رذاذ عبدالله
29 - 10 - 2011, 10:41 AM
أنيس منصور المثير للجدل
أصدر أكثر من 200 كتاب وأنجزت عنه 17 دراسة
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-781dd63243.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-781dd63243.jpg)
كان أنيس منصور شخصاً مثيراً للجدل باستمرار، يختلف حوله الكثيرون وحول ما يكتبه، سواء كان مترجما أم مؤلفا، لكن أحدا لا يختلف على أن هناك قراء بالملايين ظلوا يتابعون ما يكتبه لسنوات، وأن بعض كتبه صدر في أكثر من 20 طبعة، خصوصا كتابه الأشهر في أدب الرحلات “حول العالم في 200 يوم”، وهو الكتاب الذي أهّل أنيس منصور للفوز بجائزة الدولة التشجيعية عام ،1964 وكان ذلك في وقت أصدر فيه نحو 64 كتاباً في الدراسات الأدبية والفلسفية، والترجمة، والقصة، والرواية، والمسرح .
وعن الكتاب الفائز بجائزة الدولة التشجيعية جاء في تقرير اللجنة عن أدب الرحلات “أنه أمتع وأروع ما كتب، فقد توافرت له دقة الملاحظة، ووفرة المعلومات، وخفة الروح، وجمال العبارة، فكانت مزيجا من الأدب والفلسفة والشاعرية والفكاهة” .
هذا جانب من تقرير اللجنة عن أنيس منصور، الذي أنجز في أدب الرحلات أكثر من كتاب: “أعجب الرحلات في التاريخ، وغريب في بلاد غريبة، وبلاد الله خلق الله، وأطيب تحياتي من موسكو”، وغيرها من كتب، لكن يبقى الأهم من كل هذا كتابه “حول العالم في 200 يوم”، الذي كتب طه حسين مقدمة له، برغم أن “منصور” تلميذ مخلص للعقاد، خصم عميد الأدب العربي في الحياة الثقافية .
كتب د .طه حسين: “هذا كتاب ممتع حقاً، تقرؤه فلا تنقص متعتك، بل تزيد كلما تقدمت في قراءته، ومع أنه من الكتب الطوال جداً فميزته الكبرى هي أنك حين تقرؤه لا تحتاج إلى راحة، وإنما تود لو تستطيع أن تمضي فيه، حتى تبلغ آخره في مجلس واحد، لأنك تجد فيه المتعة والراحة والسلوى وإرضاء حاجتك إلى الاستطلاع” .
هناك صورة أخرى رسمها د .لويس عوض لأنيس منصور تشي بما يريد قوله، تلميحاً لا تصريحاً، حيث تتلمذ أنيس على يدي عوض في كلية الآداب، وحين التقيا بعد سنوات في أحد شوارع القاهرة، وكان ذلك في عام ،1953 عرف لويس عوض أن منصور عُين معيدا في قسم الفلسفة، بجامعة عين شمس، وأنه يمارس الكتابة الصحافية في دار أخبار اليوم، التي عرضت عليه أن يستقيل من الجامعة، ليتفرغ للصحافة، مقابل راتب ضخم .
يقول لويس عوض: “مرت نحو عشر سنوات أخرى، ثم التقيت أنيس منصور مصادفة في عام ،1963 كانت فضائحه الصحافية تبلغني كحكاية السلة والجن والعفاريت، ودعاني أو دعوته لمزيد من الحوار على إحدى موائد مقهى “الإكسلسيور” المطلة على شارع عدلي في وسط القاهرة، وفوجئت بعد دقيقتين أمام النافذة الكبيرة، قبالة مائدتنا، بمجموعة من الشباب وأحدهم يصيح: أنيس منصور . . أنيس منصور” .
هذه اللقطة التي كتبها لويس عوض توجز الحالة، فالكاتب الذي يمتلك جمهوراً عريضاً على هذا النحو يؤهله لأن يصبح نجماً سينمائياً، تختلف الآراء حوله، لويس عوض مثلاً كان يراه حتى تلك اللحظة 1963 “مجرد أديب ضل طريقه إلى الصحافة” .
بعد ذلك حين يحصل أنيس منصور على جائزة مبارك في الآداب عام 2000 (تغير اسمها إلى النيل بعد ثورة 25 يناير)، أعلن الأدباء غضبهم متسائلين: وما علاقة أنيس منصور بالأدب؟ فهو في نظرهم ليس إلا صحافيا، يمتلك أسلوباً خاصاً في كتابة عموده اليومي أو الأسبوعي، كما أنه ظل أبداً يروج لخرافات عن الأطباق الطائرة والعفاريت، والكائنات الغامضة التي هبطت من السماء لبناء الأهرامات .
وازداد الجدل سخونة حين تولى أنيس منصور موقع مقرر لجنة الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة، خلفاً للمفكر الراحل محمود أمين العالم، فما علاقة منصور بالفلسفة؟ إنه ليس إلا دارساً لها، وناقلاً لآراء بعض فلاسفة الوجودية، هكذا يرى غير نفر من المثقفين .
هذا المعنى ارتبط بأنيس منصور في كل حالاته سواء كان مبدعاً (إبداعه لا يؤهله للجوائز)، أو مترجماً غير ملتزم بدقة النقل، بل إنه حين ترجم كتاب “الخالدون مئة وأعظمهم محمد” أغفل في الطبعات التالية اسم مؤلفه “مايكل هارت” وبقي اسم أنيس منصور وحده مؤلفاً لا مترجماً .
أنيس منصور إذن ظاهرة كبرى في الحياة الثقافية العربية، حتى إن لويس عوض كتب في المقال الذي أشرنا إليه: “تعلمت أن هناك جيلاً جديداً من الشباب يجب أن يحسب حسابه، جيلاً يستمد ثقافته ونظرته للحياة من أنيس منصور، بغض النظر عن رأينا في هذه الثقافة وهذه النظرة للحياة” .
ويواصل لويس عوض: “وسألت نفسي هذا السؤال: هل ورث أنيس منصور بأدواته الأكثر عصرية، وببرشام الفكر الذي يقدمه لقرائه، رعايا إحسان عبدالقدوس، أم ترى لكل منهما دولته المستقلة؟ ومنذ ذلك التاريخ (1963) بدأت أتابع كتابات أنيس منصور ما أمكنني، ذلك ليس فقط لأعرف ماذا يقول، ولكن لأكون فكرة عن عقلية شريحة كبيرة من الجيل الصاعد” .
أنيس منصور ظاهرة محيرة بالفعل، فالرجل الذي يطرده الأدباء من جنة الأدب، أنجز ما يزيد على 200 كتاب في مختلف المعارف، وقدمت عنه دراسات أكاديمية وكتب، تزيد على 17 دراسة وكتاباً، منها رسالة دكتوراه من جامعة سيدني عن “الفكر السياسي لأنيس منصور” و”العبارة الجميلة السريعة في أدب أنيس منصور” من جامعة بغداد .
ربما يكمن سر أنيس منصور كظاهرة في ما كتبه رائد القصة العربية “محمود تيمور”: “إن أنيس منصور من قوارض الكتب والمجلات والنشرات، يقرأ لك المائتين من الصحائف، ويحسن هضم ما قرأ، ثم يعرض عليك خلاصاتها في سياق رائع، وهو مرهف الذوق في الاختيار والعرض، لا ينتقي لك ما يشغل ذهنك، ويملأ سمعك، من موضوعات الساعة وقضايا العصر، فإذا عرض لك الماضي، ربط بينه وبين الحاضر، ونفى عنه جفافه ووحشته” .
إذاً أنيس منصور أعظم قارئ يكتب، ومن أسراره البساطة في الأسلوب، لذلك وصل إلى ملايين القراء، وإذا كان صحافياً بالمصادفة، كما قال، فإن الصحافة أعطته كل ما يتمناه أديب من الشهرة .
من بين هذه الغزارة التأليفية التي كان عليها أنيس منصور، سيظل كتاب “في صالون العقاد كانت لنا أيام” أهم ما كتب، حتى إن يوسف إدريس وصفه بأنه “كتاب جامع رائع”، وهو “ليس كغيره من مؤلفات أنيس منصور، يكتفي بما خف حمله، إنه واعر يغوص وينقب ويخرج بلآلئ حقيقية” .
وشبهه الراحل كامل زهيري بكتاب “سيمون دي بوفوار” عن المثقفين، في حين أن أحمد بهاء الدين قال “أختلف معه أنيس منصور سياسياً وفكرياً وفلسفيا، وفي النظرة الشاملة إلى الحياة، والداعي لهذه المقدمة أنني أريد أن ألفت نظر القارئ إلى عمل أدبي عظيم قدمه لنا”، يقصد كتاب “في صالون العقاد كانت لنا أيام” .
ما بين رأي يوسف إدريس وما قاله أحمد بهاء الدين عن اختلاف بينه وبين أنيس منصور، نستطيع أن نبني خلاصة تشير إلى أن ما كتبه منصور كان خفيفاً، وأن الاختلاف بين بهاء الدين وبينه قائم على أساس تحامل منصور على الحقبة الناصرية، وهجومه الدائم والمجاني على جمال عبد الناصر، وانحيازه السافر إلى السادات .
وفي هذا الشأن كتب كتابين “عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا” و”أوراق السادات”، والثاني آخر كتاب صدر له، لكن المشكل الرئيسي في شخصية أنيس منصور هو سعيه الدؤوب للوقوف في وجه رافضي التطبيع، فالرجل كان يجاهر بصداقته عدداً من ساسة الكيان الصهيوني الغاصب وكتّابه، إيماناً منه ربما بضرورة السلام .
بل إنه تمادى في هذا الطريق للدرجة التي جعلته يتدخل لدى الرئيس السادات، لإشراك “إسرائيل” في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتحمل الشاعر صلاح عبدالصبور وحده باعتباره رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب وزر هذه الخطيئة التي دفعت عدداً من المثقفين للتظاهر أمام جناح المشاركة ““الإسرائيلية” وواجهتهم سلطات الأمن بالقمع والاعتقال، وفي كل الحالات كانت أصابع الاتهام تشير إلى صلاح عبدالصبور .
وما يثير الدهشة أن أنيس منصور في أعقاب نكسة ،1967 صرف اتجاهه لدراسة اليهود والصهيونية، وأصدر عدة كتب تحت عنوان “اعرف عدوك”، ومنها “حائط الدموع” و”جيل الصابرا” و”وجع في قلب “إسرائيل””، لكنه في زمن التحولات التي عصفت بمصر، كان ينتظر الطائرة الخاصة، التي أرسلها له السادات، عندما كان يؤدي فريضة الحج في السعودية، لتقله إلى مصر، حتى يلحق بطائرة السادات المتجهة إلى “تل أبيب” في زيارة تركت تداعياتها الخطرة على المنطقة إلى اليوم .
كل هذا يدفع للسؤال: ما الذي سيبقى من أنيس منصور بعد رحيله؟ سيبقى أنه صادق رؤساء وفنانين وكتاباً كباراً، وعاش حياته يكتب المقال اليومي والأسبوعي لأكثر من صحيفة ومجلة، وعاش 87 عاماً، منضبطاً كالساعة لا يحب السهر، ويصحو مبكراً، لا يفعل شيئاً سوى القراءة بست لغات كان يجيدها، ورسمت علاقته بأمه طريق حياة سار عليه حتى آخر يوم في عمره، من دون أن يحقق لها ما كانت تتمناه في أن يصبح وزيراً .
سيرة ذاتية
أنيس منصور (1924-2011) ولد في مدينة المنصورة، تلك المدينة التي أعلنت غضبها عليه منذ ما يقرب من عامين، وطالبت بإزالة تمثاله المقام في أحد شوارعها الرئيسية، لأنه تحدث عن تداخل الأنساب فيها، إبان حملة لويس التاسع الصليبية، ولذا اكتسب أبناؤها وبناتها حسبما ذهب منصور البشرة الشقراء والعيون الملونة، لكن أساتذة التاريخ فندوا هذه الرؤية، برد أنيس منصور إلى حقيقة ما جرى أثناء هذه الحملة الصليبية، التي انتهت بلويس التاسع أسيرا في المنصورة، ينتظر دفع الفدية لإطلاق سراحه .
وفي عام 1947 حاز أنيس منصور ليسانس الآداب قسم الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) مع مرتبة الشرف الأولى، وكان الأول على القطر المصري في التوجيهية، عام ،1943 وهذا ما أهله للعمل معيداً بكلية الآداب، جامعة عين شمس، قسم الفلسفة عام ،1955 لكنه استقال من العمل بالجامعة حين صدر قانون نقابة الصحافيين المصريين آنذاك، بتحريم العمل في الصحافة لغير المتفرغين لها .
بدأ أنيس منصور حياته الصحافية مترجماً للقصة في جريدة “الأساس” ثم انتقل إلى “الأهرام” ولم يكن مسموحاً له بالتوقيع، نظراً لحداثة سنه آنذاك، ووفقاً لتقاليد الأهرام، وبين عامي 1950 و1952 كان مسؤولاً عن تحرير الصفحة النسائية والكتابة عن الموضة الأوروبية، بأسماء نسائية .
وفي عام 1952 كان يكتب في “روزاليوسف” عن الملك فاروق وأخباره، بتوقيع نسائي “سيلفانا ماريللي”، وحين انتقل للعمل في أخبار اليوم، نشر خبراً في “روزاليوسف”، نعى فيه موت المحررة سيلفانا، خوفاً من أن ينتحل شخصيتها أحد .
وفي عام 1959 قام بأشهر رحلة صحافية في الوطن العربي، استغرقت 225 يوما، وكان أول صحافي يزور قارة أستراليا، وأول من يلتقي “الدالاي لاما” في منفاه في الهند، وأول من يزور منفى الزعيم أحمد عرابي في جزيرة سرنديب، وطالب آنذاك بتحويل بيت عرابي إلى متحف، وهو ما حدث في ما بعد .
ونتيجة لنجاح هذه السلسلة من الرحلات تم اختياره رئيساً لتحرير مجلة “الجيل” عام ،1960 وبعدها أخذ يتنقل بين أكثر من صحيفة ومجلة، رئيساً لتحريرها: “هي” (1962) “آخر ساعة” (1970)، وفي عام 1976 أنشأ وترأس مجلس إدارة وتحرير مجلة (أكتوبر)، التي يبدو أن السادات أصدر قراراً بإنشائها، إرضاء لصديقه أنيس منصور، وكان آخر موقع يتولاه هو رئاسة تحرير جريدة مايو (1985)، لسان حال الحزب الوطني المنحل .
أصدر أكثر من 200 كتاب وأنجزت عنه 17 دراسة
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-781dd63243.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-781dd63243.jpg)
كان أنيس منصور شخصاً مثيراً للجدل باستمرار، يختلف حوله الكثيرون وحول ما يكتبه، سواء كان مترجما أم مؤلفا، لكن أحدا لا يختلف على أن هناك قراء بالملايين ظلوا يتابعون ما يكتبه لسنوات، وأن بعض كتبه صدر في أكثر من 20 طبعة، خصوصا كتابه الأشهر في أدب الرحلات “حول العالم في 200 يوم”، وهو الكتاب الذي أهّل أنيس منصور للفوز بجائزة الدولة التشجيعية عام ،1964 وكان ذلك في وقت أصدر فيه نحو 64 كتاباً في الدراسات الأدبية والفلسفية، والترجمة، والقصة، والرواية، والمسرح .
وعن الكتاب الفائز بجائزة الدولة التشجيعية جاء في تقرير اللجنة عن أدب الرحلات “أنه أمتع وأروع ما كتب، فقد توافرت له دقة الملاحظة، ووفرة المعلومات، وخفة الروح، وجمال العبارة، فكانت مزيجا من الأدب والفلسفة والشاعرية والفكاهة” .
هذا جانب من تقرير اللجنة عن أنيس منصور، الذي أنجز في أدب الرحلات أكثر من كتاب: “أعجب الرحلات في التاريخ، وغريب في بلاد غريبة، وبلاد الله خلق الله، وأطيب تحياتي من موسكو”، وغيرها من كتب، لكن يبقى الأهم من كل هذا كتابه “حول العالم في 200 يوم”، الذي كتب طه حسين مقدمة له، برغم أن “منصور” تلميذ مخلص للعقاد، خصم عميد الأدب العربي في الحياة الثقافية .
كتب د .طه حسين: “هذا كتاب ممتع حقاً، تقرؤه فلا تنقص متعتك، بل تزيد كلما تقدمت في قراءته، ومع أنه من الكتب الطوال جداً فميزته الكبرى هي أنك حين تقرؤه لا تحتاج إلى راحة، وإنما تود لو تستطيع أن تمضي فيه، حتى تبلغ آخره في مجلس واحد، لأنك تجد فيه المتعة والراحة والسلوى وإرضاء حاجتك إلى الاستطلاع” .
هناك صورة أخرى رسمها د .لويس عوض لأنيس منصور تشي بما يريد قوله، تلميحاً لا تصريحاً، حيث تتلمذ أنيس على يدي عوض في كلية الآداب، وحين التقيا بعد سنوات في أحد شوارع القاهرة، وكان ذلك في عام ،1953 عرف لويس عوض أن منصور عُين معيدا في قسم الفلسفة، بجامعة عين شمس، وأنه يمارس الكتابة الصحافية في دار أخبار اليوم، التي عرضت عليه أن يستقيل من الجامعة، ليتفرغ للصحافة، مقابل راتب ضخم .
يقول لويس عوض: “مرت نحو عشر سنوات أخرى، ثم التقيت أنيس منصور مصادفة في عام ،1963 كانت فضائحه الصحافية تبلغني كحكاية السلة والجن والعفاريت، ودعاني أو دعوته لمزيد من الحوار على إحدى موائد مقهى “الإكسلسيور” المطلة على شارع عدلي في وسط القاهرة، وفوجئت بعد دقيقتين أمام النافذة الكبيرة، قبالة مائدتنا، بمجموعة من الشباب وأحدهم يصيح: أنيس منصور . . أنيس منصور” .
هذه اللقطة التي كتبها لويس عوض توجز الحالة، فالكاتب الذي يمتلك جمهوراً عريضاً على هذا النحو يؤهله لأن يصبح نجماً سينمائياً، تختلف الآراء حوله، لويس عوض مثلاً كان يراه حتى تلك اللحظة 1963 “مجرد أديب ضل طريقه إلى الصحافة” .
بعد ذلك حين يحصل أنيس منصور على جائزة مبارك في الآداب عام 2000 (تغير اسمها إلى النيل بعد ثورة 25 يناير)، أعلن الأدباء غضبهم متسائلين: وما علاقة أنيس منصور بالأدب؟ فهو في نظرهم ليس إلا صحافيا، يمتلك أسلوباً خاصاً في كتابة عموده اليومي أو الأسبوعي، كما أنه ظل أبداً يروج لخرافات عن الأطباق الطائرة والعفاريت، والكائنات الغامضة التي هبطت من السماء لبناء الأهرامات .
وازداد الجدل سخونة حين تولى أنيس منصور موقع مقرر لجنة الفلسفة في المجلس الأعلى للثقافة، خلفاً للمفكر الراحل محمود أمين العالم، فما علاقة منصور بالفلسفة؟ إنه ليس إلا دارساً لها، وناقلاً لآراء بعض فلاسفة الوجودية، هكذا يرى غير نفر من المثقفين .
هذا المعنى ارتبط بأنيس منصور في كل حالاته سواء كان مبدعاً (إبداعه لا يؤهله للجوائز)، أو مترجماً غير ملتزم بدقة النقل، بل إنه حين ترجم كتاب “الخالدون مئة وأعظمهم محمد” أغفل في الطبعات التالية اسم مؤلفه “مايكل هارت” وبقي اسم أنيس منصور وحده مؤلفاً لا مترجماً .
أنيس منصور إذن ظاهرة كبرى في الحياة الثقافية العربية، حتى إن لويس عوض كتب في المقال الذي أشرنا إليه: “تعلمت أن هناك جيلاً جديداً من الشباب يجب أن يحسب حسابه، جيلاً يستمد ثقافته ونظرته للحياة من أنيس منصور، بغض النظر عن رأينا في هذه الثقافة وهذه النظرة للحياة” .
ويواصل لويس عوض: “وسألت نفسي هذا السؤال: هل ورث أنيس منصور بأدواته الأكثر عصرية، وببرشام الفكر الذي يقدمه لقرائه، رعايا إحسان عبدالقدوس، أم ترى لكل منهما دولته المستقلة؟ ومنذ ذلك التاريخ (1963) بدأت أتابع كتابات أنيس منصور ما أمكنني، ذلك ليس فقط لأعرف ماذا يقول، ولكن لأكون فكرة عن عقلية شريحة كبيرة من الجيل الصاعد” .
أنيس منصور ظاهرة محيرة بالفعل، فالرجل الذي يطرده الأدباء من جنة الأدب، أنجز ما يزيد على 200 كتاب في مختلف المعارف، وقدمت عنه دراسات أكاديمية وكتب، تزيد على 17 دراسة وكتاباً، منها رسالة دكتوراه من جامعة سيدني عن “الفكر السياسي لأنيس منصور” و”العبارة الجميلة السريعة في أدب أنيس منصور” من جامعة بغداد .
ربما يكمن سر أنيس منصور كظاهرة في ما كتبه رائد القصة العربية “محمود تيمور”: “إن أنيس منصور من قوارض الكتب والمجلات والنشرات، يقرأ لك المائتين من الصحائف، ويحسن هضم ما قرأ، ثم يعرض عليك خلاصاتها في سياق رائع، وهو مرهف الذوق في الاختيار والعرض، لا ينتقي لك ما يشغل ذهنك، ويملأ سمعك، من موضوعات الساعة وقضايا العصر، فإذا عرض لك الماضي، ربط بينه وبين الحاضر، ونفى عنه جفافه ووحشته” .
إذاً أنيس منصور أعظم قارئ يكتب، ومن أسراره البساطة في الأسلوب، لذلك وصل إلى ملايين القراء، وإذا كان صحافياً بالمصادفة، كما قال، فإن الصحافة أعطته كل ما يتمناه أديب من الشهرة .
من بين هذه الغزارة التأليفية التي كان عليها أنيس منصور، سيظل كتاب “في صالون العقاد كانت لنا أيام” أهم ما كتب، حتى إن يوسف إدريس وصفه بأنه “كتاب جامع رائع”، وهو “ليس كغيره من مؤلفات أنيس منصور، يكتفي بما خف حمله، إنه واعر يغوص وينقب ويخرج بلآلئ حقيقية” .
وشبهه الراحل كامل زهيري بكتاب “سيمون دي بوفوار” عن المثقفين، في حين أن أحمد بهاء الدين قال “أختلف معه أنيس منصور سياسياً وفكرياً وفلسفيا، وفي النظرة الشاملة إلى الحياة، والداعي لهذه المقدمة أنني أريد أن ألفت نظر القارئ إلى عمل أدبي عظيم قدمه لنا”، يقصد كتاب “في صالون العقاد كانت لنا أيام” .
ما بين رأي يوسف إدريس وما قاله أحمد بهاء الدين عن اختلاف بينه وبين أنيس منصور، نستطيع أن نبني خلاصة تشير إلى أن ما كتبه منصور كان خفيفاً، وأن الاختلاف بين بهاء الدين وبينه قائم على أساس تحامل منصور على الحقبة الناصرية، وهجومه الدائم والمجاني على جمال عبد الناصر، وانحيازه السافر إلى السادات .
وفي هذا الشأن كتب كتابين “عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا” و”أوراق السادات”، والثاني آخر كتاب صدر له، لكن المشكل الرئيسي في شخصية أنيس منصور هو سعيه الدؤوب للوقوف في وجه رافضي التطبيع، فالرجل كان يجاهر بصداقته عدداً من ساسة الكيان الصهيوني الغاصب وكتّابه، إيماناً منه ربما بضرورة السلام .
بل إنه تمادى في هذا الطريق للدرجة التي جعلته يتدخل لدى الرئيس السادات، لإشراك “إسرائيل” في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتحمل الشاعر صلاح عبدالصبور وحده باعتباره رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب وزر هذه الخطيئة التي دفعت عدداً من المثقفين للتظاهر أمام جناح المشاركة ““الإسرائيلية” وواجهتهم سلطات الأمن بالقمع والاعتقال، وفي كل الحالات كانت أصابع الاتهام تشير إلى صلاح عبدالصبور .
وما يثير الدهشة أن أنيس منصور في أعقاب نكسة ،1967 صرف اتجاهه لدراسة اليهود والصهيونية، وأصدر عدة كتب تحت عنوان “اعرف عدوك”، ومنها “حائط الدموع” و”جيل الصابرا” و”وجع في قلب “إسرائيل””، لكنه في زمن التحولات التي عصفت بمصر، كان ينتظر الطائرة الخاصة، التي أرسلها له السادات، عندما كان يؤدي فريضة الحج في السعودية، لتقله إلى مصر، حتى يلحق بطائرة السادات المتجهة إلى “تل أبيب” في زيارة تركت تداعياتها الخطرة على المنطقة إلى اليوم .
كل هذا يدفع للسؤال: ما الذي سيبقى من أنيس منصور بعد رحيله؟ سيبقى أنه صادق رؤساء وفنانين وكتاباً كباراً، وعاش حياته يكتب المقال اليومي والأسبوعي لأكثر من صحيفة ومجلة، وعاش 87 عاماً، منضبطاً كالساعة لا يحب السهر، ويصحو مبكراً، لا يفعل شيئاً سوى القراءة بست لغات كان يجيدها، ورسمت علاقته بأمه طريق حياة سار عليه حتى آخر يوم في عمره، من دون أن يحقق لها ما كانت تتمناه في أن يصبح وزيراً .
سيرة ذاتية
أنيس منصور (1924-2011) ولد في مدينة المنصورة، تلك المدينة التي أعلنت غضبها عليه منذ ما يقرب من عامين، وطالبت بإزالة تمثاله المقام في أحد شوارعها الرئيسية، لأنه تحدث عن تداخل الأنساب فيها، إبان حملة لويس التاسع الصليبية، ولذا اكتسب أبناؤها وبناتها حسبما ذهب منصور البشرة الشقراء والعيون الملونة، لكن أساتذة التاريخ فندوا هذه الرؤية، برد أنيس منصور إلى حقيقة ما جرى أثناء هذه الحملة الصليبية، التي انتهت بلويس التاسع أسيرا في المنصورة، ينتظر دفع الفدية لإطلاق سراحه .
وفي عام 1947 حاز أنيس منصور ليسانس الآداب قسم الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً) مع مرتبة الشرف الأولى، وكان الأول على القطر المصري في التوجيهية، عام ،1943 وهذا ما أهله للعمل معيداً بكلية الآداب، جامعة عين شمس، قسم الفلسفة عام ،1955 لكنه استقال من العمل بالجامعة حين صدر قانون نقابة الصحافيين المصريين آنذاك، بتحريم العمل في الصحافة لغير المتفرغين لها .
بدأ أنيس منصور حياته الصحافية مترجماً للقصة في جريدة “الأساس” ثم انتقل إلى “الأهرام” ولم يكن مسموحاً له بالتوقيع، نظراً لحداثة سنه آنذاك، ووفقاً لتقاليد الأهرام، وبين عامي 1950 و1952 كان مسؤولاً عن تحرير الصفحة النسائية والكتابة عن الموضة الأوروبية، بأسماء نسائية .
وفي عام 1952 كان يكتب في “روزاليوسف” عن الملك فاروق وأخباره، بتوقيع نسائي “سيلفانا ماريللي”، وحين انتقل للعمل في أخبار اليوم، نشر خبراً في “روزاليوسف”، نعى فيه موت المحررة سيلفانا، خوفاً من أن ينتحل شخصيتها أحد .
وفي عام 1959 قام بأشهر رحلة صحافية في الوطن العربي، استغرقت 225 يوما، وكان أول صحافي يزور قارة أستراليا، وأول من يلتقي “الدالاي لاما” في منفاه في الهند، وأول من يزور منفى الزعيم أحمد عرابي في جزيرة سرنديب، وطالب آنذاك بتحويل بيت عرابي إلى متحف، وهو ما حدث في ما بعد .
ونتيجة لنجاح هذه السلسلة من الرحلات تم اختياره رئيساً لتحرير مجلة “الجيل” عام ،1960 وبعدها أخذ يتنقل بين أكثر من صحيفة ومجلة، رئيساً لتحريرها: “هي” (1962) “آخر ساعة” (1970)، وفي عام 1976 أنشأ وترأس مجلس إدارة وتحرير مجلة (أكتوبر)، التي يبدو أن السادات أصدر قراراً بإنشائها، إرضاء لصديقه أنيس منصور، وكان آخر موقع يتولاه هو رئاسة تحرير جريدة مايو (1985)، لسان حال الحزب الوطني المنحل .