رذاذ عبدالله
26 - 11 - 2011, 01:11 PM
فيلم "انفصال نادر وسيمين"
الفيلم الإيراني “انفصال نادر وسيمين” للمخرج أصغر فرهادي كان الفيلم الأكثر أثارة للجدل ولردود الفعل المتناقضة أثناء عرضه في “مهرجان أبوظبي السينمائي” الأخير، فقد تراوحت ردود الفعل بين أغلبية معجبة بالفيلم ترى فيه تحفة سينمائية، وبين أقلية رافضه له لاعتباره دراما إذاعية تلفزيونية . سبق عرض الفيلم في المهرجان حصوله على جائزة مهرجان “برلين” وعلى نجاح كبير في عروضه الأوروبية .
تجري أحداث الفيلم في إيران وشخصياته ينتمون إلى الطبقتين الوسطى والفقيرة في المجتمع الإيراني، ومن المفترض تبعاً لذلك أن تكون له خصوصية محلية، غير أن المعجبين فيه يرون أنه نجح في طرح المشكلة، أو المشكلات التي تطرق إليها، بحيث اتسمت بطابع إنساني عام يمكن أن يشعر بها ويتفاعل معها الناس في كل مكان .
يروي الفيلم حكايتين متداخلتين ويرويهما بطريقة تجعل كل منهما أقرب ما يكون إلى حكاية واحدة متصلة . يتم سرد الحكاية الأولى الأصل ضمن خط واحد يتعلق بقرار زوجين هما نادر وسيمين، اللذين ينتميان إلى الطبقة الوسطى، الانفصال، بل والطلاق، نتيجة رفض الزوج مغادرة البلاد مع زوجته وابنتهما التي في سن المراهقة بعدما حصلا على جميع الأوراق التي تسمح لهما بالهجرة . تصر الزوجة على السفر في حين يرفض الزوج نتيجة رغبته في رعاية والده العجوز العاجز والمصاب بالخرف، لكن إجراءات الطلاق لا تصل إلى نتيجة بسبب مشكلة ثانية تتعلق بمن سيأخذ الابنة تحت رعايته، حيث كل من الاثنين يتمسك بموقفه، ولذلك فإن القرار النهائي في هذا الشأن يعود للابنة كي تقرر بمن ستلتحق، هل ستعيش مع أبيها أم مع أمها . ينتهي الفيلم من دون أن يقدم جواباً عن هذا السؤال حيث يصور الفيلم الزوج والزوجة ينتظران بقلق في ردهة المحكمة فيما الابنة تقف أمام القاضي داخل قاعة المحكمة تعلن أنها وصلت إلى قرار، غير أن الفيلم لا يعلنه وينتهي والزوج والزوجة إلى حالة انتظار .
لا يناقش الفيلم قضية أحقية أي من الزوجين في رعاية الابنة “مع أن منطق الأمور يميل لمصلحة الزوج إذ إن السبب الذي يمنعه من السفر مع الزوجة يتعلق بواجبه الإنساني تجاه والده وهو واجب لا يمكن أن يلومه عليه أحد بل على العكس من ذلك فهو يستدعي التقدير، فيما لا يفسر ولا يبرر الفيلم سبب رغبة الزوجة بالهجرة إلى خارج البلاد” .
لا يتوقف الفيلم عند هذه المسألة بشكل خاص ويكتفي بسرد سطحي لهذه الإشكالية، بحيث يمكن توقع أن تكون المشكلة بين الزوجين غير ذات أهمية بالنسبة للمتفرجين، سواء في إيران أم خارجها، وكان يمكن للفيلم أيضاً ألا يتمتع بأية أهمية، وألا يعجب به أحد لو أنه اقتصر على هذه الحكاية وحدها، ومع أن عنوان الفيلم “انفصال نادر وسيمين” يربطه بالحكاية الأولى إلا أن هذا الربط مخادع نوعاً ما لأن قيمة الفيلم ليست من هذه الحكاية، بل من الحكاية الثانية .
إذاً، تتشكل القيمة السردية والدرامية والمعنى في هذا الفيلم من الحكاية الثانية التي تتورط فيها شخصيات الحكاية الأولى، فماذا يجري في الحكاية الثانية؟
تؤمّن الزوجة سيمين، بعد أن قررت مغادرة منزل الزوجية والعيش عند أهلها امرأة فقيرة لتعمل لدى زوجها لرعاية والده العجوز العاجز أثناء وجوده في عمله ووجود ابنته في المدرسة . الخادمة تصحب معها دائما طفلتها . المشكلة الأولى التي ستجابه الخادمة هي اضطرارها لتغيير ملابس العجوز بنفسها بعد أن بلل ثيابه بالبول، وهي مشكلة تتعلق بمفهومها للحلال والحرام والخطيئة، ما يجعلها تقرر ترك العمل على أن يحل محلها الزوج الذي بدوره لا يدري أن زوجته تعمل كخادمة . لكن الزوج لا يتمكن من ممارسة هذا العمل ما يضطر الزوجة لمتابعة العمل إلى حين إيجاد البديل . تتطور الحبكة هنا بعد أن يعود رب الأسرة فجأة من عمله ليجد والده العجوز ملقى على الأرض يكاد يموت، فيما الخادمة غير موجودة وكانت غادرت وتركت العجوز وحيداً بعدما ربطت يده إلى السرير . عندما تعود الخادمة من مشوارها يتشاجر معها الزوج وقبل ذلك يتهمها بسرقة نقود، يطردها بقسوة ويدفعها خارج البيت، ما يتسبب في وقوعها أرضاً . هذه الحادثة ستحمل معها مفاجآت سردية وتقلبات درامية، إذ يتبين أولا، أن الخادمة كانت حاملا في شهرها الرابع وأنها نقلت بعد طردها من البيت إلى المستشفى حيث سيتضح أنها تعرضت للإجهاض وفقدت جنينيها ستفتح هذه الواقعة المجال أمام تطورات ترتبط بالتحقيق مع الزوج نادر لاتهامه بجريمة قتل الجنين، حيث تحصل في كل لحظة تحولات في سير الحدث بما قد يبقي المتفرجين في حالة من الانشداد والتوقع لما سينتهي إليه الحال .
يثير الفيلم مجموعة أسئلة أثناء سير التحقيق، أهمها من حيث الدلالة سؤالان: هل كان نادر يعرف أن الخادمة حامل حين دفعها ؟ هل كان سقوطها السبب في إجهاضها، أم أن الإجهاض حصل قبل ذلك، وكان السبب في مغادرتها للبيت لفترة من الزمن؟
الجواب عن هذين السؤالين يرتبط بقضية الصدق مع الذات، وكشف الحقيقة إرضاء للضمير، وهذا هو محور أحداث الفيلم، كما أن هذه هي القضية المركزية التي يطرحها الفيلم وتعطي لمضمونه معنى .
الفيلم الإيراني “انفصال نادر وسيمين” للمخرج أصغر فرهادي كان الفيلم الأكثر أثارة للجدل ولردود الفعل المتناقضة أثناء عرضه في “مهرجان أبوظبي السينمائي” الأخير، فقد تراوحت ردود الفعل بين أغلبية معجبة بالفيلم ترى فيه تحفة سينمائية، وبين أقلية رافضه له لاعتباره دراما إذاعية تلفزيونية . سبق عرض الفيلم في المهرجان حصوله على جائزة مهرجان “برلين” وعلى نجاح كبير في عروضه الأوروبية .
تجري أحداث الفيلم في إيران وشخصياته ينتمون إلى الطبقتين الوسطى والفقيرة في المجتمع الإيراني، ومن المفترض تبعاً لذلك أن تكون له خصوصية محلية، غير أن المعجبين فيه يرون أنه نجح في طرح المشكلة، أو المشكلات التي تطرق إليها، بحيث اتسمت بطابع إنساني عام يمكن أن يشعر بها ويتفاعل معها الناس في كل مكان .
يروي الفيلم حكايتين متداخلتين ويرويهما بطريقة تجعل كل منهما أقرب ما يكون إلى حكاية واحدة متصلة . يتم سرد الحكاية الأولى الأصل ضمن خط واحد يتعلق بقرار زوجين هما نادر وسيمين، اللذين ينتميان إلى الطبقة الوسطى، الانفصال، بل والطلاق، نتيجة رفض الزوج مغادرة البلاد مع زوجته وابنتهما التي في سن المراهقة بعدما حصلا على جميع الأوراق التي تسمح لهما بالهجرة . تصر الزوجة على السفر في حين يرفض الزوج نتيجة رغبته في رعاية والده العجوز العاجز والمصاب بالخرف، لكن إجراءات الطلاق لا تصل إلى نتيجة بسبب مشكلة ثانية تتعلق بمن سيأخذ الابنة تحت رعايته، حيث كل من الاثنين يتمسك بموقفه، ولذلك فإن القرار النهائي في هذا الشأن يعود للابنة كي تقرر بمن ستلتحق، هل ستعيش مع أبيها أم مع أمها . ينتهي الفيلم من دون أن يقدم جواباً عن هذا السؤال حيث يصور الفيلم الزوج والزوجة ينتظران بقلق في ردهة المحكمة فيما الابنة تقف أمام القاضي داخل قاعة المحكمة تعلن أنها وصلت إلى قرار، غير أن الفيلم لا يعلنه وينتهي والزوج والزوجة إلى حالة انتظار .
لا يناقش الفيلم قضية أحقية أي من الزوجين في رعاية الابنة “مع أن منطق الأمور يميل لمصلحة الزوج إذ إن السبب الذي يمنعه من السفر مع الزوجة يتعلق بواجبه الإنساني تجاه والده وهو واجب لا يمكن أن يلومه عليه أحد بل على العكس من ذلك فهو يستدعي التقدير، فيما لا يفسر ولا يبرر الفيلم سبب رغبة الزوجة بالهجرة إلى خارج البلاد” .
لا يتوقف الفيلم عند هذه المسألة بشكل خاص ويكتفي بسرد سطحي لهذه الإشكالية، بحيث يمكن توقع أن تكون المشكلة بين الزوجين غير ذات أهمية بالنسبة للمتفرجين، سواء في إيران أم خارجها، وكان يمكن للفيلم أيضاً ألا يتمتع بأية أهمية، وألا يعجب به أحد لو أنه اقتصر على هذه الحكاية وحدها، ومع أن عنوان الفيلم “انفصال نادر وسيمين” يربطه بالحكاية الأولى إلا أن هذا الربط مخادع نوعاً ما لأن قيمة الفيلم ليست من هذه الحكاية، بل من الحكاية الثانية .
إذاً، تتشكل القيمة السردية والدرامية والمعنى في هذا الفيلم من الحكاية الثانية التي تتورط فيها شخصيات الحكاية الأولى، فماذا يجري في الحكاية الثانية؟
تؤمّن الزوجة سيمين، بعد أن قررت مغادرة منزل الزوجية والعيش عند أهلها امرأة فقيرة لتعمل لدى زوجها لرعاية والده العجوز العاجز أثناء وجوده في عمله ووجود ابنته في المدرسة . الخادمة تصحب معها دائما طفلتها . المشكلة الأولى التي ستجابه الخادمة هي اضطرارها لتغيير ملابس العجوز بنفسها بعد أن بلل ثيابه بالبول، وهي مشكلة تتعلق بمفهومها للحلال والحرام والخطيئة، ما يجعلها تقرر ترك العمل على أن يحل محلها الزوج الذي بدوره لا يدري أن زوجته تعمل كخادمة . لكن الزوج لا يتمكن من ممارسة هذا العمل ما يضطر الزوجة لمتابعة العمل إلى حين إيجاد البديل . تتطور الحبكة هنا بعد أن يعود رب الأسرة فجأة من عمله ليجد والده العجوز ملقى على الأرض يكاد يموت، فيما الخادمة غير موجودة وكانت غادرت وتركت العجوز وحيداً بعدما ربطت يده إلى السرير . عندما تعود الخادمة من مشوارها يتشاجر معها الزوج وقبل ذلك يتهمها بسرقة نقود، يطردها بقسوة ويدفعها خارج البيت، ما يتسبب في وقوعها أرضاً . هذه الحادثة ستحمل معها مفاجآت سردية وتقلبات درامية، إذ يتبين أولا، أن الخادمة كانت حاملا في شهرها الرابع وأنها نقلت بعد طردها من البيت إلى المستشفى حيث سيتضح أنها تعرضت للإجهاض وفقدت جنينيها ستفتح هذه الواقعة المجال أمام تطورات ترتبط بالتحقيق مع الزوج نادر لاتهامه بجريمة قتل الجنين، حيث تحصل في كل لحظة تحولات في سير الحدث بما قد يبقي المتفرجين في حالة من الانشداد والتوقع لما سينتهي إليه الحال .
يثير الفيلم مجموعة أسئلة أثناء سير التحقيق، أهمها من حيث الدلالة سؤالان: هل كان نادر يعرف أن الخادمة حامل حين دفعها ؟ هل كان سقوطها السبب في إجهاضها، أم أن الإجهاض حصل قبل ذلك، وكان السبب في مغادرتها للبيت لفترة من الزمن؟
الجواب عن هذين السؤالين يرتبط بقضية الصدق مع الذات، وكشف الحقيقة إرضاء للضمير، وهذا هو محور أحداث الفيلم، كما أن هذه هي القضية المركزية التي يطرحها الفيلم وتعطي لمضمونه معنى .