رذاذ عبدالله
6 - 1 - 2012, 08:38 AM
الشاعر سيف الرحبي: العرب يخرجون اليوم من الحضيض الى هواء التاريخ!
* القدس العربي
http://im10.gulfup.com/2012-01-06/132582447971.jpg (http://www.gulfup.com/show/X141yf313rnt)
الشاعر سيف الرحبي، شاعر يطبق على المكان بروحه ويتنفسه، في زمن الخيبات الإنسانية الكبيرة لا ملاذ له سوى تضاريس وطنه واساطيرها، يبكيه سفك الدم الإنساني أينما كان، وينحاز للطبيعة مهما قست.
وبين صحراء (منيف) المستباحة الممسوحة وصحراء (الكوني) الطيبة الخالدة، راح الرحبي في الغربة بعيدا، لكنه بقي ممتدا بجذوره الراسخة وكمن يقول للعالم: أنا هنا والجبل الأخضر وسماواته عنواني الأثير، فمنذ أول كتاب له (الجبل الأخضر) و آخر كتاب (نسور لقمان الحكيم) الذي سيصدر قريبا، مازال الرحبي يفتح نافذة عمان الكبرى 'مجلة نزوى' على النص الحديث وتأويلاته الجديدة، على الرغم من امتعاضات الظلاميين التي لا تكف عن المشاكسة بين حين وآخر، هنا حوار معه..
*ألا تمل من الغربة أم أن الأمكنة تتسع أكثر من أي وقت مضى؟
**يمكن أن نأخذ الغربة على محمل أبعاد متعددة، منها البعد الوجودي والاجتماعي والتاريخي، كما تحدث أدباء قديما (أبوالعلاء المعري والتوحيدي)، وحديثاً حيث تتسع رقعة الأسماء، وتفيض على العدّ والإحصاء. أصبحت الغربة في أبعادها تخترق الكيان البشري (الشاعر والكاتب خاصة) وتطوّح به الى أصقاع لا عودة منها. وأبعاد هذه الغربة في تشكيلها كائن المنفى، سواء كان داخل الوطن أو خارجه يغذيها نبع تلك الجراح المتدفق منذ الانفصال الأول عن الحقيقة الأزليّة والطبيعة الأولى، 'حيث الكائن مُلقى على قارعة العالم' وفي خضّم الصحراء، صحراء (منيف) والمستباحة الممسوحة وليس صحراء (الكوني) الطيبة الخالدة.
مُلقى تحت بطش متاهته، التي لا تعرف إذا ستنتهي بالموت، أم تبدأ رحلة أخرى مجهولة وغامضة، لكن لا أظن أنها ستكون أكثر مشقة من تلك التي خبرها الإنسان على هذه الأرض. والإنسان العربي خاصة، الذي تتفاقم أبعاد غربته وتحتدم كما تتبدّى في نصه وحياته.
باختصار لا شيء في 'التاريخ' لا يحملنا على الغربة والتيه عدا ومضات عابرة.. وإذا كانت هذه المخلوقة (الغربة) والخالقة، تأخذ دلالة شقاء على صعيد الحياة الواقعيّة، فهي على صعيد الكتابة تغذيها بوهج روحي فريد.. ليس هناك كتابة عبر التاريخ قديما وحديثا، إلا وهي مضرّجة ومسكونة بها. ربما لو كنتُ ليس في آخر العام لتخففت من ثقل هذه العبارات الآنفة، وأخذت الغربة وغيرها على محمل الطرافة..
*كيف تقرأ الساحة العُمانية مع نبوغ شعراء بوعي حداثي ونص متجاوز؟
**أقرأ الساحة العُمانية ومشهدها الثقافي، بتعدده التعبيري، من شعر وقصة ورواية وحتى بحث أكاديمي وصحافة، في البرهة الحاليّة، على نحو ايجابي، خاصة على يد الجيل الذي أتى بعدنا، والذي اتسعت رقعة أسمائه الكثيرة واهتماماته وهواجسه، بجانب سهولة تواصله مع العالم بحكم تطور واتساع وسائط الاتصال طبعاً، مما جعله يتجاوز مشاكل الرقابة التقليديّة التي تُخضع العملية الكتابيّة الابداعية لمساطرها وتفسيراتها المحدودة.. لذلك على النقد العربي والمتابعات الصحافية بكل منابرها أن تتجاوز ثنائية المراكز و'الهوامش' المعششة في أذهان البعض، وتتجاوز الأسماء المعروفة باتجاه قراءة موضوعيّة منصفة لعناصر هذا المشهد وطروحاته ورؤاه .. وهي ثريّة ومغريّة للنقد والمتابعة طبعا هذا لا ينفي انجاز السابقين وريادتهم في بيئة ثقافية صعبة من ناحية الانكفاء على الإرث السلفي، بل يذهب الى التواصل الابداعي ونموه واتساعه ولا يحمل حكم قيمة.
*في نصك شساعة لغوية وكأنك تنهل من قاموس ثري، هذا لا يعني أنك تستغني عن جبليتك ولغتك الصارمة التي تتمرجح في عليين، ألست وجودياً في لغتك وفي صمتك؟
**ربما قاموس السِعة اللغوية، الذي أشرت اليه، يستمد عناصره الإبداعيّة، والجمالية، من مناخات تلك البيئات الملحميّة العُمانية، بتضاريسها الجبليّة، التي تذهب بعيداً في العلوّ الأزلي، جبال تلهث على أديمها الأزمنة مثل وعول جريحة، أفكر في لحظات اليأس المطبق، وهي كثيرة، انها مع البحر عزائي الأخير في ظل جدب العلاقات الإنسانية، واضمحلالها. يكفي أن تنظر إليها في مساءاتك المضطربة فتغمرك سكينة هذه الأطواد الجرداء التي كانت ذات دهر تسبح بين مياه المحيطات وفي أعماقها المدلهمّة.. مقارباتي الفنيّة للطبيعة الجبليّة في بلادي لا تنفصل عن مقاربتي للإنسان الذي يقطنها. منذ أول كتاب لي 'الجبل الأخضر' وحتى آخر كتاب 'نسور لقمان الحكيم' الذي لم يصدر بعد، أرى من خلال تضاريسها وتجاعيد نسورها وصخورها وحيواتها، جراح الكائن المتدفق منذ القِدم، أرى شقاءه وأحلامه المحطّمة بين صخورها، كما أرى إرادته الصلبة في الإقامة الشاقة على هذه الأرض وكبرياءه ونأيه.. (صدْع) الجبل هو صدْع الإنسان، ومعاناته وجراحه. وهكذا الصحراء التي استحالت في (النص) الى العالم بأكمله، واختزلته بوحشتها وعدمها، في أتونها الملتهب..
أحاول الإقامة بين الحين والآخر، في الجبل الأخضر، ذي الطقس الرائع حتى في ذروة الصيف الكاسح، لأنام متطلعاً إلى النجوم الساطعة، على بساط هذا السديم المطل على هاوية الكون والأبديّة.
*مشاركاتك العربية باتت مواربة ومُحايلة، ألم يعد النص الجديد سيفاً على رقاب الجهلة؟
**ربما الضجر أو غيره، لكن المشاركات، بالنسبة لي وأصدقاء آخرين يشاركونني الرأي، تنحصر أكثر في لقاء أولئك الأصدقاء الذين لولا هذه الندوات واللقاءات، لكن النأي أكثر شراسة. أما التواصل القرائي والكتابي، فهناك وسائل كثيرة لتحقيقه. والنص لم يكن في يوم من الأيام على ما أظن سيفاً على رقاب الجهلة، لأن هؤلاء حتى لو شطرتهم بالسيف الواقعي وليس المجازي، سيظلون يرفسون في جهلهم المتمادي.
*كيف تقيم مسيرة 'مجلة نزوى' هل ساهمت في ايصال النص العُماني للخارج أم انها نافذة ذات وجهين؟
**أعتقد أنها لعبت دوراً في هذا السياق، لكن مجلة مثل مجلة 'نزوى' ستكون طبيعية وعادية في بيئات ثقافية عربيّة عرفت تاريخاً طويلاً من التنوير والتجديد، أما في بيئة ثقافية مطبوعة بالمحافظة أكثر فستواجه بالعقبات السخيفة والصعوبات، انها ليست مثل تلك المشقات التي عاناها أسلافنا على هذه الأرض الصعبة، لكنها مزعجة.. مرة أسأل أحد المسؤولين في الرقابة عن سرّ التركيز على 'نزوى'، رغم أنها لا تقرأ إلا من قبل قلة ليست غالباً بحاجة الى تثقيف ووعي: أجابني، ان العدد الفائت جاءته ملاحظات سلبيّة من أكثر من جهة 'دينية' وربما غير دينية.
طبعا منذ اصدار المجلة قبل سبعة عشر عاماً، لم تردني رسالة شكر من قبل الجهة الراعية والداعمة للمجلة، لكن قراءها القليلين في الفضاء العربي، يعوض شيئاً من ذلك. والبعد الإبداعي الوطني والإنساني الذي تتوّسله المجلة التي لا يزيد العاملون فيها تحريرياً وفنياً على ثلاثة أشخاص، وكون المجلة تابعة مادياً لمؤسسة ربحيّة زاد من صعوبة وضعها. وأين ذلك المشروع الثقافي على هذا النحو الذي يجلب ربحاً؟ لكن الأمر يختلف لو عملوا لها شخصيّة اعتباريّة شبه مستقلة.
*تخبو في نصك أحيانا لدرجة الغياب عندما تطرحُ بعداً فلسفياً، هل تخشى الرقيب أم أن مخيلتك الثقافية تشطح بك الى أن تقوض المقدسات التي أسرفت في الوقوف على أطلالها ردحاً من الزمن؟
**لا أحاول ولا أطمح، ان تنطلق الكتابة من أفكار معرفيّة مسبقة، فلسفيّة أو غيرها. لكن من خلال دفق اللحظة الشعرية وهي تأخذ مجراها إلى المجهول، (ولا أفرق كثيراً بين الشعر والنثر)، تحمل في هذا المجرى شظايا ونُبذ من أفكار ومعارف وتأملات لتكون، على محمل التمني، جزءا من نسيجُ النص الكلي، وطبائع المكان العُماني خاصة، محفزة لمثل هذا التحرش والنزوع ذي المنشأ التأملي في بعده الفلسفي إن صح هذا الإدعاء. مرة قال لي الصديق الناقد محمد لطفي اليوسفي حين زار عُمان ورأى جبالها المتلاطمة، انه قرأ في ديوان 'جبال' وغيره ما يقترب من المعلومات الجيولوجيّة التي حملها النص عبر حدسه الخاص، إذا تحقق ذلك فهذا شيء جميل. لكن الكتابة، أو النص، خاصة في الفترات الأخيرة، ليست بريئة أو مفصولة عن شذرات الوثيقة والمعلومات التي تتخلل سياقاتها المختلفة.
وإشارتك حول المقدّسات، رغبة البكاء على أطلالها والتقويض، رائعة لدرجة ان أي تعليق يفسدها.
*لا تلتفت للنص الخليجي، ألا تعتبر نفسك جزءا من التكوين، هل انفصلت عن ديمغرافيتك، أم أنك كونيُّ ورمزك الإنساني لا يتعدى ذاتك؟!
**لم يكن لدي في أي يوم من الأيام وهم، الكونيّة على هذا النحو، ولا استطيع امتلاك مثل هذا الترف، رغم أنني أتألم لأي عذاب بشري في أي مكان، حين كنا صغاراً في القاهرة وكان الأمريكان يرتكبون إباداتهم الحربيّة في فيتنام، كنا نبكي كأنما ذُبح أهل قريتنا. لكن الإبادات الحالية والمذابح من غزاة الخارج والداخل والاستبداد، بؤرته في الأرض العربية، فكيف لا نتألم ونبكي فنحن جزء من هذا التكوين العربي المنكوب والحالم بأفق آخر.. والخليج والجزيرة العربيّة، التي أنا جزء من تكوينها الثقافي والروحي هي أيضا جزء من هذا النسيج العربي الشامل مهما شطّت بعض السياسات والطروحات. وتلك بداهة في النص والممارسة الثقافية لا أعتقد أنها بحاجة الى نقاش. الذات الآخر، الخاص العام، في الممارسة الإبداعية، هذه الثنائية، ليست بذات قيمة.
*تنأى عن الساحة الثقافية العُمانية ومحافلها ولا تكاد تحضر فيها، أهي نرجسية متعالية أم كفر بالنص العُماني؟
**ربما الضجر (وهذه الربما تتكرر) إذ لا يقين مطلقا حول ما نكتب ونفعل، فمع التقدم في 'العمر' ينمو نزوع نحو العزلة الاختيارية والقسريّة، ولا علاقة بما يُعرف بالنرجسيّة أو نقيضها. كيف يكون ذلك بالنسبة لشخص مقذوف في بريّة تتقاذفها أشباح الفناء وبطش الشرط التاريخي والجغرافي القاسي؟ ولا حاجة الى توضيح الآصرة الروحيّة القوية التي تجمعني بالنص العُماني الجيد وأصحابه وكذلك غير العُماني.
*نصوصك التي كانت تتسيد الصحف العربية أصبحت قليلة، هل تودُ أن يكتمل مشروعك بعد أن صار نصك علامة فارقة في الشعر العُماني والعربي؟
**لا أعتقد أنها كانت تتسيّد، كانت جزءا من صحف بعينها، لكن بالفعل حالياً صرت أقل ميلاً الى النشر على هذا النحو.
*ألا تثقلك عزلة الشعب العُماني، ألا تتوجع لغيابه محلياً وعالمياً رغم خصوصيته وألقه.. ما السرُ وراء انزواء العُماني الذي يحنُ للآخر ويبتعد عنه في ذات الوقت؟
**في الفترة الحالية تقلصت هذه 'العزلة' كثيراً، وصار العُمانيون حاضرين في المحافل الدولية والعربيّة، الثقافية والرياضية والاجتماعية، ربما ورث هذا الشعب في لا شعوره الجمعي، ريبة أسلافه تجاه (الآخر) نتيجة للحروب المتعاقبة التي لم يهدأ أوارها في التاريخ، الحروب القبليّة الداخلية أو الخارجيّة، التي يدافع بها عن شخصيته الدينيّة والثقافيّة المختلفة، تجاه أعتى الإمبراطوريات، بما فيها العربيّة الإسلاميّة.
لكن هذه الريبة خفت كثيراً في البرهة الراهنة، وليست هناك جماعة بشريّة تستطيع أن تعيش بمعزل عن العالم، لسطوة تأثيراته القوية المتنوعة، من كل حدب وصوب.
*فوز قاصين وروائيين بجوائز عربية، ألا يجعل ذلك مدعاة لكي تضيء هذا النص ضمن مقالاتك الأسبوعية؟
**انني أفعل ذلك فيما أكتب وأفكر وأتكلم، رغم أن الفائزين من الكتاب لا يضيف هذا شيئا إلى انجازهم، والنقاد والباحثون العُمانيون يتابعون تلك الانجازات، والكثير من تلك المتابعات والدراسات تنشر في مجلة 'نزوى' وفي الملاحق المحليّة.
*هناك ميل في تجاربك الأخيرة لكتابة النص الطويل، هل الكتابة أصبحت تنفيسا عن احتشاد داخلي بحيث صار النص القصير يضيق عن التعبير؟
**منذ زمن أكتب النص الطويل الذي يتوسل نفساً ملحمياً مثل (يدٌ في آخر العالم) و(الجندي الذي رأى الطائر في نومه)، وذلك القصير الشذَري المكثف، ولكل لحظته وسياقه ونجاحه وإخفاقه في قدرته التعبيريّة عن ذلك الاحتشاد. صرتُ أكثر ميلا الى كتابة النص الفضائي المفتوح والمشتبك نثراً وشعراً وتأملاً وتوثيقاً ربما.. نص التخوم والمسافات.
*قام المخرج جواد الأسدي بإعداد نص شعري لك وقدمه على خشبة المسرح لكنك لم تكتب للمسرح هل تنتظر مخرجا حاذقاً مثل الأسدي لإظهار روح الدراما في نصوصك الشعرية؟
**كتبتُ حواريّة مسرحيّة بعنوان (نشيد الأعمى) والنزعة الحواريّة تتخلل الكثير من تجاربي الشعريّة، الصديق جواد الأسدي واحد من كبار المخرجين المسرحيين العرب، ومعرفتي به تمتد إلى زمن سحيق، حين كنا مقيمين في (صوفيا) وأتذكر عزالدين المناصرة وخالد درويش ومحمد العلي جمعتنا العاصمة البلغاريّة في عهدها السوفييتي الآفل. أنا سعيد بعمل الأسدي على بعض نصوصي الشعريّة.
*لك نص جديد طويل اسمه الخيط الأول احتفيت به بالثورات العربية كيف تحدد موقف المثقف في هذه المرحلة؟
**لكل موقفه ورؤيته لما تمور به الأرض العربيّة من مخاضات وانفجارات بحثاً عن أفق جديد يحررها من عبوديّة وخنوع واستلاب العهود المتعاقبة، رغم الأكلاف الفادحة والمروعّة كما في سورية التي تَجترح ملاحم خالدة في تاريخ البشريّة. إنهم يخرجون من حضيض المستنقعات إلى هواء التاريخ وعواصفه حالمين بما يليق بإنسانيّة الإنسان في عبوره على هذه الأرض.
* القدس العربي
http://im10.gulfup.com/2012-01-06/132582447971.jpg (http://www.gulfup.com/show/X141yf313rnt)
الشاعر سيف الرحبي، شاعر يطبق على المكان بروحه ويتنفسه، في زمن الخيبات الإنسانية الكبيرة لا ملاذ له سوى تضاريس وطنه واساطيرها، يبكيه سفك الدم الإنساني أينما كان، وينحاز للطبيعة مهما قست.
وبين صحراء (منيف) المستباحة الممسوحة وصحراء (الكوني) الطيبة الخالدة، راح الرحبي في الغربة بعيدا، لكنه بقي ممتدا بجذوره الراسخة وكمن يقول للعالم: أنا هنا والجبل الأخضر وسماواته عنواني الأثير، فمنذ أول كتاب له (الجبل الأخضر) و آخر كتاب (نسور لقمان الحكيم) الذي سيصدر قريبا، مازال الرحبي يفتح نافذة عمان الكبرى 'مجلة نزوى' على النص الحديث وتأويلاته الجديدة، على الرغم من امتعاضات الظلاميين التي لا تكف عن المشاكسة بين حين وآخر، هنا حوار معه..
*ألا تمل من الغربة أم أن الأمكنة تتسع أكثر من أي وقت مضى؟
**يمكن أن نأخذ الغربة على محمل أبعاد متعددة، منها البعد الوجودي والاجتماعي والتاريخي، كما تحدث أدباء قديما (أبوالعلاء المعري والتوحيدي)، وحديثاً حيث تتسع رقعة الأسماء، وتفيض على العدّ والإحصاء. أصبحت الغربة في أبعادها تخترق الكيان البشري (الشاعر والكاتب خاصة) وتطوّح به الى أصقاع لا عودة منها. وأبعاد هذه الغربة في تشكيلها كائن المنفى، سواء كان داخل الوطن أو خارجه يغذيها نبع تلك الجراح المتدفق منذ الانفصال الأول عن الحقيقة الأزليّة والطبيعة الأولى، 'حيث الكائن مُلقى على قارعة العالم' وفي خضّم الصحراء، صحراء (منيف) والمستباحة الممسوحة وليس صحراء (الكوني) الطيبة الخالدة.
مُلقى تحت بطش متاهته، التي لا تعرف إذا ستنتهي بالموت، أم تبدأ رحلة أخرى مجهولة وغامضة، لكن لا أظن أنها ستكون أكثر مشقة من تلك التي خبرها الإنسان على هذه الأرض. والإنسان العربي خاصة، الذي تتفاقم أبعاد غربته وتحتدم كما تتبدّى في نصه وحياته.
باختصار لا شيء في 'التاريخ' لا يحملنا على الغربة والتيه عدا ومضات عابرة.. وإذا كانت هذه المخلوقة (الغربة) والخالقة، تأخذ دلالة شقاء على صعيد الحياة الواقعيّة، فهي على صعيد الكتابة تغذيها بوهج روحي فريد.. ليس هناك كتابة عبر التاريخ قديما وحديثا، إلا وهي مضرّجة ومسكونة بها. ربما لو كنتُ ليس في آخر العام لتخففت من ثقل هذه العبارات الآنفة، وأخذت الغربة وغيرها على محمل الطرافة..
*كيف تقرأ الساحة العُمانية مع نبوغ شعراء بوعي حداثي ونص متجاوز؟
**أقرأ الساحة العُمانية ومشهدها الثقافي، بتعدده التعبيري، من شعر وقصة ورواية وحتى بحث أكاديمي وصحافة، في البرهة الحاليّة، على نحو ايجابي، خاصة على يد الجيل الذي أتى بعدنا، والذي اتسعت رقعة أسمائه الكثيرة واهتماماته وهواجسه، بجانب سهولة تواصله مع العالم بحكم تطور واتساع وسائط الاتصال طبعاً، مما جعله يتجاوز مشاكل الرقابة التقليديّة التي تُخضع العملية الكتابيّة الابداعية لمساطرها وتفسيراتها المحدودة.. لذلك على النقد العربي والمتابعات الصحافية بكل منابرها أن تتجاوز ثنائية المراكز و'الهوامش' المعششة في أذهان البعض، وتتجاوز الأسماء المعروفة باتجاه قراءة موضوعيّة منصفة لعناصر هذا المشهد وطروحاته ورؤاه .. وهي ثريّة ومغريّة للنقد والمتابعة طبعا هذا لا ينفي انجاز السابقين وريادتهم في بيئة ثقافية صعبة من ناحية الانكفاء على الإرث السلفي، بل يذهب الى التواصل الابداعي ونموه واتساعه ولا يحمل حكم قيمة.
*في نصك شساعة لغوية وكأنك تنهل من قاموس ثري، هذا لا يعني أنك تستغني عن جبليتك ولغتك الصارمة التي تتمرجح في عليين، ألست وجودياً في لغتك وفي صمتك؟
**ربما قاموس السِعة اللغوية، الذي أشرت اليه، يستمد عناصره الإبداعيّة، والجمالية، من مناخات تلك البيئات الملحميّة العُمانية، بتضاريسها الجبليّة، التي تذهب بعيداً في العلوّ الأزلي، جبال تلهث على أديمها الأزمنة مثل وعول جريحة، أفكر في لحظات اليأس المطبق، وهي كثيرة، انها مع البحر عزائي الأخير في ظل جدب العلاقات الإنسانية، واضمحلالها. يكفي أن تنظر إليها في مساءاتك المضطربة فتغمرك سكينة هذه الأطواد الجرداء التي كانت ذات دهر تسبح بين مياه المحيطات وفي أعماقها المدلهمّة.. مقارباتي الفنيّة للطبيعة الجبليّة في بلادي لا تنفصل عن مقاربتي للإنسان الذي يقطنها. منذ أول كتاب لي 'الجبل الأخضر' وحتى آخر كتاب 'نسور لقمان الحكيم' الذي لم يصدر بعد، أرى من خلال تضاريسها وتجاعيد نسورها وصخورها وحيواتها، جراح الكائن المتدفق منذ القِدم، أرى شقاءه وأحلامه المحطّمة بين صخورها، كما أرى إرادته الصلبة في الإقامة الشاقة على هذه الأرض وكبرياءه ونأيه.. (صدْع) الجبل هو صدْع الإنسان، ومعاناته وجراحه. وهكذا الصحراء التي استحالت في (النص) الى العالم بأكمله، واختزلته بوحشتها وعدمها، في أتونها الملتهب..
أحاول الإقامة بين الحين والآخر، في الجبل الأخضر، ذي الطقس الرائع حتى في ذروة الصيف الكاسح، لأنام متطلعاً إلى النجوم الساطعة، على بساط هذا السديم المطل على هاوية الكون والأبديّة.
*مشاركاتك العربية باتت مواربة ومُحايلة، ألم يعد النص الجديد سيفاً على رقاب الجهلة؟
**ربما الضجر أو غيره، لكن المشاركات، بالنسبة لي وأصدقاء آخرين يشاركونني الرأي، تنحصر أكثر في لقاء أولئك الأصدقاء الذين لولا هذه الندوات واللقاءات، لكن النأي أكثر شراسة. أما التواصل القرائي والكتابي، فهناك وسائل كثيرة لتحقيقه. والنص لم يكن في يوم من الأيام على ما أظن سيفاً على رقاب الجهلة، لأن هؤلاء حتى لو شطرتهم بالسيف الواقعي وليس المجازي، سيظلون يرفسون في جهلهم المتمادي.
*كيف تقيم مسيرة 'مجلة نزوى' هل ساهمت في ايصال النص العُماني للخارج أم انها نافذة ذات وجهين؟
**أعتقد أنها لعبت دوراً في هذا السياق، لكن مجلة مثل مجلة 'نزوى' ستكون طبيعية وعادية في بيئات ثقافية عربيّة عرفت تاريخاً طويلاً من التنوير والتجديد، أما في بيئة ثقافية مطبوعة بالمحافظة أكثر فستواجه بالعقبات السخيفة والصعوبات، انها ليست مثل تلك المشقات التي عاناها أسلافنا على هذه الأرض الصعبة، لكنها مزعجة.. مرة أسأل أحد المسؤولين في الرقابة عن سرّ التركيز على 'نزوى'، رغم أنها لا تقرأ إلا من قبل قلة ليست غالباً بحاجة الى تثقيف ووعي: أجابني، ان العدد الفائت جاءته ملاحظات سلبيّة من أكثر من جهة 'دينية' وربما غير دينية.
طبعا منذ اصدار المجلة قبل سبعة عشر عاماً، لم تردني رسالة شكر من قبل الجهة الراعية والداعمة للمجلة، لكن قراءها القليلين في الفضاء العربي، يعوض شيئاً من ذلك. والبعد الإبداعي الوطني والإنساني الذي تتوّسله المجلة التي لا يزيد العاملون فيها تحريرياً وفنياً على ثلاثة أشخاص، وكون المجلة تابعة مادياً لمؤسسة ربحيّة زاد من صعوبة وضعها. وأين ذلك المشروع الثقافي على هذا النحو الذي يجلب ربحاً؟ لكن الأمر يختلف لو عملوا لها شخصيّة اعتباريّة شبه مستقلة.
*تخبو في نصك أحيانا لدرجة الغياب عندما تطرحُ بعداً فلسفياً، هل تخشى الرقيب أم أن مخيلتك الثقافية تشطح بك الى أن تقوض المقدسات التي أسرفت في الوقوف على أطلالها ردحاً من الزمن؟
**لا أحاول ولا أطمح، ان تنطلق الكتابة من أفكار معرفيّة مسبقة، فلسفيّة أو غيرها. لكن من خلال دفق اللحظة الشعرية وهي تأخذ مجراها إلى المجهول، (ولا أفرق كثيراً بين الشعر والنثر)، تحمل في هذا المجرى شظايا ونُبذ من أفكار ومعارف وتأملات لتكون، على محمل التمني، جزءا من نسيجُ النص الكلي، وطبائع المكان العُماني خاصة، محفزة لمثل هذا التحرش والنزوع ذي المنشأ التأملي في بعده الفلسفي إن صح هذا الإدعاء. مرة قال لي الصديق الناقد محمد لطفي اليوسفي حين زار عُمان ورأى جبالها المتلاطمة، انه قرأ في ديوان 'جبال' وغيره ما يقترب من المعلومات الجيولوجيّة التي حملها النص عبر حدسه الخاص، إذا تحقق ذلك فهذا شيء جميل. لكن الكتابة، أو النص، خاصة في الفترات الأخيرة، ليست بريئة أو مفصولة عن شذرات الوثيقة والمعلومات التي تتخلل سياقاتها المختلفة.
وإشارتك حول المقدّسات، رغبة البكاء على أطلالها والتقويض، رائعة لدرجة ان أي تعليق يفسدها.
*لا تلتفت للنص الخليجي، ألا تعتبر نفسك جزءا من التكوين، هل انفصلت عن ديمغرافيتك، أم أنك كونيُّ ورمزك الإنساني لا يتعدى ذاتك؟!
**لم يكن لدي في أي يوم من الأيام وهم، الكونيّة على هذا النحو، ولا استطيع امتلاك مثل هذا الترف، رغم أنني أتألم لأي عذاب بشري في أي مكان، حين كنا صغاراً في القاهرة وكان الأمريكان يرتكبون إباداتهم الحربيّة في فيتنام، كنا نبكي كأنما ذُبح أهل قريتنا. لكن الإبادات الحالية والمذابح من غزاة الخارج والداخل والاستبداد، بؤرته في الأرض العربية، فكيف لا نتألم ونبكي فنحن جزء من هذا التكوين العربي المنكوب والحالم بأفق آخر.. والخليج والجزيرة العربيّة، التي أنا جزء من تكوينها الثقافي والروحي هي أيضا جزء من هذا النسيج العربي الشامل مهما شطّت بعض السياسات والطروحات. وتلك بداهة في النص والممارسة الثقافية لا أعتقد أنها بحاجة الى نقاش. الذات الآخر، الخاص العام، في الممارسة الإبداعية، هذه الثنائية، ليست بذات قيمة.
*تنأى عن الساحة الثقافية العُمانية ومحافلها ولا تكاد تحضر فيها، أهي نرجسية متعالية أم كفر بالنص العُماني؟
**ربما الضجر (وهذه الربما تتكرر) إذ لا يقين مطلقا حول ما نكتب ونفعل، فمع التقدم في 'العمر' ينمو نزوع نحو العزلة الاختيارية والقسريّة، ولا علاقة بما يُعرف بالنرجسيّة أو نقيضها. كيف يكون ذلك بالنسبة لشخص مقذوف في بريّة تتقاذفها أشباح الفناء وبطش الشرط التاريخي والجغرافي القاسي؟ ولا حاجة الى توضيح الآصرة الروحيّة القوية التي تجمعني بالنص العُماني الجيد وأصحابه وكذلك غير العُماني.
*نصوصك التي كانت تتسيد الصحف العربية أصبحت قليلة، هل تودُ أن يكتمل مشروعك بعد أن صار نصك علامة فارقة في الشعر العُماني والعربي؟
**لا أعتقد أنها كانت تتسيّد، كانت جزءا من صحف بعينها، لكن بالفعل حالياً صرت أقل ميلاً الى النشر على هذا النحو.
*ألا تثقلك عزلة الشعب العُماني، ألا تتوجع لغيابه محلياً وعالمياً رغم خصوصيته وألقه.. ما السرُ وراء انزواء العُماني الذي يحنُ للآخر ويبتعد عنه في ذات الوقت؟
**في الفترة الحالية تقلصت هذه 'العزلة' كثيراً، وصار العُمانيون حاضرين في المحافل الدولية والعربيّة، الثقافية والرياضية والاجتماعية، ربما ورث هذا الشعب في لا شعوره الجمعي، ريبة أسلافه تجاه (الآخر) نتيجة للحروب المتعاقبة التي لم يهدأ أوارها في التاريخ، الحروب القبليّة الداخلية أو الخارجيّة، التي يدافع بها عن شخصيته الدينيّة والثقافيّة المختلفة، تجاه أعتى الإمبراطوريات، بما فيها العربيّة الإسلاميّة.
لكن هذه الريبة خفت كثيراً في البرهة الراهنة، وليست هناك جماعة بشريّة تستطيع أن تعيش بمعزل عن العالم، لسطوة تأثيراته القوية المتنوعة، من كل حدب وصوب.
*فوز قاصين وروائيين بجوائز عربية، ألا يجعل ذلك مدعاة لكي تضيء هذا النص ضمن مقالاتك الأسبوعية؟
**انني أفعل ذلك فيما أكتب وأفكر وأتكلم، رغم أن الفائزين من الكتاب لا يضيف هذا شيئا إلى انجازهم، والنقاد والباحثون العُمانيون يتابعون تلك الانجازات، والكثير من تلك المتابعات والدراسات تنشر في مجلة 'نزوى' وفي الملاحق المحليّة.
*هناك ميل في تجاربك الأخيرة لكتابة النص الطويل، هل الكتابة أصبحت تنفيسا عن احتشاد داخلي بحيث صار النص القصير يضيق عن التعبير؟
**منذ زمن أكتب النص الطويل الذي يتوسل نفساً ملحمياً مثل (يدٌ في آخر العالم) و(الجندي الذي رأى الطائر في نومه)، وذلك القصير الشذَري المكثف، ولكل لحظته وسياقه ونجاحه وإخفاقه في قدرته التعبيريّة عن ذلك الاحتشاد. صرتُ أكثر ميلا الى كتابة النص الفضائي المفتوح والمشتبك نثراً وشعراً وتأملاً وتوثيقاً ربما.. نص التخوم والمسافات.
*قام المخرج جواد الأسدي بإعداد نص شعري لك وقدمه على خشبة المسرح لكنك لم تكتب للمسرح هل تنتظر مخرجا حاذقاً مثل الأسدي لإظهار روح الدراما في نصوصك الشعرية؟
**كتبتُ حواريّة مسرحيّة بعنوان (نشيد الأعمى) والنزعة الحواريّة تتخلل الكثير من تجاربي الشعريّة، الصديق جواد الأسدي واحد من كبار المخرجين المسرحيين العرب، ومعرفتي به تمتد إلى زمن سحيق، حين كنا مقيمين في (صوفيا) وأتذكر عزالدين المناصرة وخالد درويش ومحمد العلي جمعتنا العاصمة البلغاريّة في عهدها السوفييتي الآفل. أنا سعيد بعمل الأسدي على بعض نصوصي الشعريّة.
*لك نص جديد طويل اسمه الخيط الأول احتفيت به بالثورات العربية كيف تحدد موقف المثقف في هذه المرحلة؟
**لكل موقفه ورؤيته لما تمور به الأرض العربيّة من مخاضات وانفجارات بحثاً عن أفق جديد يحررها من عبوديّة وخنوع واستلاب العهود المتعاقبة، رغم الأكلاف الفادحة والمروعّة كما في سورية التي تَجترح ملاحم خالدة في تاريخ البشريّة. إنهم يخرجون من حضيض المستنقعات إلى هواء التاريخ وعواصفه حالمين بما يليق بإنسانيّة الإنسان في عبوره على هذه الأرض.