رذاذ عبدالله
10 - 11 - 2011, 10:39 PM
'رحيل امرأة' لميسون النوباني: نَسْجُ القصيدة باستلهام التاريخ
* القدس العربـي
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8816f3acd2.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8816f3acd2.jpg)
تمثل 'رحيل امرأة'، وهي باكورة إنتاج صاحبتها الشاعرة الأردنية الشابة ميسون النوباني، إطلالة متأنية ومتدفقة بالحيوية على مشهد الحياة، وهي إطلالة توازي بين المكان التاريخي والشخصيات الأسطورية من جهة، واللحظة الراهنة وملامحها المعاصرة من جهة أخرى.
صيغت قصائد المجموعة الصادرة عن دار فضاءات بدعم من وزارة الثقافة (2011)، بوعي شعري قادر على سكب أطياف الواقع المعاش على قماشة القديم الغابر، لتتوهج القصائد لوحاتٍ مزركشة بألوان الحياة الشفافة، تؤشر على صدق التجربة الفنية وجدّيتها.
هكذا، تصنع النوباني هنا، أسطورتها الخاصة، مستثمرةً معطيات الأسطورة والتاريخ وحضور المكان، لتبوح بمكنوناتها، حالمةً بالانبعاث الروحي للأمة العربية والتحرر من جبروت العدو، لذا نراها في 'أغنية البترا' تتأمل في دهشةٍ، بناء مدينة الصخر والورد التي تذكِّر بعظَمة آدوم التي دحرت جيش الغازين، وترى المارد وهو يخرج من قلب 'الخزنة' مجلَّلاً بقداسة المكان، ليكون التعبير عن حاجة البلاد العربية للخصب ممثلاً بـ'عشتار' وهي تمشط الأرض بكفّيها فتزهر الصحراء وتصير كسهول حوران:
'إن تصغي لسكون الليل
سيرقُّ القلب لصوت الفأس
يمحو ويعيد بناءَ الأشياء
سترى عشتارَ تمشّط أهداب الأرض
تزهر في يدها الصحراء
ترتشف رحيق الكدّ
فتعانق جنة حوران'.
والشاعرة إلى ذلك، تجوب في جرش التاريخية، تلك التي تنتمي إليها، وفيها وُلدت وعاشت يفاعتها، فتتحاور مع أقواس نصرها الشامخة وسبيل حورياتها العذب، وتستحضر أرتيمس آلهة الصيد والعذرية وحامية النساء، وتتوحد بالقصيد وعشب الأرض وقداسة أشجار السرو والصنوبر، وتتحسس الشاعرة وجود أمها/الأنثى التي تظهر صورة موازية للمدينة، ولـ'أرتيمس'، وللنساء، تبحث عنها الشاعرة بين ثنايا الأرض وقد غيَّبها الموت، وعندما لا تجد منها سوى صورتها المبثوثة في أشجار الحور والغيوم وخيوط الشمس، تعتذر لها عن الرحيل:
'لو كنتُ خيوطَ الشمس
لو أني أملك يومي أو أمس
لتجذّر ساقي في عمقك عذراً
عن كل رحيل'.
تستحضر النوباني شخصياتٍ لها حضورها في الذاكرة الإنسانية، ساعيةً إلى تصوير آلام الإنسان الذي هُجّر من بيته ووطنه في أصقاع الأرض، وتتلمس في مقاطعها الشفيفة قضايا الوجود وحقيقة الموت والانبعاث، من خلال العنقاء الخارجة من رحم بحر أيلة، و'أبولو' إله الشمس والموسيقى، مازجةً ذلك كلّه ضمن نصوص شعرية تضفي على عناصر الطبيعة ملامح أسطورية فانتازية، تتعالق مع التراث بتفاعلها معه هدماً وبناءً، وهو ما يعدّ من أبرز ميزات المجموعة.
ففي وصفها للمدينة التي وُئدت الطبيعة فيها تحت علب إسمنتية خانقة، تستحضر النوباني أسطورة 'ميدوزا' الجميلة التي ارتكبت الفاحشة فتحولت إلى امرأة بشعة واستحال شعرها إلى أفاعٍ قاتلة، لتصبح 'ميدوزا' رمزاً واضحاً على مدينة الإسفلت المرعبة:
'عجرفة الريح اقتلعت آخر غابات اللوز
ميدوزا تصنع إكليل الغار
صنماً يتعرّى كل مساء
كي يبحث عن زورق
ويحملق في الجارية العمياء'.
وبهدف تعميق الصورة الحسية المحبوكة بتؤدة، اعتمدت النوباني لغةً مكثفة موحية، تمكّنت من إبراز ملامح الشخصية المثقلة بالأوجاع والهموم والخسارات، والتي ما تزال تحلم بغد مشرق، رغم واقعها المر، حاملةً مشعل أجدادها الذين طوّعوا الصخر وكان سيفهم بتاراً على كل من تسوّل له نفسه اجتياز باب الحمى:
'إن تصغي لسكون الليل
قد سلبت لبك أناتُ الوادي
والريح تسابقها الريح
تعزف للفجر نشيداً
من فرح الروح
تنبئك بأنك جزء من هذا السحر
ترديك قتيلاً
إن طأطأت الرأس
وتلوّح قلبك
إن راودك اليأس
في هذا الأفق ستعرف أنك مخلوق أزلي
تسعى دوماً للخلد
بالعزم تذيب أناشيد الأرض
قمراً
وفؤوساً
فتميت البرد'.
لذا، وسمت النوباني الشخصيات التي تستحضرها في المجموعة، بوقوفها بين مدٍّ وجزر، وجمعها بين حالات متراكبة من العتمة والنور، والحزن والسعادة، والخذلان والانتصار، وفق ما يتطلبه سياق النص والمناسبة.
وفي تصويرها معاناة المرأة ومحاولتها الانعتاق من استبداد الرجل الذي أورثها الخسارات، تستدعي النوباني رمز 'حواء' المرأة الأولى، التي حُكم عليها أن تظل رهينة شقّ مبتور أوجده 'آدم' لا منفذ فيه لضياء ولا قطرة ماء تروي الظمأ:
'أبحث عني في حواء
فأراني
يُحتضر وجودي
أتململ فيه فينكرني
روحي
كالزهرة تسكن في أرض جرداء
عطشت أوراقي
لا نوراً.. لا ماء'.
والشاعرة إذ تدرك قفص المرأة التي تُحتجز فيه منذ 'نزولها' إلى الأرض، وتستدعي رمز 'ليلى' التي قتلها عشقُها وما شفعت لها عذريتها، فإنها تجد حريتها من خلال الكلمات التي تلظمها أغنيةً للنور والشمس والمطر:
'من كان توضأ بالعتمة
قد يجدي
أن يغتسل بنور الشمس
ها إني.. أسمع
ها.. صوت دافئ
أعمق أعمق في الروح
يختلج الوجع
يمزق أردية الوحدة
يطوف بساقية الزمن
على أشجار القلب
فأغني أغنيتي
مرحى مرحى للكلمات
كلمات تعزف مطراً
كلمات ترفع راية
تخرج من عمق الروح إلى صوت.. آية'.
هذه الحالات المركّبة التي تناولتها النوباني، أكسبت قصائدها قدراتٍ فنيةً ودلالية غير خافية، أضفت على نسيج القصيدة فيضاً فريداً من الرموز والإشارات والدلالات التي تشي بذلك العالم الغامض الشفيف، وتكشف عما يمور تحت غطائه من أفكار إنسانية وفلسفية ووجودية، عن طريق الأسطورة ورموزها التي لا تنضب، والتاريخ وحركته التي لا تفترّ، مستعينةً بثقافةٍ جليّة وسعة اطلاع واضحة، لتحقيق بناء شعري رمزي يخلّص القصيدة من غنائية فجة، ويحلّق بها في فضاء إنساني رحب. ومن ذلك قصيدتها 'في إيله' التي يذكر البحر فيها بمفردات العشق، والنصر، والسفر، فتستعيد الشاعرة تاريخ من جابوه، وما مر على مياهه من أحداث:
'يا بحر شراييني فيك معلقة
روحي تلتئم على قاعك
مرجانك وردٌ أحمر
والروضة في قلبك تزهر
علمني كيف تفتت ألوان الشمس على الأغصان؟
علمني
كيف تحارب روما؟
وتمر على الأنباط؟
وتريق ذؤابة عشقك
في حضرة مملوك؟
وتظل رياحك عاتية
وشموخ في ذاتك يعلوك'.
على صعيد آخر، وظّفت النوباني عناصر الطبيعة وموجوداتها في لوحات ومشاهد شمولية تنبض بالإيحاء وتعبّر عن حالات وجودية عميقة تسائل تصاريف الزمن والأقدار، وتكشف عن مشاعر الشاعرة مانحةً تجربتها وإحساسها الخاص تجاه الأشياء بعداً عاماً كليانياً، فتبدو قصيدتها لوحة مركّبة من أجزاء، غير أنها بمجملها جدارية كبرى للحياة، وفيها تنامُ الحصاةُ في البرد قبل أن تقذفها الريح من مكان لآخر، وهي في رحلة العذاب تلك تأمل أن تصعد للسماء فتنير كنجم متوهج:
'تلك حصاء نائمة
تعصف آلاف الأحجار بصورتها
تتقزّم
والبرّ بعيد
لو أطلقها الريحُ إلى نجم
هل كانت يوماً ستضيء'.
أما القمر فهو ينتظر طلوع الفجر مترقباً اقتراب الغياب:
'ليل حارق
سماءٌ تبكي
قمراً يتثاءبُ في عنق زجاجة
راح يغنّي
فجراً يغمرني الهمّ وأجثو'.
هذا الحس الرهيف لدى الشاعرة تجاه موجودات الكون والطبيعة، يكشف عن اختبار قريب، وعلاقة وطيدة بالأرض الأم؛ الأرض التي تنبت الخضرة والأزاهير، فتحاور الشاعرة أغصان الزيتونة وثمار التين وتكحّل العين بسرب النخيل، وتدغدغ قدميها بمياه الشاطئ وتستجدي البحر ليدلّها إلى طريق العودة للوطن.
وفي بحثها المتعب، تتوقف النوباني حيناً لتعود إلى الطفلة التي كانتها، تحمل الأحلام في كّفيها، وهي تستذكر من رحلوا؛ تمائم أمها التي أودعتها إياها لتجلب لها السعادة، وأبيها الذي كثيراً ما عانق أوردة التين وأغصان الزيتونة في أرضه، فاستوطنته، قبل أن يتركها مرغماً لتظل روحه معلّقة هناك، ويظل جزء منه ينبض فيها مثلما تنبض هي فيه:
'في كفي
أحمل مرساتي
وأبي.. صندوق حكاياتي
أحمله تحت الزيتونة
أو في أوردة التين
يمشي ويرتل آيات
ويعانق أهداب الرملة.. حيفا
يصنع من سكين الغربة ساقية
ويقبّل كفيه على الوجهين
في كفي
ما مات أبي
صورته وجدان الأرض
ورضا العين الناظرة إلى سرب نخيل
حيناً سأقبل طلعته
وألوذ بظل عباءته في حين'.
كاتب وإعلامي من الأردن
* القدس العربـي
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8816f3acd2.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-8816f3acd2.jpg)
تمثل 'رحيل امرأة'، وهي باكورة إنتاج صاحبتها الشاعرة الأردنية الشابة ميسون النوباني، إطلالة متأنية ومتدفقة بالحيوية على مشهد الحياة، وهي إطلالة توازي بين المكان التاريخي والشخصيات الأسطورية من جهة، واللحظة الراهنة وملامحها المعاصرة من جهة أخرى.
صيغت قصائد المجموعة الصادرة عن دار فضاءات بدعم من وزارة الثقافة (2011)، بوعي شعري قادر على سكب أطياف الواقع المعاش على قماشة القديم الغابر، لتتوهج القصائد لوحاتٍ مزركشة بألوان الحياة الشفافة، تؤشر على صدق التجربة الفنية وجدّيتها.
هكذا، تصنع النوباني هنا، أسطورتها الخاصة، مستثمرةً معطيات الأسطورة والتاريخ وحضور المكان، لتبوح بمكنوناتها، حالمةً بالانبعاث الروحي للأمة العربية والتحرر من جبروت العدو، لذا نراها في 'أغنية البترا' تتأمل في دهشةٍ، بناء مدينة الصخر والورد التي تذكِّر بعظَمة آدوم التي دحرت جيش الغازين، وترى المارد وهو يخرج من قلب 'الخزنة' مجلَّلاً بقداسة المكان، ليكون التعبير عن حاجة البلاد العربية للخصب ممثلاً بـ'عشتار' وهي تمشط الأرض بكفّيها فتزهر الصحراء وتصير كسهول حوران:
'إن تصغي لسكون الليل
سيرقُّ القلب لصوت الفأس
يمحو ويعيد بناءَ الأشياء
سترى عشتارَ تمشّط أهداب الأرض
تزهر في يدها الصحراء
ترتشف رحيق الكدّ
فتعانق جنة حوران'.
والشاعرة إلى ذلك، تجوب في جرش التاريخية، تلك التي تنتمي إليها، وفيها وُلدت وعاشت يفاعتها، فتتحاور مع أقواس نصرها الشامخة وسبيل حورياتها العذب، وتستحضر أرتيمس آلهة الصيد والعذرية وحامية النساء، وتتوحد بالقصيد وعشب الأرض وقداسة أشجار السرو والصنوبر، وتتحسس الشاعرة وجود أمها/الأنثى التي تظهر صورة موازية للمدينة، ولـ'أرتيمس'، وللنساء، تبحث عنها الشاعرة بين ثنايا الأرض وقد غيَّبها الموت، وعندما لا تجد منها سوى صورتها المبثوثة في أشجار الحور والغيوم وخيوط الشمس، تعتذر لها عن الرحيل:
'لو كنتُ خيوطَ الشمس
لو أني أملك يومي أو أمس
لتجذّر ساقي في عمقك عذراً
عن كل رحيل'.
تستحضر النوباني شخصياتٍ لها حضورها في الذاكرة الإنسانية، ساعيةً إلى تصوير آلام الإنسان الذي هُجّر من بيته ووطنه في أصقاع الأرض، وتتلمس في مقاطعها الشفيفة قضايا الوجود وحقيقة الموت والانبعاث، من خلال العنقاء الخارجة من رحم بحر أيلة، و'أبولو' إله الشمس والموسيقى، مازجةً ذلك كلّه ضمن نصوص شعرية تضفي على عناصر الطبيعة ملامح أسطورية فانتازية، تتعالق مع التراث بتفاعلها معه هدماً وبناءً، وهو ما يعدّ من أبرز ميزات المجموعة.
ففي وصفها للمدينة التي وُئدت الطبيعة فيها تحت علب إسمنتية خانقة، تستحضر النوباني أسطورة 'ميدوزا' الجميلة التي ارتكبت الفاحشة فتحولت إلى امرأة بشعة واستحال شعرها إلى أفاعٍ قاتلة، لتصبح 'ميدوزا' رمزاً واضحاً على مدينة الإسفلت المرعبة:
'عجرفة الريح اقتلعت آخر غابات اللوز
ميدوزا تصنع إكليل الغار
صنماً يتعرّى كل مساء
كي يبحث عن زورق
ويحملق في الجارية العمياء'.
وبهدف تعميق الصورة الحسية المحبوكة بتؤدة، اعتمدت النوباني لغةً مكثفة موحية، تمكّنت من إبراز ملامح الشخصية المثقلة بالأوجاع والهموم والخسارات، والتي ما تزال تحلم بغد مشرق، رغم واقعها المر، حاملةً مشعل أجدادها الذين طوّعوا الصخر وكان سيفهم بتاراً على كل من تسوّل له نفسه اجتياز باب الحمى:
'إن تصغي لسكون الليل
قد سلبت لبك أناتُ الوادي
والريح تسابقها الريح
تعزف للفجر نشيداً
من فرح الروح
تنبئك بأنك جزء من هذا السحر
ترديك قتيلاً
إن طأطأت الرأس
وتلوّح قلبك
إن راودك اليأس
في هذا الأفق ستعرف أنك مخلوق أزلي
تسعى دوماً للخلد
بالعزم تذيب أناشيد الأرض
قمراً
وفؤوساً
فتميت البرد'.
لذا، وسمت النوباني الشخصيات التي تستحضرها في المجموعة، بوقوفها بين مدٍّ وجزر، وجمعها بين حالات متراكبة من العتمة والنور، والحزن والسعادة، والخذلان والانتصار، وفق ما يتطلبه سياق النص والمناسبة.
وفي تصويرها معاناة المرأة ومحاولتها الانعتاق من استبداد الرجل الذي أورثها الخسارات، تستدعي النوباني رمز 'حواء' المرأة الأولى، التي حُكم عليها أن تظل رهينة شقّ مبتور أوجده 'آدم' لا منفذ فيه لضياء ولا قطرة ماء تروي الظمأ:
'أبحث عني في حواء
فأراني
يُحتضر وجودي
أتململ فيه فينكرني
روحي
كالزهرة تسكن في أرض جرداء
عطشت أوراقي
لا نوراً.. لا ماء'.
والشاعرة إذ تدرك قفص المرأة التي تُحتجز فيه منذ 'نزولها' إلى الأرض، وتستدعي رمز 'ليلى' التي قتلها عشقُها وما شفعت لها عذريتها، فإنها تجد حريتها من خلال الكلمات التي تلظمها أغنيةً للنور والشمس والمطر:
'من كان توضأ بالعتمة
قد يجدي
أن يغتسل بنور الشمس
ها إني.. أسمع
ها.. صوت دافئ
أعمق أعمق في الروح
يختلج الوجع
يمزق أردية الوحدة
يطوف بساقية الزمن
على أشجار القلب
فأغني أغنيتي
مرحى مرحى للكلمات
كلمات تعزف مطراً
كلمات ترفع راية
تخرج من عمق الروح إلى صوت.. آية'.
هذه الحالات المركّبة التي تناولتها النوباني، أكسبت قصائدها قدراتٍ فنيةً ودلالية غير خافية، أضفت على نسيج القصيدة فيضاً فريداً من الرموز والإشارات والدلالات التي تشي بذلك العالم الغامض الشفيف، وتكشف عما يمور تحت غطائه من أفكار إنسانية وفلسفية ووجودية، عن طريق الأسطورة ورموزها التي لا تنضب، والتاريخ وحركته التي لا تفترّ، مستعينةً بثقافةٍ جليّة وسعة اطلاع واضحة، لتحقيق بناء شعري رمزي يخلّص القصيدة من غنائية فجة، ويحلّق بها في فضاء إنساني رحب. ومن ذلك قصيدتها 'في إيله' التي يذكر البحر فيها بمفردات العشق، والنصر، والسفر، فتستعيد الشاعرة تاريخ من جابوه، وما مر على مياهه من أحداث:
'يا بحر شراييني فيك معلقة
روحي تلتئم على قاعك
مرجانك وردٌ أحمر
والروضة في قلبك تزهر
علمني كيف تفتت ألوان الشمس على الأغصان؟
علمني
كيف تحارب روما؟
وتمر على الأنباط؟
وتريق ذؤابة عشقك
في حضرة مملوك؟
وتظل رياحك عاتية
وشموخ في ذاتك يعلوك'.
على صعيد آخر، وظّفت النوباني عناصر الطبيعة وموجوداتها في لوحات ومشاهد شمولية تنبض بالإيحاء وتعبّر عن حالات وجودية عميقة تسائل تصاريف الزمن والأقدار، وتكشف عن مشاعر الشاعرة مانحةً تجربتها وإحساسها الخاص تجاه الأشياء بعداً عاماً كليانياً، فتبدو قصيدتها لوحة مركّبة من أجزاء، غير أنها بمجملها جدارية كبرى للحياة، وفيها تنامُ الحصاةُ في البرد قبل أن تقذفها الريح من مكان لآخر، وهي في رحلة العذاب تلك تأمل أن تصعد للسماء فتنير كنجم متوهج:
'تلك حصاء نائمة
تعصف آلاف الأحجار بصورتها
تتقزّم
والبرّ بعيد
لو أطلقها الريحُ إلى نجم
هل كانت يوماً ستضيء'.
أما القمر فهو ينتظر طلوع الفجر مترقباً اقتراب الغياب:
'ليل حارق
سماءٌ تبكي
قمراً يتثاءبُ في عنق زجاجة
راح يغنّي
فجراً يغمرني الهمّ وأجثو'.
هذا الحس الرهيف لدى الشاعرة تجاه موجودات الكون والطبيعة، يكشف عن اختبار قريب، وعلاقة وطيدة بالأرض الأم؛ الأرض التي تنبت الخضرة والأزاهير، فتحاور الشاعرة أغصان الزيتونة وثمار التين وتكحّل العين بسرب النخيل، وتدغدغ قدميها بمياه الشاطئ وتستجدي البحر ليدلّها إلى طريق العودة للوطن.
وفي بحثها المتعب، تتوقف النوباني حيناً لتعود إلى الطفلة التي كانتها، تحمل الأحلام في كّفيها، وهي تستذكر من رحلوا؛ تمائم أمها التي أودعتها إياها لتجلب لها السعادة، وأبيها الذي كثيراً ما عانق أوردة التين وأغصان الزيتونة في أرضه، فاستوطنته، قبل أن يتركها مرغماً لتظل روحه معلّقة هناك، ويظل جزء منه ينبض فيها مثلما تنبض هي فيه:
'في كفي
أحمل مرساتي
وأبي.. صندوق حكاياتي
أحمله تحت الزيتونة
أو في أوردة التين
يمشي ويرتل آيات
ويعانق أهداب الرملة.. حيفا
يصنع من سكين الغربة ساقية
ويقبّل كفيه على الوجهين
في كفي
ما مات أبي
صورته وجدان الأرض
ورضا العين الناظرة إلى سرب نخيل
حيناً سأقبل طلعته
وألوذ بظل عباءته في حين'.
كاتب وإعلامي من الأردن