المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (لأنك ميتة يا زوجتي العزيزة) ومحرّكات القص عند حسن الحلبي1 * د.غسان اسماعيل عبدالخالق



رذاذ عبدالله
1 - 1 - 2012, 03:07 PM
(لأنك ميتة يا زوجتي العزيزة) ومحرّكات القص عند حسن الحلبي1 * د.غسان اسماعيل عبدالخالق

* الدستور الأردنيـة







مجموعة حسن الحلبي التي تدثرت بعنوان سردي لافت هو (لأنك ميتة يا زوجتي العزيزة)، تميط اللثام عن العديد من محركات وتقنيات القص الجديد لدى الجيل الطالع من كتاب القصة القصيرة في الأردن والوطن العربي، والتي يتمثل أولاها في استدخال واقعة التكنولوجيا مضموناً وشكلاً، بوصفها التعبير الأقوى عن تشييء موضوع المشاعر والعلاقات الإنسانية والانتقال به من حيز الرومانسي والفروسي النبيل إلى حيز معدني استهلاكي محدث، تهيمن عليه نزعة الافتراس والانقضاض.

وإذا كانت الخلويات وأجهزة الحاسوب الثابت والمحمول تمثل المعادل الموضوعي لمضمون هذا الانقلاب المحزن، فإن ما يتخللها من أنماط اتصال مسموع ومكتوب يمثل المعادل الموضوعي لشكل هذا الانقلاب الذي يميل إلى الاختزال والتعبير بالرسم وتأرجح اللغة المستخدمة بين العربية والانجليزية ليتأرجح معها وعي الشاب العربي بين هويتين وبين قطبين. وقد برع حسن الحلبي في توثيق هذه الواقعة عبر الشكل السردي والإدانة الصارخة لمضمونها من خلال ثلاث قصص هي: (إنه مجرّد اتصال هاتفي صغير)، (يوميات مراهق جامعي)، (إنها ليست كأي فتاة عرفتها)، مع ضرورة التذكير بأن هذا الاستدخال قد بدأ خافتاً في القصة الأولى ثم تصاعد في القصة الثانية وقد وصل ذروته القصوى في القصة الثالثة.

و يتمثل المحرك الثاني في استحضار سمات اللؤم والعدوانية والانتهازية الصارخة، بوصفها الشواخص الرئيسة للنظام الأخلاقي السائد إلى درجة التمتع المرضي بإيلام الذات أو إيلام الآخر دون ندم أو أي شعور بالذنب. وإن كانت هذه السمات قد اتخذت منحى رمزياً في قصة (شرطيان) حيث يستمتع شاب وشابة مصابان بالايدز ويمارسان الجنس في سيارة على قارعة الطريق بإغواء حارسي الفضيلة اللذين أرادا ابتزازهما مالياً، فإن نموذج طالب العصر في (يوميات مراهق جامعي) تلخص ملامح الصورة النمطية للشاب الجامعي الأرعن العابث الفهلوي الذي يتلذذ بتخريب جامعته وإيلام زملائه وزميلاته والاستهزاء بمشاعرهم، صائلاً جائلاً عبر الهاتف المحمول وشبكة الانترنت.

كما يتمثل المحرك الثالث في استدخال (ايديولوجيا الخيال العلمي) بوصفها التعبير الأمثل عن انسداد آفاق الوعي الواقعي والعقلاني، إذ على الرغم من أن (مراد مصطفى) في قصة (إنها ليست كأي فتاة عرفتها) هو شاب جامعي مجتهد ويجيد استخدام كل وسائل تكنولوجيا الاتصال، إلا أنه يرزح على الأرجح تحت ضغط شعور عارم بالكبت العاطفي والجنسي، الذي يحاول التنفيس عنه عبر القيام برحلة سياحية إلى بلد مجاور، وسرعان ما تتمخض هذه الرحلة عن تعرّفه ببساطة متناهية إلى فتاة جميلة جداً، وإلى الحد الذي يدخل معه هو وندخل معه نحن كقرّاء حيّز الأوهام الفضائية والمخلوقات القادمة من كواكب أخرى بهدف الاستيلاء على الكرة الأرضية وتدمير حضارة الإنسان! إنها قصة مؤلمة تجمع بين أشلاء الواقع المكبوت المأزوم وأطياف الخيال اللامعقول والموهوم، لكنها تفصح إلى حد بعيد عن عبثية الحياة المعاصرة التي تمور بأشكال وأدوات الاتصال الحسي والمادي وتفتقر في الوقت نفسه إلى كل أشكال الاتصال العفوي والحميم حد تشظي الوعي والتباسه، وقد جاءت تتويجاً لما تبرعم من مشاريع خيال علمي في قصة (عود كبريت) ثم في قصة (نمل).

ويظهر استدخال حتمية الزمن المحرك الرابع، بوصفه كاسحة الواقع المؤلم لمحطات الطفولة والشباب والشيخوخة، وبوصفه الخيط والخط الناظم لجدلية الحب والكراهية وجدلية الموت والحياة. ولأن هذه الحتمية هي من الحضور والثقل بمكان لا يُحدّ وزمان لا يُحدّ ووعي لا يُحدّ فإن حسن الحلبي لم يمل من محاورتها وإعادة محاورتها عبر العديد من قصص المجموعة: (المرأة)، (المرأة)، (لأنك ميتة يا زوجتي العزيزة)، (حوارية على انفراد مع عزرائيل مختلف)، (لو ينتحر).

أما استدخال واقعة الانفصام النفسي والعقلي بوصفهما التعبير الأبرز عن حقيقة الانفصال عن الواقع والتصادم معه فيمثل المحرك الخامس، سواء في مرحلة اليفاعة والشباب أم في مرحلة الكهولة والشيخوخة، ولعل القصتين: (المرأة)، (قف على قدميك)، قد حاولت كلّ منهما التعبير بامتياز عن هذا التفارق الوجودي مع الواقع.

وإذا كان ثمة شغب لغوي لطيف وإشكالي قد ران على قصة (من لم يمت بالجالاكسي مات بغيره)، فإن حظ القصتين: (عصفوران) و(لم يمسها رجل) قد كان وافراً من المفارقة المحسوبة في الأولى والعفوية الصادمة في الثانية، لكن هذا كله لا يمنعنا من تذكير حسن الحلبي بضرورة الاعتناء الشديد بلغته في مجموعاته القصصية القادمة.