المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية الحاسة صفر استعادة زمن الخسارات والجنون



رذاذ عبدالله
6 - 1 - 2012, 09:00 AM
رواية الحاسة صفر استعادة زمن الخسارات والجنون

* القدس العربي




http://im15.gulfup.com/2012-01-06/1325826016721.jpg (http://www.gulfup.com/show/X338mcqtazt1m)




أحمد أبوسليم شاعر قدم من قبل ثلاث مجموعات شعرية، وحقق لنفسه حضورا في الحركة الشعرية الأردنية الفلسطينية، ولكنه، كما يبدو، لجأ إلى الرواية لأنه وجد فيها ما يمكنه من نقل تجربته المرّة التي عاشها في الفترة التي أعقبت ترحيل الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982، وشتت فيها المقاتلون بالسفن إلى بلاد العرب البعيدة والقريبة، ليبقى بعدئذ بعض المقاتلين في منطقة الجبل المطلة على بيروت، تحديدا في منطقة سوق الغرب، وقرب بلدة عيتات.

الواقع المكتظ بالتفاصيل، والأشخاص الذين لا يمكن التعبير عن تجاربهم شعريا، والأحداث التي بدّلت حياة من عاشوها، والتي تختزن في عتمتها جوانب تظل خافية ما لم يقيّض لها روائيون مبدعون يتخطون ما تدعي الكتابة التاريخية أنه الحقيقة المطلقة النهائية، وخاتمة كل قول.. هذه وغيرها الدافع لأحمد أبي سليم، ولغيره من الشعراء العرب الذين وسّعوا دائرة إبداعهم الشعري، لينتقلوا لكتابة الرواية.

يبدأ أبوسليم روايته بإهداء يشكل عتبة النص، ويمكن أن يكون دليل تفكيك للنص، وإعادة بنائه، بحيث تنجلي غوامض الرواية، وخلفيات الشخصيات، والمعاني المضمرة، والرسالة التي يريد الكاتب لها أن تصل.

يقول الإهداء: إلى كل من سيجازف بقراءة هذا النص المجنون جدا، الواقعي جدا، وكأنه لعبة كلمات متقاطعة.

ربما تكون قراءة الرواية، مطلق رواية، مجازفةً، لأن القارئ لا يعرف قيمتها ومدى إمتاعها، إلاّ بعد الفروغ من قراءتها، بحيث يمكنه عندئذ أن يحكم عليها، وهكذا فكل قراءة هي مجازفة، وليست فقط قراءة رواية أحمد أبي سليم.
في إهداء أبي سليم إغواء واستدراج، فهو بالتأكيد يرغب أن يقرأ القارئ روايته بدليل أنه كتبها وطبعها وعرضها للقارئ في المكتبات.

بعد أن قرأت رواية 'الحاسة صفر' يمكنني القول بأن قراءتها لم تكن مجازفة خاسرة، وإن أثقل (جوها) المقبض على نفسي، فالفترة التي تعالجها الرواية كانت فترة محزنة، قاهرة، ثقيلة الوطء على نفوس الفلسطينيين واللبنانيين وكل عربي تعنيه فلسطين.. وهي الفترة التي أعقبت احتلال بيروت عام 1982.

كل قراءة سفر، وكل سفر مجازفة، وكل مجازفة ستنتهي بربح للقارئ مهما كان ما يقرأه، لأن القراءة تنمي حس النقد والمعرفة وتصقل الذائقة.

شخصيا ربحت من قراءة رواية أبي سليم، التي هي روايته الأولى، وإن كان يعلن في حوار أجرته معه صحيفة 'الدستور' الأردنية بأنه كتب من قبل ثلاث روايات، ولكنه لم يقدم على نشر سوى هذه الرواية، التي يبدو أنه رضي عنها فنا وقيمة.

الرواية مكتوبة بضمير الراوي (سعيد)، الذي يتميّز غضبا وسخطا من الجملة الأولى يبدو على أحد ما، نعرف بعد قليل من الكلام أن هذا الشخص هي أمه، والسبب أنها ورطته بإلحاحها وبكائها بمغامرة البحث عن الشقيق المختفي منذ أيلول (سبتمبر) 1970، الذي انقطعت أخباره منذ ذلك الوقت.

هي إذا رواية بحث، وفي فترة البحث الممتدة حتى ما بعد احتلال بيروت ورحيل الثورة الفلسطينية، تقع أحداث ونتعرف بأشخاص ونعايش التجربة الثقيلة المرّة التي يعيشها الراوي سعيد ورفاقه المنسيون في تلك الفترة الزمنية والمكان المعزول.
زمن الرواية يمتد على مدى ثلاثة عقود تقريبا، تتبأر زمنيا في فترة ما بعد رحيل الثورة عن بيروت..حتى (أوسلو)، ووادي عربة، وزيارة شمعون بيريز لعمّان، وتسكعه في شوارعها، وهو ما يدفع سعيدا الغاضب للتخطيط لاغتياله، بعد تدبير بندقية، والنزول في فندق شعبي قرب جامع الحسين في قلب العاصمة عمّان.. (وهذا جانب من اللامعقول في الرواية، وهو ما يدلل على لامعقولية ما يجري، وما آلت إليه الأحلام والأماني والمقاومة التي وعدت بتحرير فلسطين).

الرواية تأخذنا من الواقع المعتم الثقيل على النفس إلى الفانتازيا، والسريالية التي سببت اختلاط الحواس لدى سعيد الذي فقد الحواس الخمس، وبات يعيش في حالة (الحاسة صفر) التي يفسرها بأنها: الحاسة صفر هي الحاسة التي لازمتني منذ ولادتي. الحاسة صفر هي حاسة الخيبات والوجع الذي لا يتوقف أبدا، هي الحاسة التي لا تصل إلى حقيقة قط، حاسة القلق والشك والألم. ( ص 151).

الرواية الواقعية جدا، المجنونة جدا، هي رواية الشك والقلق والألم، فأبطالها الذين هم بلا بطولة، يائسون قانطون يعيشون أيامهم بطالة، فالفدائيون لم يعودوا فدائيين مقاومين بعد رحيل (الثورة) عن بيروت، ومن جنوب لبنان، وإن بقوا في قواعدهم القليلة المعزولة في سوق الغرب وعيتات، وأمكنة معزولة متفرّقة، وإن اشتبكوا أحيانا روتينيا مع جيش الاحتلال الذي استباح بيروت ولبنان.

الراوي واحد من الطلاب الجامعيين الذين تخلّوا عن دراستهم في الاتحاد السوفييتي، ووفدوا إلى سورية، ثمّ دخلوا الأراضي اللبنانية، ليؤدوا واجبهم الوطني في فك الحصار عن بيروت، وإلحاق الهزيمة بالاحتلال.. فكانت خاتمة المعركة رحيل الثورة، وتيه ما بعد أوسلو.

من بقوا تحولوا شيئا فشيئا إلى بقايا ثورة، وبقايا مقاتلين تخلت عنهم قياداتهم اليسارية واليمينية، التي ركضت وراء الوهم بعد ما تخلّت عن الطريق والأهداف.. والكفاح المسلّح!

كل شخصيات الرواية معطوبة، مدمرة داخليا، وكل ما حولها لا يمنحها الثقة بشيء، فهم ليسوا بين جماهيرهم، وهم خارج الزمن الفدائي المقاوم، وهم في زمن استباحة الاحتلال وحلفائه لصبرا وشاتيلا، يرون ويعجزون عن الفعل، وهم منسيون يأكلون ويشربون ويدخنون ويتبادلون الشك والريبة بعد أن فقدوا اليقين بكل شيء، وانغلقت في وجوههم الدروب.

في الرواية حبكتان تقودان خطى (لا أبطالها) ..وراويها سعيد، وهما: بحثه عن شقيقه الغائب مجهول المصير عيسى، وملاحقة (لفائف) البحر الميّت التي بلغه أن بعضها وصل إلى كنيسة سريانية في زحلة بلبنان، هذه اللفائف تريدها (إسرائيل) لتلحقها بما استحوذت عليه من قبل، لتخفيها عن الباحثين والمؤرخين لأنها ربما تكشف عن عدم صدقية وعد التوراة، وتلفيق ادعاءات الحق التاريخي.

علاقات شخوص الرواية تتداخل، وتنهار بسبب الشك مخلفة المرارة، وخيبة الأمنيات، وتبدد وهم الحب بسبب العطب الذي أوقعته مأساة مذبحة صبرا وشاتيلا.

سعيد الراوي، أبو الفوز، جورج، ميشيل، خليل، نضال، ليلى، دلال..هذه الشخصيات (تعيش) في اللحظة المريضة الملتبسة، فتفقد توازنها بسبب الظروف المحيطة المحبطة، ولا تجد ما يسندها ويعيد إليها توازنها، فالظروف والبيئة واللحظة.. كلها مُحبطة، وهم لا يقاومون بنفس مضاء الروح الذي ميزهم في زمن مضى.

يهبط سعيد مع أبي الفوز إلى صبرا وشاتيلا، ويتعرف بشقيقة أبي الفوز في الرضاعة (دلال)، وبابنتها ليلى، ويقع في حب ليلى بسرعة، ربما لحاجته للحب هو المعزول في قاعدة (الخمسين) في الجبل، حيث لا حضور للمرأة بين ذكور يعيشون حياة جافة.

هذه هي العلاقة الوحيدة في الرواية، وهي علاقة تبدأ من خلال البحث عن عيسى.. فليلى فتاة اللاسلكي تساعد سعيدا في البحث عن شقيقه، ورغم الود الذي تبديه فإنها تتهرب من سعيد، ولا تعطيه شيئا، بل وتربك أيامه.

ليلى هذه تعرضت للاغتصاب من شقيقها أحمد، ومن بعد من الكتائبيين الذين امتهنوا جسدها في شاتيلا، حيث أن شقيقها اعترف لهم بأنه يعمل جاسوسا مع (إسرائيل) لعلهم يرحمونه.. ولكنهم مع ذلك تناوبوا على جسد شقيقته، وتركوها مدمرة النفس، فلجأت إلى حرق جسدها، وبقيت بعد إنقاذها مشوهة الفخذين والنفس، وهذا ما دفعها للتهرب من سعيد الذي أحبته، ولكنها لا تملك أن تعطيه حبا بهذا الجسد المشوّه، ونفسها المدمرة!

أبوالفوز المقاتل الطيب يخدع سعيدا، عندما يضلله بدس ابنة شقيقته عليه، لتدعي بأنها زوجة عيسى، وبأنها أنجبت منه، وأنه استشهد أثناء الاجتياح!

خليل رجل الأمن يكيد بسعيد، ويقدم نموذجا بشعا لرجل الأمن في الأجهزة الفلسطينية التي لا تختلف عن الأجهزة الأمنية العربية، ويعاني سعيد على يديه اضطهادا ومكائد وتعذيبا.

ميشيل اللبناني الماروني الذي يقدم للمقاومة خدمات الاتصال بين المناطق، ويغامر بنفسه يقتل على حاجز في الجبل، رغم كل محاولاته إفهام من قبضوا عليه بأنه مقاوم في صفوف فصيل فلسطيني يساري، وهكذا يفقد حياته بالمجان.

هناك من تخلّى عن الثورة، وانتقل ليعمل مستشارا في مفاوضات (أوسلو) في زمن انقلاب المفاهيم والقيم وضياع الأخلاق الثورية! وفوق كل ما تقدم فإن الرواية مكتوبة عن فترة الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، وهذا ما يفاقم المرارة، ويزيد التفكك والشعور بالعجز وفقدان كل يقين!

الرواية قاتمة، معتمة، مغلقة الأفق، ليس فيها خيط نور، أو أدنى بصيص أمل!

ولعلّ هذا ما يدفع للتساؤل: لماذا كتب أحمد أبوسليم روايته هذه؟

هو واحد ممن تخلوا عن دراستهم الجامعية واندفعوا لتقديم أرواحهم فداء للقضية والثورة. وهو شاعر.. قدم شعرا يبشر بفلسطين حرّة، وبمقاومة هي الأمل والخيار الذي لا خيار سواه.

لماذا كتب أحمد أبوسليم روايته بعد عقدين من الزمن مرّا على تلك التجربة والفترة والأحداث؟

لأننا الآن نعيش حالة ضياع، فأوسلو لم يحقق سلاما، والقضية الفلسطينية تضيع، والفلسطينيون منقسمون، والاحتلال يتوسع، والاستيطان يسرق المزيد من أرض فلسطين، وشعبنا مغيّب عن قضيته.. والعجز هو سيد المشهد والحال!

الانتفاضة التي كانت إبداع شعبنا، في فترة التيه، ما بعد الرحيل في السفن قويضت بأوسلو، وهكذا عدنا لدوامة الخسران!

ما يحدث حاليا دفع أحمد أبو سليم ليعود إلى تحديد بداية الخراب، وسبب التيه والضياع والانحراف.. بداية تفشي الأمراض والركض وراء سراب وهم السلام مع عدو لا يمكن أن يتخلّى عن شبر من ارض فلسطين إلاّ بالمقاومة.

كتب أحمد أبوسيم روايته الصرخة، رواية الغضب الجامح التي تنقل هول الواقع وجنونه، الواقع الذي ما زال يجثم بقبحه وخرابه على العقول والنفوس والضمائر، ويفسد حياتنا، ويغلق أبواب الأمل علينا إذا لم نغيّره جذريا، ونتجاوزه متسلحين بدروس التجربة الرهيبة التي دفعنا ثمنها شعبا وقضية!

الشاعر لم يتخلّ عن شاعريته في روايته الأولى هذه، فثمّة مقاطع في الرواية شعرية بامتياز، وزنا وقافية.. و(روحا).. وهي لم تثقل على النص، ولم تأخذه بعيدا عن القص الروائي النثري المكتوب ببراعة وعناية، تمكنت من جعلي شخصيا لا اشعر بالندم لأنني (جازفت) وقرأته.. خاصة وأنا عشت بيروت، وما بعدها، وأعرف معاناة من بقوا (داخل) بيروت.. وحولها، وعلى مقربة منها.. وقاتلوا في أوضاع ميئسة ومحبطة.. ولكنهم صمدوا واستمروا، وما زال بعضهم، وبعض من تربوا على أيديهم، وقيمهم.. هناك يحملون السلاح، وقد ازدادوا يقينا بأن المقاومة هي الخيار، والسبيل إلى فلسطين.

رواية تدعو للفعل، للنقد، للتجاوز.. رغم سوداويتها، وربما بسبب هذه السوداوية والمرارة التي يرفعها الغضب عاليا لتملأ بصراخ (لا أبطالها) الأسماع.