رذاذ عبدالله
12 - 1 - 2012, 05:30 PM
عاشق الأرض . . سالم جبران شاعر المقاومة والانسانية
* الدستور الأردنيــة
http://im17.gulfup.com/2012-01-12/1326374987381.jpg (http://www.gulfup.com/show/X31ionutmgro9)
واحد من شعراء المقاومة في فلسطين وبرحيله ينضم الى رفيقيه الراحلين توفيق زياد ومحمود درويش والى رفيقه اميل حبيبي.
ولد عام 1941 في قرية البقيعة وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة يني يني الثانوية في كفر ياسيف. بدأ بنشر القصائد في صحف «الاتحاد، الجديد، الغد» وهو في الثانوية كما انتسب إلى الحلقات الماركسية في كفر ياسيف وانضم لاحقاً إلى صفوف الحزب الشيوعي. عمل بعد الثانوية رئيساً لتحرير مجلة «الغد» الشبابية وركّز على كتابة المقالات المتعلقة بالثقافة الفلسطينية منذ العهد العثماني إلى النكبة، كما نشر عديد المقالات عن الأدب العربي الكلاسيكي.
ترأس تحرير مجلة الجديد الأدبية، وبعد سنوات انتقل إلى «الاتحاد» حيث عمل نائباً لرئيس التحرير الكاتب الراحل إميل حبيبي وبعد ذلك ترأس الاتحاد لأكثر من أربع سنوات.
في عام 1993 وفي أعقاب صراعات عقائدية وتنظيمية ترك صفوف الحزب الشيوعي، وواصل العمل الصحافي والثقافي، اذ حاضر في الجامعات والمعاهد العليا حول التعددية الثقافية وقضايا الثقافة الفلسطينية والقضية الفلسطينية عموماً.
أصدر ثلاثة دواوين شعرية: «كلمات من القلب»، «رفاق الشمس»، «قصائد ليست محددة الإقامة» وله ديوان شعر باللغة الانجليزية.
كرّس جبران جل شعره لمقاومة الاحتلال ورفضه وتعرية أساليبه وممارساته، فشعره هو شعرالمقاومة، اذ تغطّي مساحة كبيرة في دواوينه الثّلاثة المنشورة بين الأعوام 1967ـ 1975.
يحمل الشاعر جبران بين جنبيه حبا لا حدود له لوطنه ولشعبه ولأرضه فحبه بلغ حدّ العبادة، فمنذ بدأ يشقشق الشّعر لخّص حُبّه في قصيدة رائعة وبسيطة، ورغم بساطتها تكشف عن جماليّة رائعة وحس مرهف، وتبشّر بفارس شعر عظيم، يقول سالم في قصيدة بعنوان :»حب»:
كما تحبّ الأمّ طفلها المشوّها أحبّها حبيبتي بلادي.
هذا الحُبّ الكبير لبلاده يجعله يحسّ بكلّ ضربة تصيبها، وبكلّ عمليّة اغتصاب تنفذ فيها لذا سجل الشّاعر كلّ ما مرّ على شعبه ووطنه من محن بدءا بالنكبة، في قصائد معبّرة تنضح ألما وحسرة، و ثوريّة وبعد رؤية:
كان ليل النّكبة الأسود لا إشعاع فيه
غير إشعاع القنابل ليست تقاتل!
ولماذا يا بلادي! قالت الأعين، في رعب
ولم تفهم تفاصيل القضيّة.
في هذه الكلمات العذاب يختزل جبران نكبة 1948، ويسجّل عدم فهم الشّعب لتفاصيل المؤامرة الّتي حاك خيوطها الاستعمار والصّهيونيّة والرّجعيّة العربيّة يومها.
عايش جبران النّكبة و التّهجير واللّجوء والتّشريد ورأى كلّ المآسي وعايشها فعكسها شعرا لكنّه لم يكن يستبق الأحداث، بل كان على درجة من الوعي كبيرة عارفا بتفاصيل المؤامرة ملمّا بأهدافها وأبعادها، فلم يستسلم، فجاء شعره في مرحلة الهجرة حثّا على البقاء وعدم ترك الأرض والوطن مهما حدث، فقد عرف أنّ المؤامرة تستهدف ترك الوطن، واخلاءه لشذاذ الافاق من المستوطنين القادمين كالجراد من اربع جهات الارض فكان صوته ينادي بالبقاء وبالتّشبّث بالحجر والتراب بالارض، وهذا التشبث بالبقاء كان خطوة سالم الأولى في شعره نحو المقاومة اذ يقول في قصيدة بعنوان «بقاء»
الأرض خناجر تحت الأقدام الوحشيّة
والأرض مقابر للأحلام الهمجيّة
سأظلّ هنا في بيت يبنى من أحجار
في كوخ مصنوع من أغصان الأشجار
أو في إحدى مغر بلادي يا جزّار.
وارض فلسطين عند جبران مزروعة بالخناجر تزعج أقدام المحتل، وترفض كلّ قدم غريبة، والأرض الفلسطينيّة مقبرة لأحلام الصّهيونيّة الهمجيّة الّتي بنيت على تشريد شعب كامل.
لكن الشّاعر رغم وحشيّة المحتل سيظلّ فوق أرضه وفي بيته صامدا يحلم بغد مشرق، بأمل حلو أخضر، فهمته لا تفتر وتفاؤله لا يزول، مؤمن بقدرة شعبه، مؤمن بأنّ مستقبل الظّلم الزّوال إذا صمدنا وقاومنا:
سأظلّ هنا أمسك جرحي بيد
وألوح بالأخرى لربيع، يحمل لبلادي
دفء الشّمس وباقات الأزهار.
وفي قصيدة «أغنية»، يمتدح الشّعب الّذي يتحمّل كلّ ما أصابه من صدمات فيلملم جراحه ويسير فوق الأشواك سعيا للرّبيع، كما أنه يقرّر بقاءه وشعبه على تراب وطنه فالوطن لا يقوم إلا بشعبه، والشّعب لا يقوم الا بوطنه، لذا يهيب بأبناء شعبه أن يتكاتفوا ويتماسكوا ويتوحّدوا لمعركة البقاء ولمعركة الرّجوع، فما من طريقة سوى الاتحاد ، وما من وسيلة لردّ الغاصب سوى الصّمود في وجهه:
كالسّنديان هنا سنبقى كالصّخور
كعرائس الزّيتون فوق ربى بلادي كالنّهور
كحمائم البريّة الخضراء
انا سوف نخفق فوق أرضك يا بلادي كالنّسور.
هنا باقون كجذور أشجارنا لا شيء يستطيع اقتلاعها- اقتلاعنا- فجذورنا في الأرض الفلسطينيّة عميقة تضرب في الرّحم، يأتي الشّتاء ويذهب وتظلّ الجذور حالمة بالرّبيع معانقة الحياة، فكلّ عواصف المؤامرات لن تزحزحنا شبرا واحدا عن أرضنا ووطننا ورحم من قال على صدوركم باقون، وسلام على من قال، يا عدو الشمس اني لن اساوم، والى آخر نبض في عروقي ساقاوم:
سأظلّ فوق ترابك المذبوح يا وطني
مع المزمار، أنشد الرّبيع
وأقول للباكين والمتشائمين إنّ الشّتاء يموت
فابتسموا ولا تتخاذلوا تحت الدموع
هاتوا اياديكم، فمعركة البقاء تريدكم سندا
ومعركة الرّجوع.
فالمعركة معركة مصير، معركة بقاء ورجوع للوطن وللأرض، ولا يمكن ان يتحقّق هذا بالبكاء والتشرذم والتفرق، بل بالاتّحاد والتّفاؤل والإقبال على الحياة، لأنّها نصير الفقراء والمظلومين.
وفي قصيدة «القائمة السّوداء»، يتحدّى سّلطة الاحتلال ويعرّض بالمتعاونين معها، ويعري أساليبها، فمهما حاولت السّلطة إغراء شاعرنا- شعبنا- كي يتنازل عن أرضه وعن وطنه، كي يصبح عميلا يخدم أجهزة الظّلام سيرفض ذلك وسيبقى حرّا شريفا يدافع عن شعبه ويحثّه على البقاء ويهديه إلى الصّواب:
سجّل اسمي في القائمة السّوداء
سجّل اسم أبي، أمّي، إخواني
سجّل حتّى حيطاني في بيتي لن تلقى إلاّ شرفاء
لا تنظر نحوي بعيون باردة بلهاء
سجّل إسمي فأنا لن أتنازل
عن أرضي الطّيّبة المعطاء
لن أعمل جاسوسا للأجهزة السّوداء.
ويختتم قصيدته بمقطع يؤكد فيه حبّه لوطنه ويسخر فيه من اجهزة السّلطة فيقول:
وطني ملكي ابقاه لي أجدادي
وسأبقيه للأبناء حرّ فيه أنا..
أتجوّل كيف أشاء خبّئ في
غير ملفّاتك بالقائمة السّوداء.
جاءت النّكبة وجاء معها التّشريد فقسم الشّعب الفلسطيني، قسم بقي فوق أرضه وتسمر بها وآخر هجر قسرا وعنوة، ولكنّ الاحتلال لم يكف يوما عن مضايقة الباقين، بل حاول بكلّ الاساليب ووسائل قمعه تضييق الخناق عليه. ولم تمر سنوات قلائل إلا والشّعب العربي يقع في نكبة أخرى هي حرب حزيران 1967، هذه الحرب الّتي تصدّع معها المارد العربي الوهمي، وبتصدّع هذا المارد الوهمي تحطّمت كل الاوهام الّتي كانت تحملها النّاس، فكانت نكسة وهزيمة القت بظلالها على العالم العربي فعاش فترة من الألم واليأس والتّشاؤم.
لكن شعراءنا في الارض المحتلة رأوا في الحرب والنكسة والهزيمة بعثا جديدا نهاية لمرحلة من الأوهام مريضة، رأوا فيها ناقوسا يدقّ في رأس كلّ عربي كي ينهض من جديد، كي يركل كل تراكمات الوهم وينفض عنه كلّ أثر منه ليتسربل بأفكار جديدة ورؤية جديدة.
رأى شعراؤنا ان النّكسة هزة افاقت العالم العربي والفلسطيني من سباته.
هكذا رأى سالم وزملاؤه نكسة حزيران. فسالم يسجّل أثر النّكسة وعاصفة الهزيمة كهزة تدمرعالمنا الشّائخ ناسا وأفكارا وها هو يقول في قصيدة «عاصفة الهزيمة»:
هزّي من الأعماق، يا عاصفة الهزيمة عالمنا الشّائخ
فليدمر الإعصار كلّ التّحف القديمة ناسا وأفكارا
ليحرق لهب الثّورة كلّ اراضينا
كي لا تحاك، من جديد، فوقها مهزلة
كي لا تعاد، من جديد، فوقها جريمة
عملاق هذا العصر،
هبّ اطلع النّصر فكلّ السّابقين اطلعوا الهزيمة
كان لا بدّ من هزيمة كي تحرّك الأجيال الجديدة، كي تخلق إنسانا متفائلا لا يؤمن بالأوهام بل بالعمل والفعل فسالم يشكر في قصيدة أخرى بعنوان «يوم العار» هذه الهزيمة على ما فعلته يقول:
الغرين الناعم صار «نار»
والأشجار غصونها صارت رماحا
بعد أن ملّت عطاء الزّهر والأثمار
والميّتون استيقظوا «ثوّار»
شكرا ليوم العار فنحن لولاه بقينا مثلما كنا،
نمصّ جرحنا في ذلّة الكلاب أو نخمس الأشعار
شكرا لهزيمة هزتنا من الأعماق
وأصبحت جسرا نحو مستقبل ثائر.
فهذه الهزيمة وضعت حجرا على رأس مرحلة عمرها «مليون» سنة، لم نكن نتقن فيها سوى البكاء وتخميس الأشعار واجترار الحزن والمهانة. بكيت مليون سنة لم تبق بوابّة شعب ما وقفت عندها كالكلب أروي- كالكلب أروي- آه من يسمع؟ أخبار الضّياع المحزنة بكيت حتّى سقطت عيناي في شوارع الأرض دموعا ودما سخفي دفعت ثمنه عرفت أن الدّمع لا يمنح للضّائع أرضا آمنة.
الدّموع لا تحلّ المشكلة، البكاء لا يرجّع الأرض المفقودة ولا يرجّع وطنا فقدناه، استجداء الحلول ما عاد ينفعا انتظار الفرج من الآخرين ما عاد يجدي، فالحلّ الاتّحاد والمقاومة، أن ياخذ الفلسطيني الامر بيديه، الحل ليس فرديّا بل هو ثورة جماهيريّة، فلنمزّق كلّ الأشياء بما فيها شهاداتنا ولنحمل السّلاح دفاعا عن الوطن:
كلّ الشهادات إلى المرحاض
كلّ كتب الدّراسة تعلّم التّياسة
فلتعلم الجبال أنّ ثائرا جديدا آت
لكي يسهم في تحرير أرض الشمس
أو يهرق في محرابها انفاسه.
الهدف تحرير «أرض الشمس» وهذا التحرير لا يتمّ فردياّ وانطوائيّا، بل بالمقاومة الشّعبيّة، فمرحلة الحلول الفرديّة ولّت، ولأنّ الشّاعر بدأ بحُبّ بلاده في المرحلة السّابقة فهو يبدأ مرحلته الجديدة بنفس هذا الزّخم فالمقاومة فاشلة إن لم تكن نابعة من حُبّ كلّ ذرّة تراب ومن كلّ حاكورة وبيت في الوطن:
يمكنكم أن تقلعوا الشّجر من
جبل في قريتي يعانق القمر
يمكنكم أن تحرثوا كلّ بيوت
قريتي فلا يظلّ، بعدها أثر
يمكنكم أن تأخذوا ربابتي
وتحرقوها بعد أن تقطعوا الوتر
يمكنكم لكنّكم لن تخنقوا لحني
لأنّي عاشق الأرض مغنّي الرّيح والمطر ..
مهما فعلتم فلن تستطيعوا مصادرة حُبّي لأرضي ولشعبي ولبلادي، فالجليل جنّتي على الأرض بتربته الخضراء ومائه الصّافي لأجله بقيت ولأجله سأبقى، ساحافظ عليه بدمائي، فحُبّ الشّاعر لجليله- وهو ابن الجليل حُبّ عميق فها هو يقول:
كان الجليل ناسا وتربة خضراء وماء
وبعد أن حرمت ان أزوره صار
الجليل جنة وناسه آلهة
وصار حتّى ليلة ضياء أقول للقياصر الصّغار:
ما أضعفكم قد تحبسون خطوتي
لكن قلبي هائم في وطنه
يزور أي بقعة يشاء يفعل ما يشاء.
لهذا الحُبّ العميق القائم بين الشّاعر وبلاده، بينه وبين جليله وشعبه يهون الموت، وتجدر المقاومة وهل هناك أقدس من الاستشهاد في سبيل قضيّة عادلة! يقول سالم:
تشتعل المقاومة في كلّ شبر يعلن الإصرار
إصراره أن تبصق العدوان كلّ دار
شعبي أنا أعرفه إن أظلمت ينبح من دمائه نهار.
الشّاعر مؤمن بشعبه، مؤمن بقّوته وبصلابته وبقدرته على العيش الكريم ورفض الذلّ والهوان، فالشّعب اخذ درسا من الهزيمة، تعلّم من التّجارب القاسية الّتي مرّ بها وعايشها، فكان الدّرس رفضا وإصرارا وعزيمة متحديّة:
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يسرق من عيون جلاده حتّى النّعاس
وكيف يقتحم الحصون ليقول للمحكوم ألف مؤبد!
إن الخلاص غدا إذا استنطقت لا تنطق
وإن عذبت ابصق في عيون الصّالبين! .
إذا أهين الشّعب ومسّت كرامته يصبح مستعدا لأن يدفع أغلى ما يملك في سبيل ردّ هذه الكرامة يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يدفع للبطولة
بنتا لحدّ الآن لم تحلم بغير العرس لم تتقن سوى لمّ الجديلة
وفتى بعمر الورد يقرأ في الكتاب ويحفظ الأشعار والقصص الجميلة
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يحترف البطولة.
هذا هو الشّعب المقاوم، شعب عايش أزمنة القهر وألف الحزن والعذاب، ولكنّه نفض غبار الزّمن الرّديء، وانتصب ماردا بطلا يركل الذلّ ويعانق الحريّة، الحريّة الّتي تجعله مستعدا لأن يبذل دماءه من أجلها، الحريّة الّتي تجعله يتحوّل ثائرا يدافع عن قضيّة عادلة حتّى النّخاع:
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف
يجعل من تراب من حجار
أرض الحمى اكلا كأسماك المسيح
ومن المغائر في الجبال قصور عز لا تهين
سيان يصبح كل موقع ثائر
في عينه مهدا لنصر أو ضريح
ويظلّ يمشي والدّماء تزيده بذلا لميلاد النّهار.
من اجل هذا النّهار، نهار الحريّة يقاوم الشّعب، يتحمّل المصاعب يدخل السجون، يضحّي، يكتب بدمه نشيد النصر يروي بدمه أرض بلاده، ولكنّه مهما حدث يظلّ متفائلاً، فالنّهار يقترب، يراه يتحقّق أمامه أملا:
أسند ظهري لجدار أبي التاريخ
وأسدد طرفي عن بعد في وجه أخي المستقبل
وأقول بثقة نبي مصلوب يعلن آخر كلمة
إنّي متفائل الدّرب طويل والأهل يموتون من الجوع
والشّهداء جحافل وأنا متفائل دمي النّازف مطر
لحمي المطحون سماء وأنيني أهزوجة الغد
مرج سنابل الغد عرس سنابل.
كي يصبح الغد مرج سنابل، كي تصبح الدّنيا عرس سنابل لا بدّ من المقاومة:
إبن عشرين يقاتل
وإبن سبعين يقاتل
والّتي مات أخوها
تنسج الصّوف لمن قام مكانه.
هكذا يتحقّق النّصر ويطلع النّهار، نهار الحريّة، بالاتحاد، في عرس من المقاومة بالقتال، فالصّمت لا ينفع فالمرحلة الآن تتطلّب التّضحيات والشّعب مستعدّ لذلك:
والّتي مات فتى أحلامها خرجت تحمل بارودته
تغسل عن ارض البطولات المهانة
والّتي مات ابنها تحلم أن يطلع تينا وسنابل
علّه يطعم في معركة النّصر مقاتل.
شعب صهرته نار الاحتلال صهرته بطلا يفدي أرضه بدمه، والشّاعر متفائل بغد جميل، متفائل بانهيار السّجون وانقلاب الأمور لصالح شعبه:
آه شعبي صهرتك النار عملاقا
ستفنى هذه الدنيا ولا تفنى،
ستبني بالدّم الغالي ونيران القنابل غدك الحلو،
اسمع الجلاّد يبكي ثم ينهار
ومن كفيك كالصّابون تنهار السّلاسل.
لا بد للشّعب أن ينتصر مهما طال ليل الإحتلال والظّلم، فالشّعب مهما حاولوا خنقه والبطش به لا يفنى، وشعب عرف معنى التّضحية سيخلق النّصر حتما. و(سالم) يحترم شعبه ويجله ويعرفه حقّ المعرفة، ويقدّر تضحياته، يحترم المقاومين منه المنتظرين النّصر.
سوف أغنّي للسّنين قصّة طويلة طويلة
عن فاطمة تلك الّتي كانت تخبئ
بين نهديها الدناميت
لكي توصله عابرة في خندق الموت إلى المقاومة.
هذا هو الشعب، شعب لا يهاب الموت
بل يقتحمه لأنّه مؤمن بقضيّته العادلة
عندما يصبح الموت بالقنبلة خطرا
فوق رأس ثلاثين مليون راجل
تصبح المرحلة قدرا كلّ فرد يصير مقاتل .
إذًا نحن لا نرغب القتال،
بل نحن شعب مسالم، ولكن إذا اعتُدي علينا نقاتل.
إذا أصبح الخطر يهددنا ليل نهار فكلّنا مقاتلون، فالموت لا يخيفنا بل يصبح حافزا آخر للقتال وللتّضحية:
يا دماء أبي وأخي وابن عمي يا دماء رفاقي البواسل
أنت، بعد التراب الّذي يتنزّى أسى في السلاسل
والبيوت الّتي دمّرت والألوف الّتي هجرت
والصّفاء الّذي حرقته على النّيل نار القنابل حافز آخر كي نقاتل.
الزّعامة لشعب يقاوم ويقاتل الزّعامة لشعب تعمّد بالتّجربة فخرج منها أكثر صلابة وأشدّ بأسا، وخرج منها ثائرا لا يهاب، يعرف عدوّه، ويعرف كيف يستردّ حقّه المغتصب، لذلك يغني جبران للمقاومين وللثّوار، يغنّي لأصحاب الحقّ، ولكنّه يخجل منهم، يخجل من هؤلاء الّذين ضحّوا بأرواحهم من أجلنا، من أجل شعبهم بينما هو لا يتقن سوى فنّ الكلمة، مع أنّ الكلمة أيضا إذا جنّدت في المعركة تصبح خطيرة خطر الرّصاص والقنابل، ها هو (سالم) يرثي أحد الشّهداء دون أن يجرؤ على زيارة قبره، لأنه يخجل من تضحيته الكبيرة:
أمجّد ذكراك من غير أن ازور
ضريحك يا صانع المعجزات
لأني إذا زرته سأموت حيّا
أنا كل ما صنعته يدي كلمات.
شعره يعبق بالحيوية والرفض، شعره منحازللكادحين. قصائدهّ لهب على رؤوس الزّعماء التقليديّين الّذين باعوا القضيّة وسالم وهو يكتب عن مقاومة شعبه البطل لا ينسى أن يتغنّى بكلّ ثورة قامت على الظّلم، وبكلّ شعب ثار على المحتلّ الغاصب، فهو مع كلّ كادح يقاوم للقمة العيش وللحق والعدالة.
جبران صاحب رؤية انسانية تقدمية ملتزم بقضيّة شعبه، فهي هاجسه اليوميّ فكلّ كلمة قالها جاءت تحمل بذرة المقاومة، وكلّ قصيدة نظمها انطلقت من تجربة شعب كاملة، وما يميّزه عن الآخرين بساطته، فكلماته تصل قلب القارئ بسهولة، فهو شاعر الشّعب والبساطة، شاعر الحُبّ والمقاومة، وما ذلك إلاّ لأنّه وقف دائما وما زال إلى جانب شعبه حاثّا ومحرّضا يرسم لشعبه طريق الحريّة، ذلك الطّريق الوعر الشّائك الّذي يرى سالم نهايته القريبة الحتميّة.
* الدستور الأردنيــة
http://im17.gulfup.com/2012-01-12/1326374987381.jpg (http://www.gulfup.com/show/X31ionutmgro9)
واحد من شعراء المقاومة في فلسطين وبرحيله ينضم الى رفيقيه الراحلين توفيق زياد ومحمود درويش والى رفيقه اميل حبيبي.
ولد عام 1941 في قرية البقيعة وأنهى دراسته الثانوية في مدرسة يني يني الثانوية في كفر ياسيف. بدأ بنشر القصائد في صحف «الاتحاد، الجديد، الغد» وهو في الثانوية كما انتسب إلى الحلقات الماركسية في كفر ياسيف وانضم لاحقاً إلى صفوف الحزب الشيوعي. عمل بعد الثانوية رئيساً لتحرير مجلة «الغد» الشبابية وركّز على كتابة المقالات المتعلقة بالثقافة الفلسطينية منذ العهد العثماني إلى النكبة، كما نشر عديد المقالات عن الأدب العربي الكلاسيكي.
ترأس تحرير مجلة الجديد الأدبية، وبعد سنوات انتقل إلى «الاتحاد» حيث عمل نائباً لرئيس التحرير الكاتب الراحل إميل حبيبي وبعد ذلك ترأس الاتحاد لأكثر من أربع سنوات.
في عام 1993 وفي أعقاب صراعات عقائدية وتنظيمية ترك صفوف الحزب الشيوعي، وواصل العمل الصحافي والثقافي، اذ حاضر في الجامعات والمعاهد العليا حول التعددية الثقافية وقضايا الثقافة الفلسطينية والقضية الفلسطينية عموماً.
أصدر ثلاثة دواوين شعرية: «كلمات من القلب»، «رفاق الشمس»، «قصائد ليست محددة الإقامة» وله ديوان شعر باللغة الانجليزية.
كرّس جبران جل شعره لمقاومة الاحتلال ورفضه وتعرية أساليبه وممارساته، فشعره هو شعرالمقاومة، اذ تغطّي مساحة كبيرة في دواوينه الثّلاثة المنشورة بين الأعوام 1967ـ 1975.
يحمل الشاعر جبران بين جنبيه حبا لا حدود له لوطنه ولشعبه ولأرضه فحبه بلغ حدّ العبادة، فمنذ بدأ يشقشق الشّعر لخّص حُبّه في قصيدة رائعة وبسيطة، ورغم بساطتها تكشف عن جماليّة رائعة وحس مرهف، وتبشّر بفارس شعر عظيم، يقول سالم في قصيدة بعنوان :»حب»:
كما تحبّ الأمّ طفلها المشوّها أحبّها حبيبتي بلادي.
هذا الحُبّ الكبير لبلاده يجعله يحسّ بكلّ ضربة تصيبها، وبكلّ عمليّة اغتصاب تنفذ فيها لذا سجل الشّاعر كلّ ما مرّ على شعبه ووطنه من محن بدءا بالنكبة، في قصائد معبّرة تنضح ألما وحسرة، و ثوريّة وبعد رؤية:
كان ليل النّكبة الأسود لا إشعاع فيه
غير إشعاع القنابل ليست تقاتل!
ولماذا يا بلادي! قالت الأعين، في رعب
ولم تفهم تفاصيل القضيّة.
في هذه الكلمات العذاب يختزل جبران نكبة 1948، ويسجّل عدم فهم الشّعب لتفاصيل المؤامرة الّتي حاك خيوطها الاستعمار والصّهيونيّة والرّجعيّة العربيّة يومها.
عايش جبران النّكبة و التّهجير واللّجوء والتّشريد ورأى كلّ المآسي وعايشها فعكسها شعرا لكنّه لم يكن يستبق الأحداث، بل كان على درجة من الوعي كبيرة عارفا بتفاصيل المؤامرة ملمّا بأهدافها وأبعادها، فلم يستسلم، فجاء شعره في مرحلة الهجرة حثّا على البقاء وعدم ترك الأرض والوطن مهما حدث، فقد عرف أنّ المؤامرة تستهدف ترك الوطن، واخلاءه لشذاذ الافاق من المستوطنين القادمين كالجراد من اربع جهات الارض فكان صوته ينادي بالبقاء وبالتّشبّث بالحجر والتراب بالارض، وهذا التشبث بالبقاء كان خطوة سالم الأولى في شعره نحو المقاومة اذ يقول في قصيدة بعنوان «بقاء»
الأرض خناجر تحت الأقدام الوحشيّة
والأرض مقابر للأحلام الهمجيّة
سأظلّ هنا في بيت يبنى من أحجار
في كوخ مصنوع من أغصان الأشجار
أو في إحدى مغر بلادي يا جزّار.
وارض فلسطين عند جبران مزروعة بالخناجر تزعج أقدام المحتل، وترفض كلّ قدم غريبة، والأرض الفلسطينيّة مقبرة لأحلام الصّهيونيّة الهمجيّة الّتي بنيت على تشريد شعب كامل.
لكن الشّاعر رغم وحشيّة المحتل سيظلّ فوق أرضه وفي بيته صامدا يحلم بغد مشرق، بأمل حلو أخضر، فهمته لا تفتر وتفاؤله لا يزول، مؤمن بقدرة شعبه، مؤمن بأنّ مستقبل الظّلم الزّوال إذا صمدنا وقاومنا:
سأظلّ هنا أمسك جرحي بيد
وألوح بالأخرى لربيع، يحمل لبلادي
دفء الشّمس وباقات الأزهار.
وفي قصيدة «أغنية»، يمتدح الشّعب الّذي يتحمّل كلّ ما أصابه من صدمات فيلملم جراحه ويسير فوق الأشواك سعيا للرّبيع، كما أنه يقرّر بقاءه وشعبه على تراب وطنه فالوطن لا يقوم إلا بشعبه، والشّعب لا يقوم الا بوطنه، لذا يهيب بأبناء شعبه أن يتكاتفوا ويتماسكوا ويتوحّدوا لمعركة البقاء ولمعركة الرّجوع، فما من طريقة سوى الاتحاد ، وما من وسيلة لردّ الغاصب سوى الصّمود في وجهه:
كالسّنديان هنا سنبقى كالصّخور
كعرائس الزّيتون فوق ربى بلادي كالنّهور
كحمائم البريّة الخضراء
انا سوف نخفق فوق أرضك يا بلادي كالنّسور.
هنا باقون كجذور أشجارنا لا شيء يستطيع اقتلاعها- اقتلاعنا- فجذورنا في الأرض الفلسطينيّة عميقة تضرب في الرّحم، يأتي الشّتاء ويذهب وتظلّ الجذور حالمة بالرّبيع معانقة الحياة، فكلّ عواصف المؤامرات لن تزحزحنا شبرا واحدا عن أرضنا ووطننا ورحم من قال على صدوركم باقون، وسلام على من قال، يا عدو الشمس اني لن اساوم، والى آخر نبض في عروقي ساقاوم:
سأظلّ فوق ترابك المذبوح يا وطني
مع المزمار، أنشد الرّبيع
وأقول للباكين والمتشائمين إنّ الشّتاء يموت
فابتسموا ولا تتخاذلوا تحت الدموع
هاتوا اياديكم، فمعركة البقاء تريدكم سندا
ومعركة الرّجوع.
فالمعركة معركة مصير، معركة بقاء ورجوع للوطن وللأرض، ولا يمكن ان يتحقّق هذا بالبكاء والتشرذم والتفرق، بل بالاتّحاد والتّفاؤل والإقبال على الحياة، لأنّها نصير الفقراء والمظلومين.
وفي قصيدة «القائمة السّوداء»، يتحدّى سّلطة الاحتلال ويعرّض بالمتعاونين معها، ويعري أساليبها، فمهما حاولت السّلطة إغراء شاعرنا- شعبنا- كي يتنازل عن أرضه وعن وطنه، كي يصبح عميلا يخدم أجهزة الظّلام سيرفض ذلك وسيبقى حرّا شريفا يدافع عن شعبه ويحثّه على البقاء ويهديه إلى الصّواب:
سجّل اسمي في القائمة السّوداء
سجّل اسم أبي، أمّي، إخواني
سجّل حتّى حيطاني في بيتي لن تلقى إلاّ شرفاء
لا تنظر نحوي بعيون باردة بلهاء
سجّل إسمي فأنا لن أتنازل
عن أرضي الطّيّبة المعطاء
لن أعمل جاسوسا للأجهزة السّوداء.
ويختتم قصيدته بمقطع يؤكد فيه حبّه لوطنه ويسخر فيه من اجهزة السّلطة فيقول:
وطني ملكي ابقاه لي أجدادي
وسأبقيه للأبناء حرّ فيه أنا..
أتجوّل كيف أشاء خبّئ في
غير ملفّاتك بالقائمة السّوداء.
جاءت النّكبة وجاء معها التّشريد فقسم الشّعب الفلسطيني، قسم بقي فوق أرضه وتسمر بها وآخر هجر قسرا وعنوة، ولكنّ الاحتلال لم يكف يوما عن مضايقة الباقين، بل حاول بكلّ الاساليب ووسائل قمعه تضييق الخناق عليه. ولم تمر سنوات قلائل إلا والشّعب العربي يقع في نكبة أخرى هي حرب حزيران 1967، هذه الحرب الّتي تصدّع معها المارد العربي الوهمي، وبتصدّع هذا المارد الوهمي تحطّمت كل الاوهام الّتي كانت تحملها النّاس، فكانت نكسة وهزيمة القت بظلالها على العالم العربي فعاش فترة من الألم واليأس والتّشاؤم.
لكن شعراءنا في الارض المحتلة رأوا في الحرب والنكسة والهزيمة بعثا جديدا نهاية لمرحلة من الأوهام مريضة، رأوا فيها ناقوسا يدقّ في رأس كلّ عربي كي ينهض من جديد، كي يركل كل تراكمات الوهم وينفض عنه كلّ أثر منه ليتسربل بأفكار جديدة ورؤية جديدة.
رأى شعراؤنا ان النّكسة هزة افاقت العالم العربي والفلسطيني من سباته.
هكذا رأى سالم وزملاؤه نكسة حزيران. فسالم يسجّل أثر النّكسة وعاصفة الهزيمة كهزة تدمرعالمنا الشّائخ ناسا وأفكارا وها هو يقول في قصيدة «عاصفة الهزيمة»:
هزّي من الأعماق، يا عاصفة الهزيمة عالمنا الشّائخ
فليدمر الإعصار كلّ التّحف القديمة ناسا وأفكارا
ليحرق لهب الثّورة كلّ اراضينا
كي لا تحاك، من جديد، فوقها مهزلة
كي لا تعاد، من جديد، فوقها جريمة
عملاق هذا العصر،
هبّ اطلع النّصر فكلّ السّابقين اطلعوا الهزيمة
كان لا بدّ من هزيمة كي تحرّك الأجيال الجديدة، كي تخلق إنسانا متفائلا لا يؤمن بالأوهام بل بالعمل والفعل فسالم يشكر في قصيدة أخرى بعنوان «يوم العار» هذه الهزيمة على ما فعلته يقول:
الغرين الناعم صار «نار»
والأشجار غصونها صارت رماحا
بعد أن ملّت عطاء الزّهر والأثمار
والميّتون استيقظوا «ثوّار»
شكرا ليوم العار فنحن لولاه بقينا مثلما كنا،
نمصّ جرحنا في ذلّة الكلاب أو نخمس الأشعار
شكرا لهزيمة هزتنا من الأعماق
وأصبحت جسرا نحو مستقبل ثائر.
فهذه الهزيمة وضعت حجرا على رأس مرحلة عمرها «مليون» سنة، لم نكن نتقن فيها سوى البكاء وتخميس الأشعار واجترار الحزن والمهانة. بكيت مليون سنة لم تبق بوابّة شعب ما وقفت عندها كالكلب أروي- كالكلب أروي- آه من يسمع؟ أخبار الضّياع المحزنة بكيت حتّى سقطت عيناي في شوارع الأرض دموعا ودما سخفي دفعت ثمنه عرفت أن الدّمع لا يمنح للضّائع أرضا آمنة.
الدّموع لا تحلّ المشكلة، البكاء لا يرجّع الأرض المفقودة ولا يرجّع وطنا فقدناه، استجداء الحلول ما عاد ينفعا انتظار الفرج من الآخرين ما عاد يجدي، فالحلّ الاتّحاد والمقاومة، أن ياخذ الفلسطيني الامر بيديه، الحل ليس فرديّا بل هو ثورة جماهيريّة، فلنمزّق كلّ الأشياء بما فيها شهاداتنا ولنحمل السّلاح دفاعا عن الوطن:
كلّ الشهادات إلى المرحاض
كلّ كتب الدّراسة تعلّم التّياسة
فلتعلم الجبال أنّ ثائرا جديدا آت
لكي يسهم في تحرير أرض الشمس
أو يهرق في محرابها انفاسه.
الهدف تحرير «أرض الشمس» وهذا التحرير لا يتمّ فردياّ وانطوائيّا، بل بالمقاومة الشّعبيّة، فمرحلة الحلول الفرديّة ولّت، ولأنّ الشّاعر بدأ بحُبّ بلاده في المرحلة السّابقة فهو يبدأ مرحلته الجديدة بنفس هذا الزّخم فالمقاومة فاشلة إن لم تكن نابعة من حُبّ كلّ ذرّة تراب ومن كلّ حاكورة وبيت في الوطن:
يمكنكم أن تقلعوا الشّجر من
جبل في قريتي يعانق القمر
يمكنكم أن تحرثوا كلّ بيوت
قريتي فلا يظلّ، بعدها أثر
يمكنكم أن تأخذوا ربابتي
وتحرقوها بعد أن تقطعوا الوتر
يمكنكم لكنّكم لن تخنقوا لحني
لأنّي عاشق الأرض مغنّي الرّيح والمطر ..
مهما فعلتم فلن تستطيعوا مصادرة حُبّي لأرضي ولشعبي ولبلادي، فالجليل جنّتي على الأرض بتربته الخضراء ومائه الصّافي لأجله بقيت ولأجله سأبقى، ساحافظ عليه بدمائي، فحُبّ الشّاعر لجليله- وهو ابن الجليل حُبّ عميق فها هو يقول:
كان الجليل ناسا وتربة خضراء وماء
وبعد أن حرمت ان أزوره صار
الجليل جنة وناسه آلهة
وصار حتّى ليلة ضياء أقول للقياصر الصّغار:
ما أضعفكم قد تحبسون خطوتي
لكن قلبي هائم في وطنه
يزور أي بقعة يشاء يفعل ما يشاء.
لهذا الحُبّ العميق القائم بين الشّاعر وبلاده، بينه وبين جليله وشعبه يهون الموت، وتجدر المقاومة وهل هناك أقدس من الاستشهاد في سبيل قضيّة عادلة! يقول سالم:
تشتعل المقاومة في كلّ شبر يعلن الإصرار
إصراره أن تبصق العدوان كلّ دار
شعبي أنا أعرفه إن أظلمت ينبح من دمائه نهار.
الشّاعر مؤمن بشعبه، مؤمن بقّوته وبصلابته وبقدرته على العيش الكريم ورفض الذلّ والهوان، فالشّعب اخذ درسا من الهزيمة، تعلّم من التّجارب القاسية الّتي مرّ بها وعايشها، فكان الدّرس رفضا وإصرارا وعزيمة متحديّة:
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يسرق من عيون جلاده حتّى النّعاس
وكيف يقتحم الحصون ليقول للمحكوم ألف مؤبد!
إن الخلاص غدا إذا استنطقت لا تنطق
وإن عذبت ابصق في عيون الصّالبين! .
إذا أهين الشّعب ومسّت كرامته يصبح مستعدا لأن يدفع أغلى ما يملك في سبيل ردّ هذه الكرامة يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يدفع للبطولة
بنتا لحدّ الآن لم تحلم بغير العرس لم تتقن سوى لمّ الجديلة
وفتى بعمر الورد يقرأ في الكتاب ويحفظ الأشعار والقصص الجميلة
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف يحترف البطولة.
هذا هو الشّعب المقاوم، شعب عايش أزمنة القهر وألف الحزن والعذاب، ولكنّه نفض غبار الزّمن الرّديء، وانتصب ماردا بطلا يركل الذلّ ويعانق الحريّة، الحريّة الّتي تجعله مستعدا لأن يبذل دماءه من أجلها، الحريّة الّتي تجعله يتحوّل ثائرا يدافع عن قضيّة عادلة حتّى النّخاع:
يتعلّم الشّعب المعذّب كيف
يجعل من تراب من حجار
أرض الحمى اكلا كأسماك المسيح
ومن المغائر في الجبال قصور عز لا تهين
سيان يصبح كل موقع ثائر
في عينه مهدا لنصر أو ضريح
ويظلّ يمشي والدّماء تزيده بذلا لميلاد النّهار.
من اجل هذا النّهار، نهار الحريّة يقاوم الشّعب، يتحمّل المصاعب يدخل السجون، يضحّي، يكتب بدمه نشيد النصر يروي بدمه أرض بلاده، ولكنّه مهما حدث يظلّ متفائلاً، فالنّهار يقترب، يراه يتحقّق أمامه أملا:
أسند ظهري لجدار أبي التاريخ
وأسدد طرفي عن بعد في وجه أخي المستقبل
وأقول بثقة نبي مصلوب يعلن آخر كلمة
إنّي متفائل الدّرب طويل والأهل يموتون من الجوع
والشّهداء جحافل وأنا متفائل دمي النّازف مطر
لحمي المطحون سماء وأنيني أهزوجة الغد
مرج سنابل الغد عرس سنابل.
كي يصبح الغد مرج سنابل، كي تصبح الدّنيا عرس سنابل لا بدّ من المقاومة:
إبن عشرين يقاتل
وإبن سبعين يقاتل
والّتي مات أخوها
تنسج الصّوف لمن قام مكانه.
هكذا يتحقّق النّصر ويطلع النّهار، نهار الحريّة، بالاتحاد، في عرس من المقاومة بالقتال، فالصّمت لا ينفع فالمرحلة الآن تتطلّب التّضحيات والشّعب مستعدّ لذلك:
والّتي مات فتى أحلامها خرجت تحمل بارودته
تغسل عن ارض البطولات المهانة
والّتي مات ابنها تحلم أن يطلع تينا وسنابل
علّه يطعم في معركة النّصر مقاتل.
شعب صهرته نار الاحتلال صهرته بطلا يفدي أرضه بدمه، والشّاعر متفائل بغد جميل، متفائل بانهيار السّجون وانقلاب الأمور لصالح شعبه:
آه شعبي صهرتك النار عملاقا
ستفنى هذه الدنيا ولا تفنى،
ستبني بالدّم الغالي ونيران القنابل غدك الحلو،
اسمع الجلاّد يبكي ثم ينهار
ومن كفيك كالصّابون تنهار السّلاسل.
لا بد للشّعب أن ينتصر مهما طال ليل الإحتلال والظّلم، فالشّعب مهما حاولوا خنقه والبطش به لا يفنى، وشعب عرف معنى التّضحية سيخلق النّصر حتما. و(سالم) يحترم شعبه ويجله ويعرفه حقّ المعرفة، ويقدّر تضحياته، يحترم المقاومين منه المنتظرين النّصر.
سوف أغنّي للسّنين قصّة طويلة طويلة
عن فاطمة تلك الّتي كانت تخبئ
بين نهديها الدناميت
لكي توصله عابرة في خندق الموت إلى المقاومة.
هذا هو الشعب، شعب لا يهاب الموت
بل يقتحمه لأنّه مؤمن بقضيّته العادلة
عندما يصبح الموت بالقنبلة خطرا
فوق رأس ثلاثين مليون راجل
تصبح المرحلة قدرا كلّ فرد يصير مقاتل .
إذًا نحن لا نرغب القتال،
بل نحن شعب مسالم، ولكن إذا اعتُدي علينا نقاتل.
إذا أصبح الخطر يهددنا ليل نهار فكلّنا مقاتلون، فالموت لا يخيفنا بل يصبح حافزا آخر للقتال وللتّضحية:
يا دماء أبي وأخي وابن عمي يا دماء رفاقي البواسل
أنت، بعد التراب الّذي يتنزّى أسى في السلاسل
والبيوت الّتي دمّرت والألوف الّتي هجرت
والصّفاء الّذي حرقته على النّيل نار القنابل حافز آخر كي نقاتل.
الزّعامة لشعب يقاوم ويقاتل الزّعامة لشعب تعمّد بالتّجربة فخرج منها أكثر صلابة وأشدّ بأسا، وخرج منها ثائرا لا يهاب، يعرف عدوّه، ويعرف كيف يستردّ حقّه المغتصب، لذلك يغني جبران للمقاومين وللثّوار، يغنّي لأصحاب الحقّ، ولكنّه يخجل منهم، يخجل من هؤلاء الّذين ضحّوا بأرواحهم من أجلنا، من أجل شعبهم بينما هو لا يتقن سوى فنّ الكلمة، مع أنّ الكلمة أيضا إذا جنّدت في المعركة تصبح خطيرة خطر الرّصاص والقنابل، ها هو (سالم) يرثي أحد الشّهداء دون أن يجرؤ على زيارة قبره، لأنه يخجل من تضحيته الكبيرة:
أمجّد ذكراك من غير أن ازور
ضريحك يا صانع المعجزات
لأني إذا زرته سأموت حيّا
أنا كل ما صنعته يدي كلمات.
شعره يعبق بالحيوية والرفض، شعره منحازللكادحين. قصائدهّ لهب على رؤوس الزّعماء التقليديّين الّذين باعوا القضيّة وسالم وهو يكتب عن مقاومة شعبه البطل لا ينسى أن يتغنّى بكلّ ثورة قامت على الظّلم، وبكلّ شعب ثار على المحتلّ الغاصب، فهو مع كلّ كادح يقاوم للقمة العيش وللحق والعدالة.
جبران صاحب رؤية انسانية تقدمية ملتزم بقضيّة شعبه، فهي هاجسه اليوميّ فكلّ كلمة قالها جاءت تحمل بذرة المقاومة، وكلّ قصيدة نظمها انطلقت من تجربة شعب كاملة، وما يميّزه عن الآخرين بساطته، فكلماته تصل قلب القارئ بسهولة، فهو شاعر الشّعب والبساطة، شاعر الحُبّ والمقاومة، وما ذلك إلاّ لأنّه وقف دائما وما زال إلى جانب شعبه حاثّا ومحرّضا يرسم لشعبه طريق الحريّة، ذلك الطّريق الوعر الشّائك الّذي يرى سالم نهايته القريبة الحتميّة.