المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) إبراهيم أصلان جبرتي الفقراء



رذاذ عبدالله
14 - 1 - 2012, 08:45 AM
إبراهيم أصلان جبرتي الفقراء

رحل قبل أن يرى كتابه "تمارين في الابتسام"



http://im18.gulfup.com/2012-01-14/1326516291241.jpg (http://www.gulfup.com/show/X34fp8e8z4sle)



“التجربة الجمالية في حد ذاتها هي وسيلتنا في مواجهة كل أشكال الغلظة والفظاظة والقهر الذي يعانيه الإنسان” ولأن الجمال عموما كان نادراً في حياتنا، لم يكن إبراهيم أصلان من أولئك الكُتاب الذين يغرقوننا بالغزارة، كان مخلصاً لعمله في هيئة البريد، الذي علمه الاقتصاد في اللغة، كان مخلصا، ولإنسانيته، التي دفعته ذات يوم من أيام يونيو/حزيران ،1967 أثناء عمله في سنترال رمسيس، لأن يحمل آلاف البرقيات، ويلقي بها من النافذة، في شارع الجلاء، وخرج عمال “وردية الليل” لالتقاطها من الشارع، وأحيل أصلان إلى التحقيق .

كانت البلاد في حالة هزيمة، لكن أصلان تعلم أن يصنع مسافة بينه وبين الواقع، كي يراه ويحيط به، هذه المسافة كانت كفيلة بحمايته من الانكسار، ولذا دخل عالم الكتابة من خانة “الهواية” لا “الاحتراف”، وكان ذلك هو الدرس الذي تعلمه الكاتب الراحل .

حين كان يعمل في “شركة ماركوني للتلغراف”، تعرف إلى محيي الدين محمد، أحد المثقفين اليساريين، وسأله: كيف أكون كاتباً؟ فقال له: عليك بالقراءة كما فعل الكُتاب قبلك .

ومن مكتبة محيي الدين محمد تشكلت ثقافة “أصلان”، وخلال مناقشته له في ما يقرأ تبلورت ملامح شخصيته الأدبية، فأخذ يكتب وينشر القصص، في جريدة “المساء”، عندما كان على رأس الصفحة فنان اسمه عبد الفتاح الجمل، خرج من تحت يديه كل أبناء جيل الستينات، وكان أصلان أبرزهم .

هل كان هذا الرجل الذي لم يتحصل على تعليم عال محظوظاً حين ولد وكبر في ذلك الزمن المصري، الذي كان فيه يحيى حقي على رأس مجلة “المجلة”، وصلاح عبد الصبور مديراً للنشر في الهيئة المصرية العامة للكتاب، فنشر له مجموعته القصصية الأولى “بحيرة المساء” عام 1971 وقدم لها، وكان هناك أيضا غالي شكري الذي عقد ندوة في أتيليه القاهرة، لمناقشة قصة أصلان “العازف” التي نشرت في جريدة “المساء” من دون أن يكون هناك سابق معرفة بينهما .

“كانت الحياة الأدبية في هذه الفترة محترمة إلى حد كبير في التعامل مع الأدب والأدباء وكانت الأسماء التي تشتغل بالنقد لها وزنها وتأثيرها الأدبي والثقافي” هكذا يختصر أصلان الأمر، في زمن النكسة، التي جعلت أبناء جيله يلتفون حول مشروع ثقافي، لإصدار مجلة مستقلة، أطلقوا عليها “جاليري 68” بقروشهم القليلة كانوا يدشنون جيلاً سيملأ سماء العرب بالإبداع المختلف: محمد البساطي، سيد حجاب، أصلان، جميل عطية إبراهيم، يحيى الطاهر عبدالله، أمل دنقل . كانت “جاليري 68” منحازة أكثر لفنون السرد، وكان إبراهيم أصلان آنذاك، الذي لم ينشر سوى بضع قصص في الدوريات المختلفة، موضوعاً لملف خاص عن إبداعه في أحد أعداد المجلة المنفلتة من عباءة الثقافة الرسمية . إبراهيم أصلان الذي يتوارى خلف إبداع كبير، لم يسجل في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” سوى أنه “ولد في محافظة الغربية، ونشأ وتربى في القاهرة وتحديداً في حي إمبابة والكيت كات، وقد ظل لهذين المكانين الحضور الأكبر والطاغي في كل أعماله، بداية من مجموعته القصصية الأولى “بحيرة المساء” مروراً بعمله وروايته الأشهر “مالك الحزين” حتى كتابه “حكايات فضل الله عثمان” وروايته “عصافير النيل” وكان يقطن في الكيت كات، حتى وقت قريب ثم انتقل للوراق، أما الآن فهو يقيم في المقطم” .

الرجل الذي اختار الرحيل في بدايات العام ،2012 كان يطوي خيمته، ويرحل من مكان إلى آخر، إلى أن استقر في أعلى مكان يطل على القاهرة بحواريها وأحيائها الشعبية، تلك الأحياء التي جعلت منه مؤرخاً لعذابات ناسها وأفراحهم، لهزائمهم وانتصاراتهم في “مالك الحزين” و”عصافير النيل”، و”يوسف والرداء”، و”بحيرة المساء” و”وردية ليل” رحل من هنا إلى هناك لكن إمبابة ظلت بوصلة توجه سلوكياته واختياراته، أينما ارتحل، على هذا النحو يمكن للمرء أن يفهم معنى ما كتبه مريد البرغوثي: “مات جبرتي إمبابة إبراهيم أصلان، أنا حزين” .

عندما هاج الظلاميون ضد إبراهيم أصلان، ووصفه “طبيب تحاليل” بأوصاف يأبى الذوق أن نكررها عبر صفحات كاملة من جريدة “الشعب” كان أهل إمبابة هم من يبعثون الصلابة والصمود في روح كاتبهم “أصلان” لأنه عاش بينهم، مهمشاً مثلهم، وحين كتب عنهم كتب بروح محبة، حتى وهو يعريهم، كان متعاطفا معهم، لذا حين أشعل “طبيب التحاليل” الذي ذكرناه سابقا معركة حول رواية “وليمة لأعشاب البحر” للروائي السوري حيدر حيدر، التي أصدرها أصلان في سلسلة “آفاق الكتابة” حين كان رئيساً لتحريرها، لم يتراجع عن إيمانه بأهمية الرواية وجدارتها، دافع عن اختياراته، وصمد في وجه الريح الظلامية العاتية .

كانت تلك الأزمة هي الأعنف في مسيرة أصلان، كانت أصعب من دخوله غرفة العمليات لإجراء جراحة قلب مفتوح، فقد وجد نفسه فجأة في مواجهة مجتمع لا يقرأ، في زمن كان إقصاء الكُتاب فيه هو الأسهل من “وجع الدماغ” بالقراءة والمعرفة .

خرج أصلان من رئاسة تحرير تلك السلسلة “آفاق الكتابة” بعد تلك المعركة التي هزت أركان المجتمع المصري، لكنه عاد إليها في بداية الألفية الجديدة، أكثر صلابة، بل إنه في منتصف العام خاض معركة ضد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي تصدر عنها السلسلة الوحيدة، المهتمة بإبداعات العرب، وقدم إثرها استقالته . كان موقف أصلان يستند إلى “توقعه أن يزيد التضييق على حرية التعبير في ما يتعلق بالأعمال المرشحة للنشر في السلسلة وغيرها من سلاسل النشر الحكومي، موضحا أن عمله في سلسلة “آفاق عربية” يواجه صعوبات جمة، في مقدمتها التضييق على حرية التعبير، وهو ما يسبب له قدراً كبيراً من الحرج مع كُتاب وشعراء كبار في العالم العربي، فضلاً عن أنه يدفعه لاستبعاد أعمال مهمة، ليقينه أن سلطة الرقابة داخل هيئة قصور الثقافة، سترفض نشرها” .

بعد هذا التصريح كان أصلان مشرفاً على مشروع “مكتبة الأسرة” في زمن يتعثر فيه هذا المشروع، بحثا عن تمويل في ظل غياب السيدة الأولى السابقة، التي كانت ترعاه، وحماسة منه للفكرة، واصل العمل ليلاً ونهاراً، مؤجلا إصدار أعماله الأدبية، التي انتهى من كتابتها: رواية “الصاحبان” أو “صديق قديم” كتاب “تمارين في الابتسام” وشهادة عن ثورة 25 يناير اختار لها عنواناً مؤقتاً هو “انطباعات صغيرة حول حدث كبير” .

انطباعات صغيرة، هو عنوان يعكس فضيلة التواضع، التي كان يتحرك بها أصلان في الحياة، ويكتب بها أيضا إبداعه، فقد كان يرى أنه “مؤهل للتعامل مع الحياة اليومية الرثة، فلديه شغف بالتفاصيل ومتعته أن يعمل شيئاً ما يجهله الناس” هذه وجهة نظر في الكتابة، كان أصلان يقول: “زمان كنا نظن أننا نكتب حتى نغير العالم، ظلت هذه الرغبة تتضاءل حتى أصبح الأمر يتعلق بالقاهرة الكبرى فقط، ثم انحسرت تماماً” ويقول أيضا: “أكتب بحثاً عن الونسة بيني وبين آخرين، يجمعني بهم مشترك ما، كما أنني على يقين من أن الواقع الذي يبدو رثاً مشحوناً بقيم إنسانية وجمالية وشعرية، لا ينقص الكاتب إلا أن يكون أهلا للتعبير عنها، أكتب لواحد يشجعني ويدهشني عندما أجده هناك” .

هذا هو أصلان المواطن المصري البسيط، الذي قضى 77 عاما من حياته على هذه الأرض من دون أن يمتلك شيئاً سوى روحه، حتى إنه في آخر أيامه، كان يكتب مقالات في جريدة “الأهرام” عن الكتب، التي يظل يرتبها ويضعها في صناديق للانتقال بها من شقة إلى أخرى، ضاقت الدنيا بأصلان ورحبت به آفاق الإبداع، وقيض له الله أناساً يساعدونه، فينقذه د .غالي شكري من العمل بهيئة البريد السلكية واللاسلكية، ليعمل في مكتب “الحياة” بالقاهرة، وخرجت روايته “مالك الحزين” إلى الوجود بمصادفة غريبة، فعندما علم نجيب محفوظ بظروف عمله القاسية كتب له توصية، كي يحصل على منحة تفرغ، أشار فيها إلى أن أصلان: “فنان نابه، مؤلفاته تقطع بموهبة فريدة وفذة، ومستقبل فريد، ولمثله نشأ مشروع التفرغ، وعند أمثاله يثمر” .

وكتبت د . لطيفة الزيات هي الأخرى تزكية لأصلان، وكذلك الشاعر صلاح عبد الصبور، ولم يكن كاتبنا الراحل قد كتب سوى بعض القصص القصيرة، فنشر خبراً عن كتابته رواية وكانت “مالك الحزين” التي صدرها بمقولة “ياناثانيل أوصيك بالدقة لا بالوضوح” وكان أصلان دقيقاً في حياته وكتاباته واختياراته ومواقفه .

آلجريح .،
14 - 1 - 2012, 12:06 PM
كآن مُبدعاً ..

شكراً لكِ ،

رذاذ عبدالله
14 - 1 - 2012, 09:54 PM
شاكرة ارتشافاتك الأدبية،
دمت بذات الرونق،