المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) عبد الله السبب لا يموت في "جنازة حب"



رذاذ عبدالله
8 - 10 - 2011, 05:11 AM
عبد الله السبب لا يموت في "جنازة حب"

بوصلته الكتابية تتوجه إلى التجريب



http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-137492b93e.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-137492b93e.jpg)





ثمة تعريفات لاحصر لها للقصة القصيرة، ومن بينها أنها عبارة عن “كذبة متفق عليها بين الكاتب والقارئ”، وأنها “نص أدبي نثري يصور موقفاً أو شعوراً إنسانياً تصويراً مكثفاً له مغزى” بحسب فؤاد قنديل، أو هي “حكاية خيالية لها معنى، ممتعة بحيث تجذب انتباه القارىء، وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية”، بالإضافة إلى تعريفات أخرى هائلة، لاحصر لها .

إذا كانت القصة القصيرة، تعتمد جملة شروط تقليدية، هي: المقدمة، والعقدة ولحظة التنوير، بالإضافة إلى أن من عناصرها: الشخصية، والحدث، والبيئة، والزمان، والمكان، واللغة، وهي تعد حديثة الولادة، قياساً للأجناس الأدبية الأخرى، لاسيما وأنه يؤرخ لها باسمي الكاتبين ادجار آلان ب1809-،1840 في أمريكا، وغوغول 1809-1852 في روسيا، وأن موباسان1850-1892 وضع بصمته الخاصة على فن القص، ولتولد في مطلع القرن الماضي بواكير القصة العربية، لتأخذ مسارها الصحيح على أيدي عدد من الرواد من الكتاب منهم: يوسف إدريس، ومحمد بوزفور، وزكريا تامر، وسعيد حورانية، وياسين رفاعية، وآخرون، فإن القصة كانت محافظة على جملة خصائص، وشروط لها، حتى في فترة تبلور مفهومها، إلا أنها لم تبق في معزل عن الحداثة، والتجديد، بل والتجريب، بل كانت في القلب من كل ذلك .

ويعد هاجس التجريب، من ضمن التجديد، بل إنه بوابة إلى التجديد في كل مرة، وإن كان ما يميز التجريب عن التجديد، بالرغم من تواشجهما، أن التجريب هو تجاوز للتجديد، وحركة مستمرة، كي يكون كل تجريب إلغاء للآخر، بل ولكي يكون كل تجديد تحطيماً للآخر، لاسيما في ظل التغيير الهائل، في مجالات الحياة، كافة، وثورة الاتصال، ناهيك عن هيمنة الآلة، وعلاقات الإنتاج، وتبدل “روزنامة” الحياة اليومية، والاجتماعية، حيث كان لكل ذلك تأثير كبير في روح الفرد وذهنيته وسايكولوجيته، إذ غدا اختلاف اللحظة المعيشة عن السابقة عليها، أمراً لا مناص منه البتة، لينعكس كل ذلك على الفرد، ويجعله في مواجهة اضطرابات لا حصر لها . ومن يتابع حركة القصة القصيرة- وهنا نشدد على المصطلح- لما هناك من تمييز بينها ومصطلح القصة، المفتوح، فإنه يجد أن القصة القصيرة الإماراتية لم تكن في معزل عن التجريب، بل ثمة أسماء إبداعية لا تفتأ تواصل حفرها الإبداعي، لتحقق شرط الخصوصية، وعدم التماهي والتناسخ مع السابق والمواكب من الأصوات الأصيلة .

وتأتي المجموعة القصصية المعنونة ب”جنازة حب وأشياء أخرى” للكاتب عبد الله السبب والتي تتضمن عشرة نصوص مفتوحة هي: مرثية في مئذنة الشتاء، جنازة، حب، صلاة، أمسية، حوار، سالفة، موسيقا الأنفاس الضارية، بوادر، طين، إحدى المجموعات القصصية التي تشق طريقها في عالم التجريب، ولكن وفق رؤية خاصة، لعل سبب استثنائيتها يعود إلى أن السبب شاعر، وأن الحفر التجريبي للسبب قاصاً، يوائم ويتماهى مع مشروع السبب شاعراً، نظراً لما بين عالميه القصصي والشعري، من تناصات وتواشجات هائلة .

ما أن يبدأ القارئ بتصفح الكتاب، حتى يجد أن الكاتب قد أثبت صورة بالأسود والأبيض، في أوله، يظهر فيها هو نفسه أمام قبر، في حالة خشوع، بحيث تبدو من خلفه الأشجار، ومجموعة من القبور والشواهد، ثم ذيل الصورة بالكتابة التالية: الجنازة، الحب، والأشياء الأخرى “إلى إخوتي، حفظهم الله”، خديجة، حسن، أحمد، عبدالرحمن، علي، رفاق حضوري، وغيم مسيري . . في الذكرى التراكمية لحزننا الذهبي: أمي1977م، جدي،1978 أبي ،1980 خالي2008 م . . “رحمهم الله” نبراس صبري، ومهد حكايتي . . . عبدالله: الرمس2011 م . . . .، ليكون القارىء في الصفحات التالية أمام إهداء آخر، لا يمحو الإهداء السابق بل يكمله وهو: إلى الأديب الإماراتي “جمعة الفيروز” ويذكر أعواماً وأرقاماً وكلمات “1960م” سدورة “والظيت 2001 م” ليقول: كل رحيل، وأنت صديقي .

كعادته في مجموعاته الشعرية يهدي السبب كتابه أيضاً إلى أشخاص كثيرين، وبطريقة باتت لافتة في إهداءاته، ومما يقوله في أول نص له “هنالك . .حيث مدائن القلق والشوارع المبعثرة، وحيث المدينة مصابة بروائح ورياح وأرواح . .ثمة صندوق ودمعة وأمنية وقلم، ثروته الوحيدة في بورصة التعب وفي بنك الاختناق . كان لا يرغب في شيء من هذه الدنيا، سوى امرأة وولد، بدأ بالبحث عنهما منذ بدايات القرون . . ليختتم النص بقوله: في عينيه الآن دمعة وأمنية وتعب واختناق، وابتسامة مغرمة بالسهد والسهر والحمى . في عينيه حلم، وفي صندوقه الأسود: قلب وقلم ووصية، وفي المئذنة: مرثية عليه، وورقة شتائية ممطرة . . تنتظر القطف .

وجاء تحت عنوان “أشياء الحضور” في الكتاب نفسه أربع مقالات بمثابة قراءة في هذه النصوص لكل من إبراهيم مبارك الذي كتب مقالاً بعنوان: الشاعر عبد الله السبب وتجربة السرد، وجعفر الجمري الذي كتب مقالاً بعنوان: أشكال تزيح الآليات، وعياش يحياوي الذي كتب دراسة بعنوان “ملاحظات مبدئية حول جنازة حب وأشياء أخرى”، ود .أسامة سماعنة الذي كتب دراسة بعنوان “رحلة في أعماق السبب جنازة حب وأشياء أخرى”، وعبد الفتاح صبري الذي كتب قراءة بعنوان “قصص بطعم الشعر” ود . هيثم يحيى الخواجة الذي قدم قراءة بعنوان “قصص عبد الله السبب اتجاهات في الحداثة وعمق في التكتيك، وسامح كعوش الذي كتب قراءة بعنوان “أشياء أخرى” قالها هذه المرة تصريحاً، عبد الله السبب يتشكل بالتجريب التعبيري ويرقص في مساحة النار، كما أفرد الكاتب بعد ذلك مسرداً بطريقة فنتازية عنونه ب”أفق القصة القادمة” وتضمن عناوين هي “ما نسيه البحر، في فم الذاكرة” مشاهد قصصية، وليالي الساهر على شوقه “قصة طويلة”، وروايات “قصص تراثية” وفصول “قصص مسرحية” وفصول “قصص مسرحية” ودوائر “قصص إدارية” موقعا الصفحة التي احتوت العناوين باسمه الثلاثي “عبد الله محمد السبب”، وكل هذا محاولة للاختلاف مع السائد، حتى في إطار شكل الإصدار، وإن كان هذا الاختلاف لايخفي “حبل سرته” المشتركة مع مناخات السبب كشاعر، بشكل أو بآخر، بل إن كل هذه القراءات المذيلة في نهاية الكتاب، تركز على الولع التجريبي لدى السبب .

وتراوحت الكتابات النقدية التي احتلت النصف الثاني من الكتاب بين ما هو احتفالي، وما هو نقدي، فمما كتبه إبراهيم مبارك: لهذه التجربة مشروعيتها في الظهور والنشر، وسوف نجد الكثير من القراء، الذين يديرون الحوارات الخاصة حولها، من حيث الفكرة والمضمون والطريقة، بينما رأى جعفر الجمري أنه: يعمد إلى المضي بذخيرة الشعر، وهو يلج عالم السرد، ومما قاله عياش يحياوي “هذه النصوص تفتقد إلى المفاهيم العامة المتعارف عليها في بناء القصة القصيرة، من زمان ومكان وحدث، ليلخص أن كتاباته “تجريبية”، وقد وجد د . أسامة سماعنة أن لنصوص الكاتب أبعاداً نفسية ولغوية وأسلوبية، إذ نهيئ هذه القصص الدخول في ذات الكاتب، وأن أسئلته معلقة ومحيرة، وأكد عبد الفتاح صبري أن القصص تمتلك تكثيفاً عالياً مشحوناً بتوتر الرمز والدلالة، وذهب د . هيثم يحيى الخواجة إلى أن قصة السبب لاتعنى بالزمكانية “البيئة المادية أو الواقع الحي أو الزمان” بسبب التوتر النفسي والمواقف الحساسة واللحظات الشعورية الفائضة ذات الفضاءات المعبرة، وقال سامح كعوش: إن السبب يحاول أن يبرهن لذاته الإنسانة، على صعيد أكثر التصاقاً بذاته هو في طبعه وطباعه المعروفة عنه في الاختفاء والانزواء، أو ما يجعله أقرب إلى طبيعة الأرض” .

وإذا كنا، قد أشرنا إلى بعض قبوسات الكتاب الذين كتبوا في تجريبية القص لدى السبب، فإن ذلك ما يشكل، غالباً، مقاربات مهمة من عوالم قصصه يقول في نص “جنازة” والذي يهديه إلى “حلم مزعج” أفشاه الشاعر الصديق “عبدالله عبد الوهاب” عبر الصفحة الثامنة من جريدة “البيان” الصادرة صبيحة يوم السبت 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1988م “في المساء . . وعلى بقعة الحب . . يجلس بين أحضان غرفته، ويتكلم: عن العرق . . والوعود . . والقلق . . وعن الموت دهسا على رصيف الأمل . . وفي المساء . .يلوذ بالفرار إلى المقهى القديم . . لنفث السيجارة واجترار الأمنيات، “وإذا كانت هذه القبسة تمثل مقطعاً من أربعة مقاطع في النص يقول في المقطع الثاني منه: “وفي المساء . .أقر الرجل: ليلة الأحد، جئت من آخر النهار . .محملاً ببقايا صمت، مبطنة بشيء ما، انهلت بها ضرباً على أنثى . . قد أزالت عن عيني شيئاً ما، وفي عينيها أحزان وطن، ليقول في المقطع الثالث: وفي المساء . . بحر الرجل يقول: ليلة الأحد، ذهبت إلى المقهى القديم، نفثت السيجارة، وبجواري . .كلب أسود، يلعق أنف كلب، أحسست ببقايا الموت تطاردني، وبقايا الصمت تخنقني، تواريت داخل ثقوب معطفي، داخل تشققات حذائي، داخل ذكريات طفولتي، و . . . أخرجت رأسي، وعدت إلى بقايا منزلي، بقايا غرفتي، وجلست بين أطلال أحزانها . ليكون المقطع الرابع خاتمة النص إذ يقول فيه: في المساء، خذ الرجل . وما زال يقول: أنا الآن، جثو فوق بقعة تعب . . من المساء، إلى المساء .

إذا كانت الضرورة قد اقتضت هنا، عدم كتابة النص، وفق تشكيله الشعري الذي كتب به، كتعالق شكلي، بين جنسين، إبداعيين، فإن النص القصصي لدى السبب، يستعير الكثير من عناصر الشعرية، لدرجة يكاد يكون نصاً شعرياً، وإن كان هناك هرموني ما يحاول التمظهر بحكائية افتراضية، فإن اللغة، والصورة، تكادان تكونان غير قصصيتين، لولا محاولة التمويه التي تظهر من خلال بداية كل مقطع: في المساء . . . . .إلخ، ناهيك عن اقتصاد اللغة، والحذف، وإظهار جماليات جديدة، وخلخلة آليات التلقي، وخلق عوالم جديدة، والخروج عن الأنموذج، من خلال كتابة اللامألوف، وإشراك القارىء في كتابة النص، وإخراجه من دائرة سلبية التلقي، بلغة مخاتلة، مراوغة، غير ثابتة، والتركيز على لحظة الذروة، على امتداد الشريط اللغوي المختصر للنص، بعيداً عن أي استطراد، أو استرسال، وغياب ملامح الشخصية .

عموماً، الكاتب السبب يقدم في كتابه الجديد، قصصاً تجريبية، مختلفة عن السائد، وفيها بصماته الخاصة، وإن كانت تتدانى من عوالمه الشعرية، المعروفة، لغة، وتكثيفاً، ورؤى، لتكون نصوصاً مفتوحة على الشعر، بل يتزاوج عبرها السرد بالشعر .

هوامش:

* “جنازة حب وأشياء أخرى” عبدالله محمد السبب - سلسلة الإبداع الأدبي-مركز الدراسات والوثائق2011

* القصة القصيرة: عناصرها وشروطها-خليل الفزيع

* القصة القصيرة:عبد العزيز عبد الحميد

التجريب في القصة القصيرة: محمد بن زعبار