المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) المفاجأة في "ليالٍ ليست مفاجئة" للشاعر حكمت النوايسة



رذاذ عبدالله
10 - 12 - 2011, 09:03 AM
المفاجأة في "ليالٍ ليست مفاجئة" للشاعر حكمت النوايسة




http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-75ba00cfb4.jpg (http://www.alrams.net/up2/uploads/images/alrams.net-75ba00cfb4.jpg)



يعنون الشاعر والقاص الأردني حكمت النوايسة كتابه الأخير ب”ليالٍ ليست مفاجئة”، ومع أن العنوان يتقصّد اللامفاجأة أو الرتابة التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية، إلا أنه جاء مفاجئاً في سرده ودقّة تفاصيلِه، فسرد حالة النسيان التي يعانيها الكاتب في الأسبوع الأول الدالةِ على ضعف قدرته على التركيز في إبداعه نتيجة ضغوط الحياة، هي أول ما يثير القارئ ويضعه أمام سرد مفاجئ قائم على ثنائية التذكر والنسيان، فكلما تذكر شيئاً وصمّم أن ينجزه وقف النسيان عائقاً أمامه، حتى يصل به القرار إلى ترك القصة والعدول عنها لمواجهة الواقع المادي، فعندما بدأ بكتابة قصته وأمسك قلمه تذكر أنه لم يشرب القهوة، وعندما نهض ليحضّرها تذكر أنه لم يصل، وعندما ذهب ليتوضأ تذكر أنه يوم السبت، ويستمر النوايسة في طريقته السردية المثيرة القائمة على هذه الثنائية .

حكمت النوايسة في هذه المجموعة القصصية يمازج بين الحقيقة والواقع حتى تغيب الفواصل بينهما، فالقاص -مثلاً- الذي يشكله النوايسة يبدأ أسبوعه اليومي المثقل بالرتابة، وأعباء الحياة وضغوطاتها المادية التي تجعله شديد النسيان، يتنقّل بمهارة فائقة بينه وبين كاتبه الحقيقي النوايسة، كما أن بعض شخصياته القادمة من الخيال لا تلبث أن تتحول بدورها إلى شخصيات حقيقية عندما تكتمل القصة التي يكتبها بطل النوايسة، فيقرر أن يهاتف صديقيه وهنا تكمن المفاجأة والقلب، قلب الخيالي إلى حقيقي عندما يفاجئنا بصديقيه فإذا بهما صديقان للنوايسة نعرفهما كنشوان والعقيلي، ولعلّ ما يؤكد هذا التمازج استخدام النوايسة لأسلوب الالتفات، فقد كان يتكلم عن بطله بضمير الغائب، وفجأة يتحول هذا الضمير إلى متكلم عن طريق الفعل (هاتفتُ) لتحدث صدمة السرد للقارئ . ولا شكّ أننا نشهد في هذه المجموعة القصصية حضوراً درامياً مميزاً خاصة عندما يقوم البطل بصنع قهوته وهو يخطط لمؤامرة يحيكها ضد زملائه، وتتوافق حالة القهوة في ذوبان حبات السكر فيها إلى غليانها وهدوئها وانطفاء زبدها بالحالات النفسية التي تسيطر على صانعها بفنيّة مثيرة تجعل من القهوة حالة نفسية تنقاد بسهولة وتتوحد مع نفسيته المريضة . وتمتاز مجموعة “ليالٍ ليستْ مفاجئة” بتصاعدية بنائها السردي المؤسس على العنونة ما يجعلها نسيجاً محاكاً بعناية شديدة حريصة على وضع كل خيط قصصي في مكانه، فالعنوان يرتبط بما يليه ويأتي العنوان التالي مكمللاً لسابقه، وفائقاً عليه في عدد خيوطه ما يزيد تشابكه ويصعد بناءه بما يتواءم والحالة النفسية التي تسيطر على كاتبها ؛ فالقصة التي يكتبها كاتبها على عدد أيام الأسبوع تلفها حالة سوداوية متزايدة بمرور أيام الأسبوع نابعة من ضعف قدرة الكاتب على التركيز تبعاً لاستنزاف طاقاته الفكرية بالتفكير بقوت حياته اليومي، ما يجعله ينفصل عن الكاتب الذي يسكنه، وتبقى هذه الحالة تتأزم إلى أن يحقق هدفه وينجز قصته في اليوم الأخير من الأسبوع، وليتضح ذلك لمن لم تتح له فرصة الاطلاع على هذا العمل نضع هذه العناوين مرتبةً كما جاءت “السبت: ماوك وشل، الأحد: وشلك طين، الاثنين: ماوك الوشل تطين، الثلاثاء: وشلك الذي تطين جف، الأربعاء: وشلك الذي تطين وجف تشقق، الخميس: الشق الذي في طينك ابتلع حبة القمح، الجمعة: الماء يرفو ما تشقق من طينك” .

ولعلّ من أهم ما يميز هذه المجموعة أسلوب السخرية الذي يتعمده الكاتب ابتداء من العنوان “ليالٍ ليست مفاجئة” إلى آخر عنوان “نبْتاتي”، فالكاتب يسخر من الإنسان الذي لوّث الهواء حتى لم يعد صالحاً للاستنشاق ولا للنبات، يسخر منه لأنه لوّث بحضارته الطبيعة النقية، ولذلك كانت هذه النبتات الثلاث - كما هيئ له - تتمنى أن يموت .

أسلوب السخرية نجده أيضاً بشكل أوضح في صانع القهوة الذي يخطط ويدبر ليوقع بزملائه عند رئيسهم، ولكن تكمن مفاجأة السخرية عندما يفاجئه رئيسه بأن جميع الموظفين قد سبقوه وقدموا شكوى ضده، وفي قصة “مطحنة” يصبح صوتها دب . . دب . . دب لازمة دالة على السخرية، ولو تتبعنا هذه المجموعة لما خلت واحدة من هذا الأسلوب .

لقد دلت هذه المجموعة القصصية للكاتب حكمت النوايسة على تميز مبدعها، وعمق مضامينها، ومعاناة كاتبها في هذا الزمن المتسارع الذي لم يعد يحفل بالكتابة والكتّاب .