رذاذ عبدالله
14 - 11 - 2011, 08:38 PM
إطلالة على قصيدة .. «حين يأتي الموت» للشاعر موسى حوامدة
* الدستور الأردنيـة
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-4079671582.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-4079671582.jpg)
بنبرةٍ فرائحية تتدخل الذات الكاتبة في بلورةٍ شعورها النهائي تجاه الموت، وكأنَّها بإزاءِ طقسٍ شعائري للتطهِّرِ من آفة الحياة. فالتعامل مع حدث الموت ينطلقُ من دفقٍ نفسي، ينظر إلى الموت كشيء إيجابي أساساً:
«حينَ يأتي الموت
سأقطع المسافة بين الحياة والموت
برجفة شبقية عابرة
تماماً، كما حدثت تلك الشهقة المدوية
في المرة الأولى
على رَدفَي الأرض العذراء».
فالتعامل مع الموت – رغم الثيمات الثابتة في المخيال الجمعي حول الموت كقوةٍ مُدمّرة – يتم بآليات مُضادة للعبث والعدم ؛ إنَّها – أعني الذات الكاتبة – تُقبلُ على الموت كاستحقاق وجودي عظيم، كغمرةٍ صوفية، ودفق عظيم، كشبق وجودي عارم، يدفع باتجاهٍ أكثر حيوية حيث سهب الحياة الحقّة مفتوح عن آخره.
فكما نقطة البدء – تلكَ الولادة العظيمة الأولى – كذا نقطة الانتهاء – الولادة العظيمة الثانيـة:
«سأقطع المسافة بين الحياة والموت...».
والقطع يتم «برجفةٍ شبقية عابرة...». وأنا هُنا أريدُ أن أعقِّبَ على موضوعة الزمن ضمنَ سياقيتها في النصِّ أعلاه، تحديداً في مسألة العبور من الحيـاة إلى الموت.
فأولاً إذا كانَ الزمن أحد استحقاقات الحياة الكبرى، عبر تراتبيته أزلاً؛ فها هو يُلغى الآن – لحظة الانقذاف الملحمي إلى الموت – إذ لا معنى له، فالمعطى العقلي (يجب أن لا ننسى أن الزمن مقولة عقلية أساساً) لا وجود له الآن، فالقذف – قذف الذات إلى عالَم الموت – يتم بـِ «رجفة»، حيث تتكثف مُعطيات الحيـاة في صعيد واحد، والزجّ بها في لجِّ الموت، حيث الحيز الزمني يتلاشى وينعدم.
وإذا كانَ من مفارقة في «الرجفة» – داخل بنية النص – فهو إتيانها في سياقية النص بما ينسجم مع طروحات الزمن المُنْعَدم لحظة الموت، إذ يعودُ الزمن غير ذي أهمية بالنسبة للميت، وتنبثق أهمية اللازمانيـة/ الأبدية، المُتجسدة هَهُنا بـِ «الرجفة».
إذا، الموت هَهُنا طقس شعائري يتعالى على الشرط الزمكاني، حيث الذات المُتخَارِجة من استحقاقات هذا العالَم تقفز قفزة باتجاهِ عالَم آخر: عالم أملأ!.
إنَّها تضعُ إرثها وراءها، بكلِّ تبعاته وإرهاصاته:
«حين يأتي الموت
سأرمي زهرة الخلود
في وجه جلجامش
واهزأ
من نصائح الأطباء».
وتنطلق – قفزاً عبر الرجفة الشبقية – إلى عالَمِ الموت؛ فلربما:
«أحرِّر روحي من فساد الكون ...».
هنا تتأكد الخيارات الكبرى بإزاء الموت، فهو وإنْ أَشْكَلَ بدئاً كإحداثٍ قهري في الوعي الإنساني، إلا أنَّهُ الآن – لحظة الكتابة – يُحَلْحَل عبر دَفَقٍ شعري يَعْنَى بالجمالي أولاً وأخيراً.
فالمعطى الحيـاتي الصارم القائم على قانون الزمن، تتم إبادته شِعرياً لحظة الكتابة، وهي أيضاً لحظة الموت أو بالأحرى لحظة مُعاينة الموت أثناء ممارسة الفعل الكتابي ؛ حيث تندمجُ لحظة الكتابة بلحظةِ الموت، حتى ليُهيَّأ للذات القارئة تداخلهما أثناء ممارسة الفعل القرائي. فالكتابة تتجلَّى موتاً في قصيدة ( حين يأتي الموت ) كطقسٍ تطهيري يروم عالَما أجمل.
فالإشارات المبدئية تضعُ يدها على إرهاصٍ قاسٍ، ألا وهو الحالة الاغترابيـة التي تتأتَّى على مستويين:
الأول: الاغتراب الحياتي إذ يصيرُ الموت مَخْرَجَاً نهائيـاً :
«حين يأتي الموت
لن أساومه ...»
فإتيان الموت حَدثٌ بعينه، من حيث هو – من خلال ما يشي بذلك النص أعلاه – (هامارتيا / السقطة العظيمة) بتعابير «أرسطو»، بالنسبة للحيـاة، فالموت نقطة قوة بذاته ونقطة ضعف بالنسبة للحياة. والحيـاة المُشاكسة، الأليمة، المأساوية، المُغتَربة، كما صورتها قصيدة (حين يأتي الموت) تتجلَّى الآن عبر إتيان الموت ضمن سياق إشراقي؛ فالظلام الكبير تتم إنارته الآن بالموت إذ يأتي.
الثاني: الاغتراب الشخصي للذات الكاتبة، فتلكَ الذات المسلوبة، المُقتَلعة عن مسقط رأسها تتجاوز عتبة النفي وتَلِجُّ الباب. إنها تنتشر كإرهاصٍ بنيوي مُعَقَّد عبر العالَم أجمع:
«لن أصرخ نادماً على مسقط رأسي
لن أموت حزيناً لأني لن أدفن في طين بلادي
لديَ من الخيال
ما يجعلني أضمُّ تراب العالم بين يدي»
فالاغتراب المكاني أثناء الحياة يصيرُ الآن – ساعة يأتي الموت – انفتاحاً على أفقٍ لا نهائي. فالضغط الهائل الذي يمارسه فعل الحيـاة بتجلياته المختلفة، ها هي مغاليقه تُفضُّ في نصِّ (حين يأتي الموت)، فيصيرُ العالَم أكثر رحابة واتساعاً، بَعْدَ أنْ كانَ ضيقاً ومُصَنْدَقَاً.
وتأتي صرخة الذات الكاتبة، لتؤكِّد بُعدَ الموت اللا اغترابي :
«لن أموت غريباً
في أي مكان ...»
إنَّهُ يتحرَّر عبر فعل الموت، فالحيـاة بتفاصيلها المختلفة والمتعددة كانت قد سَدَّت الطريق في وجه تطلعات الذات الكاتبة أمام الانعتاق من ربقة هذا الوجود المأساوي، وها هو الموت – كاستحضار لاستحقاق بدئي – يتجلَّى على الذات ساعة الموت، بمنحها حريتها المَلَكوتية، فهي تخرج الآن من رَحمِ الحيـاة الضيق إلى أفقٍ مَلَكوتي لا نهائي. إنَّها تنقذف في لجِّ البدء، إذ تعود إلى سيرورتها الأولى.
وهذا الاستحضار الملحمي لفعل الموت، يتطلب شجاعة قصوى، فالحياة ( هذي المُغِريةُ العظيمة ) تُكلِّبُ بالذات وتُمَغْنطَها ناحية حقلها الجاذب، مما يجعل الموت عصياً على الغالبيـة العظمى، لِمَا يحمله من قيمٍ تدميـرية. ولكنها – أعني الحياة وما تحمله من فعلٍ إغرائي جذبي – وفي نصِّ ( حين يأتي الموت ) تُدَمَّر جمالياً عبر إغراءٍ مُقابل يُمارسه الموت – شِعرياً – على الحياة.
فَهَهُنا ثمةَ فعل قُدسي يُقْفَزُ عبر طقوسيته إلى الصيغة الأساسية، العالَم الهُدَبي، حيث الكائن البشري كائناً إطلاقيـاً، نقيـاً، مُجَلَّلاً بالبياض:
«إنني
عائدٌ
مني
للأزل «
وإذا كانَ لي أن اعتبر ما كتبته آنفاً بمثابة فعل تطهيري للذات الكاتبة، من خلال استحضار فعل الموت إلى العالَم والولوج عبره إلى الصيغ المبدئية ؛ فإِنِّي أؤَشِّرُ على بُعْدٍ آخر من أبعاد القصيدة أعلاه، ألا وهو : تطهير الذات القارئة أثناء ممارسة الفعل القرائي لنصِّ (حين يأتي الموت)، فالاستشعار بذبذبةِ الموت كلذةٍ عشقية، لَمِّمَّا يُحبِّب الموت للذات القارئة، عوضاً عن الذات الكاتبة. فهذه التشاركية بين فعل الكتابة وفعل القراءة بالنسبة للذاتين المُمارستين، أتت عبر تداعيات وجدانيـة صيغت على هيئة نصٍّ شعري جمالي يشي بالكثير، ويستحق الكثير.
*ثمةَ إحالة إلى ديوان (موتى يجرّون السماء) للشاعر موسى حوامدة، الصادر عن دار أرابيسك / مصر. تحديداً قصيدة (حين يأتي الموت) الصفحات: 7 – 16.
* الدستور الأردنيـة
http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-4079671582.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-4079671582.jpg)
بنبرةٍ فرائحية تتدخل الذات الكاتبة في بلورةٍ شعورها النهائي تجاه الموت، وكأنَّها بإزاءِ طقسٍ شعائري للتطهِّرِ من آفة الحياة. فالتعامل مع حدث الموت ينطلقُ من دفقٍ نفسي، ينظر إلى الموت كشيء إيجابي أساساً:
«حينَ يأتي الموت
سأقطع المسافة بين الحياة والموت
برجفة شبقية عابرة
تماماً، كما حدثت تلك الشهقة المدوية
في المرة الأولى
على رَدفَي الأرض العذراء».
فالتعامل مع الموت – رغم الثيمات الثابتة في المخيال الجمعي حول الموت كقوةٍ مُدمّرة – يتم بآليات مُضادة للعبث والعدم ؛ إنَّها – أعني الذات الكاتبة – تُقبلُ على الموت كاستحقاق وجودي عظيم، كغمرةٍ صوفية، ودفق عظيم، كشبق وجودي عارم، يدفع باتجاهٍ أكثر حيوية حيث سهب الحياة الحقّة مفتوح عن آخره.
فكما نقطة البدء – تلكَ الولادة العظيمة الأولى – كذا نقطة الانتهاء – الولادة العظيمة الثانيـة:
«سأقطع المسافة بين الحياة والموت...».
والقطع يتم «برجفةٍ شبقية عابرة...». وأنا هُنا أريدُ أن أعقِّبَ على موضوعة الزمن ضمنَ سياقيتها في النصِّ أعلاه، تحديداً في مسألة العبور من الحيـاة إلى الموت.
فأولاً إذا كانَ الزمن أحد استحقاقات الحياة الكبرى، عبر تراتبيته أزلاً؛ فها هو يُلغى الآن – لحظة الانقذاف الملحمي إلى الموت – إذ لا معنى له، فالمعطى العقلي (يجب أن لا ننسى أن الزمن مقولة عقلية أساساً) لا وجود له الآن، فالقذف – قذف الذات إلى عالَم الموت – يتم بـِ «رجفة»، حيث تتكثف مُعطيات الحيـاة في صعيد واحد، والزجّ بها في لجِّ الموت، حيث الحيز الزمني يتلاشى وينعدم.
وإذا كانَ من مفارقة في «الرجفة» – داخل بنية النص – فهو إتيانها في سياقية النص بما ينسجم مع طروحات الزمن المُنْعَدم لحظة الموت، إذ يعودُ الزمن غير ذي أهمية بالنسبة للميت، وتنبثق أهمية اللازمانيـة/ الأبدية، المُتجسدة هَهُنا بـِ «الرجفة».
إذا، الموت هَهُنا طقس شعائري يتعالى على الشرط الزمكاني، حيث الذات المُتخَارِجة من استحقاقات هذا العالَم تقفز قفزة باتجاهِ عالَم آخر: عالم أملأ!.
إنَّها تضعُ إرثها وراءها، بكلِّ تبعاته وإرهاصاته:
«حين يأتي الموت
سأرمي زهرة الخلود
في وجه جلجامش
واهزأ
من نصائح الأطباء».
وتنطلق – قفزاً عبر الرجفة الشبقية – إلى عالَمِ الموت؛ فلربما:
«أحرِّر روحي من فساد الكون ...».
هنا تتأكد الخيارات الكبرى بإزاء الموت، فهو وإنْ أَشْكَلَ بدئاً كإحداثٍ قهري في الوعي الإنساني، إلا أنَّهُ الآن – لحظة الكتابة – يُحَلْحَل عبر دَفَقٍ شعري يَعْنَى بالجمالي أولاً وأخيراً.
فالمعطى الحيـاتي الصارم القائم على قانون الزمن، تتم إبادته شِعرياً لحظة الكتابة، وهي أيضاً لحظة الموت أو بالأحرى لحظة مُعاينة الموت أثناء ممارسة الفعل الكتابي ؛ حيث تندمجُ لحظة الكتابة بلحظةِ الموت، حتى ليُهيَّأ للذات القارئة تداخلهما أثناء ممارسة الفعل القرائي. فالكتابة تتجلَّى موتاً في قصيدة ( حين يأتي الموت ) كطقسٍ تطهيري يروم عالَما أجمل.
فالإشارات المبدئية تضعُ يدها على إرهاصٍ قاسٍ، ألا وهو الحالة الاغترابيـة التي تتأتَّى على مستويين:
الأول: الاغتراب الحياتي إذ يصيرُ الموت مَخْرَجَاً نهائيـاً :
«حين يأتي الموت
لن أساومه ...»
فإتيان الموت حَدثٌ بعينه، من حيث هو – من خلال ما يشي بذلك النص أعلاه – (هامارتيا / السقطة العظيمة) بتعابير «أرسطو»، بالنسبة للحيـاة، فالموت نقطة قوة بذاته ونقطة ضعف بالنسبة للحياة. والحيـاة المُشاكسة، الأليمة، المأساوية، المُغتَربة، كما صورتها قصيدة (حين يأتي الموت) تتجلَّى الآن عبر إتيان الموت ضمن سياق إشراقي؛ فالظلام الكبير تتم إنارته الآن بالموت إذ يأتي.
الثاني: الاغتراب الشخصي للذات الكاتبة، فتلكَ الذات المسلوبة، المُقتَلعة عن مسقط رأسها تتجاوز عتبة النفي وتَلِجُّ الباب. إنها تنتشر كإرهاصٍ بنيوي مُعَقَّد عبر العالَم أجمع:
«لن أصرخ نادماً على مسقط رأسي
لن أموت حزيناً لأني لن أدفن في طين بلادي
لديَ من الخيال
ما يجعلني أضمُّ تراب العالم بين يدي»
فالاغتراب المكاني أثناء الحياة يصيرُ الآن – ساعة يأتي الموت – انفتاحاً على أفقٍ لا نهائي. فالضغط الهائل الذي يمارسه فعل الحيـاة بتجلياته المختلفة، ها هي مغاليقه تُفضُّ في نصِّ (حين يأتي الموت)، فيصيرُ العالَم أكثر رحابة واتساعاً، بَعْدَ أنْ كانَ ضيقاً ومُصَنْدَقَاً.
وتأتي صرخة الذات الكاتبة، لتؤكِّد بُعدَ الموت اللا اغترابي :
«لن أموت غريباً
في أي مكان ...»
إنَّهُ يتحرَّر عبر فعل الموت، فالحيـاة بتفاصيلها المختلفة والمتعددة كانت قد سَدَّت الطريق في وجه تطلعات الذات الكاتبة أمام الانعتاق من ربقة هذا الوجود المأساوي، وها هو الموت – كاستحضار لاستحقاق بدئي – يتجلَّى على الذات ساعة الموت، بمنحها حريتها المَلَكوتية، فهي تخرج الآن من رَحمِ الحيـاة الضيق إلى أفقٍ مَلَكوتي لا نهائي. إنَّها تنقذف في لجِّ البدء، إذ تعود إلى سيرورتها الأولى.
وهذا الاستحضار الملحمي لفعل الموت، يتطلب شجاعة قصوى، فالحياة ( هذي المُغِريةُ العظيمة ) تُكلِّبُ بالذات وتُمَغْنطَها ناحية حقلها الجاذب، مما يجعل الموت عصياً على الغالبيـة العظمى، لِمَا يحمله من قيمٍ تدميـرية. ولكنها – أعني الحياة وما تحمله من فعلٍ إغرائي جذبي – وفي نصِّ ( حين يأتي الموت ) تُدَمَّر جمالياً عبر إغراءٍ مُقابل يُمارسه الموت – شِعرياً – على الحياة.
فَهَهُنا ثمةَ فعل قُدسي يُقْفَزُ عبر طقوسيته إلى الصيغة الأساسية، العالَم الهُدَبي، حيث الكائن البشري كائناً إطلاقيـاً، نقيـاً، مُجَلَّلاً بالبياض:
«إنني
عائدٌ
مني
للأزل «
وإذا كانَ لي أن اعتبر ما كتبته آنفاً بمثابة فعل تطهيري للذات الكاتبة، من خلال استحضار فعل الموت إلى العالَم والولوج عبره إلى الصيغ المبدئية ؛ فإِنِّي أؤَشِّرُ على بُعْدٍ آخر من أبعاد القصيدة أعلاه، ألا وهو : تطهير الذات القارئة أثناء ممارسة الفعل القرائي لنصِّ (حين يأتي الموت)، فالاستشعار بذبذبةِ الموت كلذةٍ عشقية، لَمِّمَّا يُحبِّب الموت للذات القارئة، عوضاً عن الذات الكاتبة. فهذه التشاركية بين فعل الكتابة وفعل القراءة بالنسبة للذاتين المُمارستين، أتت عبر تداعيات وجدانيـة صيغت على هيئة نصٍّ شعري جمالي يشي بالكثير، ويستحق الكثير.
*ثمةَ إحالة إلى ديوان (موتى يجرّون السماء) للشاعر موسى حوامدة، الصادر عن دار أرابيسك / مصر. تحديداً قصيدة (حين يأتي الموت) الصفحات: 7 – 16.