تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) آمنة محمد الشحي في مجموعة "الهواء بأشرعته":



رذاذ عبدالله
10 - 9 - 2011, 03:02 PM
آمنة محمد الشحي في مجموعة "الهواء بأشرعته":

سوناتات غارقة في الإدهاش



http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-37ae675d34.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-37ae675d34.jpg)





يأتي اسم الشاعرة آمنة محمد الشحي، كأحد الأصوات الإبداعية الجديدة، في عالم الشعر، إماراتياً، منذ أن ظهر في استهلالة العقد الثاني من الألفية الجديدة، إلى جانب أسماء أخرى، باتت أعمالها الإبداعية، تترى، وإن كانت هذه الأسماء- في الأصل- قد شقت طريقها في السنوات السابقة على ظهورها، شأن كل جيل يعرف على أساس عقدي .

عنوان المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة الشحي هو “الهواء بأشرعته” وهي تتضمن تسعة أبواب، نوردها، بحسب تسلسلها: شجرة- الهواء بأشرعته- عام على ابتسامتي- ومضات- انعكاسات- الرقمية- انفرادات-حرب- عنوان . . . وهذه العناوين، وإن كانت جميعها باستثناء عنوان واحد “عام على ابتسامتي” تتكون من مفردة واحدة، فإنها تعد مداخل إلى نصوص قصيرة، بحيث إنه يدخل ضمن كل باب عدد من النصوص، ما خلا الهواء بأشرعته، العنوان الذي يأتي بعد عنوان سابق عليه، هو “شجرة” بحيث يلتبس الأمر على القارئ، إذ إنه لا يجد أي نص في هذا الباب، بل هو مدخل إلى الباب الآخر، الذي يأخذ عنوان المجموعة، كاملاً .

تنحى نصوص مجموعة “الهواء بلا أشرعة” برمتها إلى التكثيف اللغوي، لذلك فهي تبدو مختزلة، مضغوطة، مكتوبة بأقل عدد ممكن من المفردات، لتكون أشبه بعالم الإيماضة، أو اللوحة، أو السوناتا:

في الزمن أبقى

مطلقة الهواء

عالية هي الأشرعة

لساني حر إن نطق

ألملم الكلام

أما على الجسر

فقد تدلت ابتسامتي

إن هذا النص الذي عنونته الشاعرة ب”الهواء” يتكون من عشرين مفردة، بما في ذلك الحروف والضمائر المتصلة، إلا أنه أشبه بلوحة سوريالية، حتى إن كانت هناك معالم واقعية، تبدو ملامح سريعة منها مثل: الهواء-الأشرعة- اللسان- الكلام- الجسر-الابتسامة . . إلخ، إلا أن البقاء في الزمان، حيث تفتتح به الشاعرة أول نص لها، في أول مجموعة شعرية، تشكل باكورة تجربتها، يومئ إلى التوق الإنساني إلى عالم الخلود، بروح أنكيدوية، تخلص من كل ما يشوب حريتها، ويحاول صفد روحها بالأغلال، مادامت الشاعرة تصر، من خلال إيماءتها، إلى أنها “مطلقة الهواء” وأن “الأشرعة عالية” ما يحدو بها، كي تقول كلمتها، من دون مراعاة أي قيد، وهي تعلق ابتسامتها المدلاة على الجسر، إلا أن هذا الكلام، قد يتعثر في أحايين أخرى، عندما يكون هناك ثمة منظر قريب من الروح، تقول في نص “انتظار”

ينتظر منذ عمر

وحين مر

أضاءت له دمعتي

إلا أنه تعثر بعمق

ولهي

الكلام

إن سوريالية الصورة، لم تحل البتة، دون منح المتلقي مفتاحاً أول، إلى عوالم الشاعرة، وروحها، كي تسير من دون إخفاء أي رغبة، أو توق، ما دامت مشدودة إلى الأحلام الكبرى، في إشارة إلى نقيض الحرية، بمعناها المطلق، هذا النقيض الذي يدفعها أصلاً للإقرار بما هو مخالف، غير علني، دفين في الأعماق، وكأن ذلك النقيض يظهر، لا سيما أن الإحساس بضرورة القفز إلى عالم الخلود، يتأتى خوفاً من دورة الزمان، وإن كانت الشاعرة تقدم وثائق أولى لها، تخولها لديمومتها، من خلال أثرها الإبداعي الذي تعول عليه الكثير، وترى فيه وجهاً لاستمراريتها تلك .

ثمة أمثلة كثيرة، تبين نزعة الشاعرة إلى الإيماض، والاختزال، ولعل نصوصاً مثل: وردة- حلم- تعثر- مدرستي- صوتك- يمكن أن تشير إلى ذلك، وهو ما يحدد هوية هذه النصوص، ودرجة إدراكها لروحها الحداثية، بل موقعها التقني في قلب الحداثة، حيث يظهر الاهتمام بالمتلقي، ومراعاة طبيعة المرحلة التي يمر بها، وسط تشابك الظروف من حوله، ما يدفعه إلى كتابة نص خاطف، لمّاح، يقول أشياء كثيرة، ليكون ترجمة لرأي المتصوفة “كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤيا”، تقول في نص وردة:

الوردة حمراء

والورق أبيض

ثمة مساحة هائلة للذات، على امتداد الشريط اللغوي للنص، لدرجة قد يخيل إلى المتلقي بأنه أمام سيرة افتراضية، لبطلة تقبع على مقربة من النص، أو داخل لجته، تقول في نص دفء:

دافئاً

وقد يلمع ضمير

الليل لحاق الوحدة

وأنا باردة

قرب سكين الوحشة

وضمن فضاء هذه الذات، نفسها، تقدم الشاعرة الكثير من ملامح تلك البطلة، لتكرر بعض أدواتها، مقابل الآخر، وهي: الابتسامة- الدمعة- تقول في نص “عام”:

عام وأنا حاملة ابتسامتي بانتظارك

حالمة بأكفك

تحضن دمعة الوردة

التي كبرت مثل عمري

واشتاقت

عام على ابتسامتك

وهي تضيء الهمسات الناعمة

بيضاء دعاباتك العفوية

يمضي الليل مسرعاً

وأنت مثل الحلم

تغمض عينيك

عن جمري .

أجل، ترتفع نبرة الخطاب، في صيغته المباشرة، كلما انداحت الفكرة، والتصقت بهذه الذات الشاعرة، كي تتسع العبارة، من دون أن تقدم إلا تلك شعرية الفكرة نفسها، الفكرة التي يمكن التعبير عنها- أصلاً- في إهابها النثري، أعلاماً، وأمكنة، وهو ما يتكرر بأكثر، في نصوص الشخوص الأقرب إليها أمي-جدتي-صديقتي-مدرستي . . . إلخ، تقول في نص “أمي”:

أحن إلى رائحة الحليب

في الفجر

صوت العجمي يرتل القرآن

صوتها

وعطر أبي

أحنّ إلى حضنها

رائحتها

ثوب صلاتها الأبيض

يديها

وكلمة “فديتج بنتي”

أحنّ إلى شتائها

صوت المطر معها

ولها . . . . .

بيد أن الشاعرة وفي باب الرقمية وقد سمته كذلك لأنه يفضي إلى نصين موزعين في مقاطع رقمية، بدءاً من الرقم “1” وحتى “5”، تستطيع أن تتخلص من ربقة الفكرة، مادامت تتحدث عن أشياء خارج دائرة ذاتها، وبشكل أكثر حياداً:

شيء مختلف يلف كيانك

يتنفس من خلالك

لا يشبه حتى نفسك

يخترق الأشياء

يعبث بالحدود

يعيد تشكيل البلدان

صباح

تنبعث منه

رائحة معتقة

إن الغوص في الذات، ورصد عوالم الحلم، ومناجاة الآخر، هي محور هذه النصوص، التي تكاد تكون في حالات كثيرة رسائل واضحة في الهم الذاتي الإنساني، لمواجهة صحراء الوحدة الموحشة والكئيبة، عبر الإعلان عن البوح والشوق في أقصى أمدائهما، تقول الشاعرة في نص “وخز حنينك”:

أشعر

أنك تتسرب من الذاكرة

يتورط بك التفكير

هل ستأتي بوخز حنينك

كاملاً لي؟

ما دامت “جمرة اللحظة”، وهي عنوان نص خاص، تشعل الوقت، وتدفعه الشاعرة إلى كم هائل من النجوى:

تتأرجح اللحظة جمرة

لم نعد أنا وأنت

بين خطين ودائرة

محور الأسئلة

اللغة

ما بين حلمين

بدأت أول الخطوة

ثمة الكثير من المرئيات، ومفردات المحيط، مكاناً، وزماناً، تتسلل إلى نص الشاعرة، بل تكاد تكون نقاط علام، لا غنى عنها البتة، تنتشله من بعض الذهنية التي من شأنها أن تجهز على ملامح الصورة، تقول في نص “فضاء”:

في فضاء قاتل

يشق طريقه إلى فمي

الليل

لا دفء

لا مركب

يذهب بأحزاني

بعيداً

لا شمعة تدلهم

على فناء قلبي

تحلق الشاعرة عالياً، في الكثير المقاطع، لدرجة أن المتلقي، قد يقول: “هذا ما نرومه من الشعر الجديد”، لا سيما عندما تمسك الناصة بتلابيب الحالة الإنسانية، تلتقط ما هو هارب، تحوله إلى صورة شعرية أكثر استفزازاً، وتأثيراً، وإدهاشاً، وتواشجاً مع المتلقي:

اسمك كقطعة سكر

ذاب في فمي

وانتهى

لم يعد يرقص

انتهى ذاك المشهد

وسأتظاهر بأنني صدقتك

لا تخبر أحداً

سأعود لنكمل الخطة .

إذا كانت نصوص المجموعة، برمتها، تنتمي إلى قصيدة النثر، فهي تحاول إيجاد وتمثل “ميكانيزما” هذه القصيدة، بنيةً ومضموناً، وما يتطلب ذلك، من تقنية النص، ومفرداته، من صور ولغة، وعمارة لغوية، وإيقاع، من دون أية إحالة، خارج عالم هذه القصيدة .

وتسجل الشاعرة، ضمن هذا المفهوم، التزامها بمتطلبات هذه القصيدة، على صعيد الارتحال إلى الذات، ورصد شعرية التفاصيل الصغيرة لهذه الذات، من اهتمامات، وأحلام صغيرة، وكبيرة، وغير ذلك، لا سيما في ما يتعلق ب”صورة الرجل” في “مرايا الأنثى”، حيث تقدمها على نحو بارع، من خلال الاتكاء على صدق اللحظة الشعورية، وعدم مواربة ما يدور في خلجات النفس الإنسانية، وهي هنا عالم الأنوثة، الذي يقدم نفسه كما هو، تقول الشاعرة في قصيدة “ذاكرة”

يفتح بألمه ذاكرتي

يسترسل باتجاه البوح

ينزل عميقاً إلى بكائي

الذاكرة

شبكة حروف تتهجاني

الليل كشف عتمته

علت آهاتي

ثمة تناول خاص، من قبل الشاعرة لعنوان النص، حيث إنه يأتي ممهداً للنص، أو مشروحاً له في المتن، إذ لا يكون جزءاً من البناء نفسه، بل عبارة عن إشارة، وعتبة إضافية، وهو ما نجده مثلاً في نص “الهواء” إذ تقول:

في الزمن أبقى

معلقةً الهواء

وكذلك لننظر إلى نص “وردة” إذ تقول:

الوردة حمراء

والورق أبيض

وتقول في نص “الشارع”

الحقيقة مرفوعة عالياً

بينما المسافة تقصر

يا مطر

خاطفة مرت

عيوني ترقب الشارع

وإن كانت الشاعرة هنا

وإن كانت الشاعرة، تعمد إلى لامنطقية البناء اللغوي، إذ تتضبب صورة من مرت، مايدعو إلى السؤال: ترى من هي التي مرت؟ ومن الأمثلة على العناوين المكررة، ما تقوله الشاعرة في نص “ذاكرة”:

يفتح بألمه ذاكرتي ص 17

وتقول في نص “تعثر”

كلما سرت وحدي

تعثر الحرف

ولمع في إصبعي

خاتم

إن مجموعة “الهواء بأشرعته” جاءت لتؤكد استمرارية الشعرية الإماراتية، جيلاً بعد جيل، وهي تكشف عن صوت جد مهم، سيشكل حضوره اللائق به، بأكثر، في ما استمر بالروح نفسها التي ظهرت فيها المجموعة التي تخلو من ارتباكات البدايات، المعروفة، وهذا ما ينم عن أن الشاعرة مهجوسة بالاشتغال على نصها، لتقدم لنا عوالمها التي تطفح برائحة أصابعها، واحتراقات روحها، إلى جانب الأسماء الأكثر إبداعية في عالم الشعر الإماراتي .