة الأمريكية كما ترى هذه المراجع تركز على “الجمع بين المدرستين السابقتين” من دون إغفال عنصر الحوار، وهو ما كان قد استحوذ على اهتمام الفنان العلي .

وعلى هذا النحو، فقد نشأ فن الكاريكاتير، جنباً إلى جنب مع فن الرسم، ليشق طريقه الخاص، لاسيما بعد أن أسس لنفسه لغته الخاصة، حيث باتت أبجديته تتوسع،كي تصبح لغة عالمية، شأن لغة الرسم، بل إنه يكاد يتفوق عليه، على اعتباره الأقرب إلى المتلقي، لاسيما أن استعانة، واحتضان الصحافة الورقية، للكاريكاتير، منذ وقت مبكر من عمرها، قد فتحت أمامه الآفاق، ووسعت من دائرة الاهتمام به، فانتشرت لغته، وباتت بعض الرسوم الشهيرة، راسخة في ذاكرة الناس، وبخاصة تلك التي تتناول قضايا مهمة، تتعلق بتفاصيل حيواتهم اليومية، بعد أن اتسع البون بين الشرائح الاجتماعية والنخب الحاكمة في الكثير من بلدان العالم، وهو ما جعل هذا الفن مستقطباً لمليارات الناس، على وجه البسيطة، وليس أدل على هذا من قول الشاعر الكبير محمود درويش - الذي تصادف ذكرى رحيله الثالثة هذه الأيام- عن صديقه الفنان الكاريكاتيري الفلسطيني ناجي “الذي تحل الذكرى الرابعة والعشرين لاستشهاده -أيضاً- بعد يومين فقط” إنه تعود على فتح جريدة الصباح من الصفحة الأخيرة، الصفحة التي كانت تحتضن رسوم العلي، وإن كانت رسومه،هذه، ستتسبب في نشوء خلاف بين هذين المبدعين، لم يمنع درويش من رثاء صديقه على نحو جد مؤثر، بعد استشهاد صديقه الذي هو مثل “الرادار يرصد الخطأ”، على حد تعبيره، حيث قال أيضاً: “أغبطه كل صباح، أو قل إنه هو الذي صار يحدد مناخ صباحي، كأنه فنجان القهوة الأول يلتقط جوهر الساعة الرابعة والعشرين، وعصارتها فيدلني على اتجاه بوصلة المأساة وحركة الألم الجديد الذي سيعيد طعن قلبي، خط، خطان، ثلاثة ويعطينا مفكرة الوجع البشري، مخيف ورائع هذا الصعلوك الذي يصطاد الحقيقة بمهارة نادرة، كأنه يعيد انتصار الضحية في أوج ذبحها وصمتها، إنه الحدس العظيم والتجربة المأساوية، فلسطيني واسع القلب، ضيق المكان سريع الصراخ وطافح بالطعنات وفي صحته تحولات المخيم .

وطبيعي، أن الفن الكاريكاتيري، قد أصبح الآن أكثر انتشاراً، ليغدو أشبه بالرغيف والهواء، بالنسبة لمتابعيه، لاسيما بعد ثورة الاتصالات الهائلة التي يشهدها العالم، فقد باتت هناك مواقع إلكترونية، خاصة، تقدم لوحات الكاريكاتير، وفي إمكانها استقطاب أعداد هائلة من الزوار، وقد نشرت وكالات الأنباء خبراً مفاده: إن الموقع الإلكتروني الخاص للفنان السوري العالمي علي فرزات، قد توقف أمس الأول، وذلك بعيد الاعتداء عليه، بسبب مواقفه من حمام الدم في بلده، ما أدى إلى خطفه، وضربه، وكسر أصابعه ويده، بطريقة مشينة، كما تم حلق لحيته وشاربيه، إمعاناً في إهانته، ثم جرى رميه في مكان بعيد، لتكون لهؤلاء المعتدين عليه رسالة لكل مثقف صاحب رأي، لاسيما أن ذلك جرى عشية استذكار الفنان الشهيد ناجي العلي في ذكراه الرابعة والعشرين .

ولعل الفنان علي فرزات 1951 أحد هؤلاء الفنانين الكبار، ممن شغلت لوحاتهم الناس، وتحولت إلى خبز ونسغ حقيقيين لهم، فقد آل على نفسه أن يكون لسان حال المضطهدين، والمقهورين، من دون أن ينصرف عن تناول القضايا الكبرى، وقد استطاع عبر علاقاته الشخصية الحصول على أول ترخيص لأولى صحيفة ورقية في سوريا، في العام ،2000 بعد أن تم تأميم الصحافة السورية، ومنع اصدار أية صحف خاصة منذ انقلاب عام ،1963 ما عدا الصحف السورية الثلاثة “تشرين الثورة البعث”، ولم تخف صحيفة “الدومري” وهو موقد الفوانيس ليلاً، باللهجة الدمشقية، وهو مأخوذ من كلمة “الضوء” وقد حاول ترجمة اسم الصحية متجاوزاً ما كان موجوداً من “خطوط حمراء”، إذ راح ينقد بعض “أصحاب الرؤوس الكبيرة” بحسب لغة الأديب السوري الراحل د . عبدالسلام الجيلي، إلا أنه جرى منع جريدته من التوزيع في عام ،2003 وسحبت الرخصة المعطاة له استثنائياً - نتيجة قربه “آنذاك” من الرئيس السوري د . بشار الأسد، وقد رفع الفنان فرزات من وتيرة موقفه سواء أكان عبر رسومه الصريحة، واقفاً مع الثورة السورية، أم عبر اللقاءات التلفزيونية، رافضاً الحل الأمني، مواصلاً فضح آلة الفساد .

كان فرزات قد تعرض لحملة تشهير في عام ،2004 في صحيفة تشرين التي كان يعمل فيها، إذ تم نشر مادة عنه في صفحتين كاملتين بعنوان “باع الدم ودموع الأطفال”، مع أن الصحيفة اعتمدت في إساءته إلى رسوم له، نشرت في ،1991 وكررت نشرها الصحف التي نشرتها للمرة الأولى، وهذا من حقها، وذلك أثناء حرب الخليج الثالثة، وكان قد تم التضييق عليه قبل ذلك إثر نشره رسوماً عن صدام حسين، وهو يقف أمام “قدر” كبير، ينهل ويغرف بوساطة ملعقة كبيرة، الرتب والنياشين، ومع بدء الثورة السورية، كرس فرزات ريشته لخدمة الثورة، إلا أنه تعرض لعملية الخطف تلك، وهو ما يذكر بالاعتداء على مواطنه الفنان “إبراهيم قاشوش” “ابن حماة” الذي تم استئصال حنجرته، وذبحه ورميه في مياه نهر العاصي، هاتان الحادثتان هما تكرار للاعتداء على المغني فيكتور جارا، الذي تم بتر أصابعه وأطرافه، وحنجرته، بإشراف الضابط ماريو باتريكيس، إثر انقلاب بينوشيه، وهو يغني للثورة الموءودة، ولتشيلي، عقاباً به، على أنه كان مغني الثورة، وقتل بعد أن تم تعذيبه بوحشية، في أحد الملاعب الرياضية، مع آخرين، لترمى جثته في أحد شوارع سانتياغو .

تأسيساً على ما سبق، فإن للوحة الكاريكاتيرية دوراً كبيراً في الحياة اليومية، وحياة الشعوب، وهي أداة للدفاع عن المظلومين والمضطهدين، كما أنها تقض مضاجع الدكتاتوريات، أينما كانوا، لذلك فهم يعمدون على مواجهة الفنانين أصحاب الموقف، بكل ضراوة، ما دامت اللوحة الكاريكاتيرية تهز عرش الاستبداد أينما كان، إذا توافر ذلك الفنان الأصيل الشهم الوفي لتراب الوطن ووجوه أهله وصاحب الموقف والرؤية الواضحة .