رذاذ عبدالله
20 - 1 - 2012, 06:19 PM
الشاعرة الكردية السورية دلشا يوسف والمكان القائم بزمنه المقموع
* القدس العربي
http://im19.gulfup.com/2012-01-20/1327069147781.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xbhbmllknnxq)
تقارب الشاعرة دلشا يوسف في ديوانها الشعري 'أجراس اللقاء' بين اليومي والذاتي والكوني، من خلال دمج مناخات مختلفة، تنتج رؤيتها الخاصة لمفاهيم شتى كالحب والعدالة والمساواة والحرية والنضال والوطن، وفق عاطفة خاصة بها، وبقولها الشعري.
فلا ريب أن للحلم المحسوس بالنسبة للشاعرة قدراته الفذة على ابتكار معان أخرى لـ 'أجراس اللقاء' التي تعني بمعنى من المعاني اللقاء بالوطن، بالحرية، بالحبيب، بلغة لا تتحالف إلا مع ألمها المكبوت، كما في قصيدة 'أجراس الوطن' التي تقول:
أيها الحلم العميق
حينما يخيب كل رجاء
أشفق حتى على العتمة
بهذا النور القاحل
على الأرض.
تتشكل قصيدة دلشا يوسف بإلتئام ذاتي وفني عبر لوحة شعرية درامية، تبني تجليات إلتحام ذاتها بحساسية العصر ومفارقاته، تستأرخها شعرياً، شاخصاً في عتمة قهرها مع خاصية الذات والمكان القائم بزمنه المقموع، مضيفاً عليها معاني أخرى من وحي واقعها الخاص وهويتها الخاصة، تلك التي أنتجت لها عقودا من الإستعباد والقهر والنفي.
لذلك تتعامل الشاعرة مع قصيدتها من خلال منظورين: جماعي عام، وذاتيّ خاص، ساعية وراء تحقيق المشروعية الموجهة للوجدان البشري في هذا العالم المصطنع الذي تتحكم فيه السياسة بالبشر، جامعة بحنينها 'صبر الحرية' الذي يدق داخله الأفق الحسي للوطن:
أيها الوطن الأول
و الأخير
ما زلتُ أكتبُ
بصبر الحرية
أجراس اللقاء.
إن شعرية هذا المقطع - من قصيدة أجراس الوطن- تتأتى من حمولة المأساة التي تفرغها الشاعرة دفعة واحدة.
على هذا النحو تُظهر لنا دلشا يوسف الشاعرة والمناضلة في سبيل الحرية لأكثر من عشرين عاماً، الجانب الأجمل من سيرتها المتمثلة في تلك
'الأجراس' المتجددة ضد الظلم وضد المنفى.
وهذا الإدراك هو ما يجعل الشعرية في هذه القصيدة تتسم بهذه السمة الخصوصية، وهي بذلك قد نجحت في ترويض وتوطيد الوشائج الحسية والشعورية بين الأشياء المتباعدة داخل 'معجمها' اليومي للحياة والوطن، بسيرة إنسانية شاملة، والإرتفاع بها إلى مستوى شعري يتجانس فيه الجزء مع الكل.
إمعاناً في هذا المعجم، سأتوقف عند قصيدة 'مرّ حزيناً'، لاستعادة الفضاء الذاكراتي لدى الشاعرة، باعتبارها من أمة مبتلاة بالحروب، ومن ثم فاستخدام الذاكرة شيء حتمي في حياتها:
معك يا حبيبي
أكتشفتُ حياتي
وأكتشفتُ معنى
العمر الضائع
لكن
كل شيء مرّ حزيناً
كأثر الحروب على الأرض.
هي حسّرة الذات العاشقة، باعتبارها إحدى نكبات الزمن الظالم ، حيث تنطوي هذه 'الحسّرة' على شيء رومانسي شفيف، تقول براءتها وصفاءها من طرف لا وعي القصيدة، التي تقرأ فعل الزمن داخل الشاعرة وخارجها:
فقاقيعُ غليان قلبي
صامتة...
كقهوةٍ في ركوة!.
فوق جمر
عشقكِ
أفورُ... أفور
أتكثفُ.. وأتكثّف!.
إنه بوح إمرأة عاشقة أضناها الانتظار، من حبيب غائب طوى قلبه ومضى إلى المجهول، لذلك تعيد الشاعرة اكتشاف المتناول وترفعه إلى حدود الرؤيا، عبر إعادة التوازن إلى حرارة القصيدة:
أركن
قربَ جمركَ
واستحيل فنجاناً
كي أفورَ إليكْ!.
إن ما يميّز الشاعرة في هذا الديوان هو هذا الحرص البالغ على الإاتصاق بحيزها النفسي والروحي والوطني والقومي والإنساني، فكثيراً ما تكافح لتنتج خصوصيتها النابعة من خصوصية التجارب الاجتماعية والتاريخية والنضالية التي عاشتها المرأة الكردية، من خلال انتقائها موضوعاتها وتطويرها للأفكار، وتعبيرها عن همومها ومسائلها وأشيائها الحميمة.
وهذا واضح في هذا المقطع من قصيدة 'أجراس اللقاء':
لو لم تنحدر
من بُرجكَ العاجي،
لما رأت عينُكَ
أبوابي الوطيئة!.
لو رميتَ سلاحك
وركعتَ قدّامي،
لما أحسستَ ببأسي!.
ولو لم تأتِني كصديق،
لما كنتَ لتراني...
لما كنتَ لتراني ...أبداً!.
تعّبر هذه القصيدة عن تجربة شعرية تمتلك خصوصيتها، وتتوفر على معرفة معمقة عن الذات الشاعرة، التي تلتقي بها حراكها ضمن لقاءٍ مرتقب، صار خلالها هذا 'اللقاء' تحدياً ضمن الرؤيا الخاصة بموقعها الوجودي، التي تعطي للذات مسارات عديدة تعيد الاعتبار للمرأة، ولقدراتها على إحداث مفهوم جديد للحب، كصيغة من صيغ التحدي للإحباط الناتج من الآخر- الرجل، بحكم حرصها الشديد على أن الحب ما زال يتقد مع الضعف، لكنه ينتصر بقوة التحدي.
وينطبق هذا على قصيدة 'إعدام الصوت' من ناحية إبراز البعد الإنساني في صراعها مع الآخر، وتعميق فهم النفس الإنسانية، التي تفيض منها الانفعالات الصادقة والمؤلمة في علاقتها الشائكة بين الأنا والآخر، وهو تعزيز لصوت المرأة بوصفها طرفاً شريكاً في بلورة صورة الإنسان وصورة العالم، في كل زمان ومكان.
وبموازاة هذه الحقيقة تحيلنا الشاعرة إلى 'هدم جدران الصمت' كمدخل لإقامة حياة أخرى:
آهٍ...
من سنوات
إعدام الصوت
على مرآى من الحنجرة
أما آن لنا
أن نهدم جدران الصمت
بالغضب المقدس
ونخرج أيدينا من قلوبنا؟!.
إستكمالاً لحلم 'أجراس اللقاء' لا تملك الشاعرة أمام ذاتها وأمام العالم، سوى قصائد ملؤها التحدي والمساواة، في مواجهة الظلم والابتعاد القسري، عبر فاعلية شديدة الخصوصية مع لحظتها التاريخية، منصتة إلى أجراس زمنها في وطنٍ مضّرجٍ بالجريمة والدماء.
*محرر في مجلة سردم العربي ومدير مكتب كردستان لمجلة 'اشراقات كردية' الصادرة في القاهرة.
* القدس العربي
http://im19.gulfup.com/2012-01-20/1327069147781.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xbhbmllknnxq)
تقارب الشاعرة دلشا يوسف في ديوانها الشعري 'أجراس اللقاء' بين اليومي والذاتي والكوني، من خلال دمج مناخات مختلفة، تنتج رؤيتها الخاصة لمفاهيم شتى كالحب والعدالة والمساواة والحرية والنضال والوطن، وفق عاطفة خاصة بها، وبقولها الشعري.
فلا ريب أن للحلم المحسوس بالنسبة للشاعرة قدراته الفذة على ابتكار معان أخرى لـ 'أجراس اللقاء' التي تعني بمعنى من المعاني اللقاء بالوطن، بالحرية، بالحبيب، بلغة لا تتحالف إلا مع ألمها المكبوت، كما في قصيدة 'أجراس الوطن' التي تقول:
أيها الحلم العميق
حينما يخيب كل رجاء
أشفق حتى على العتمة
بهذا النور القاحل
على الأرض.
تتشكل قصيدة دلشا يوسف بإلتئام ذاتي وفني عبر لوحة شعرية درامية، تبني تجليات إلتحام ذاتها بحساسية العصر ومفارقاته، تستأرخها شعرياً، شاخصاً في عتمة قهرها مع خاصية الذات والمكان القائم بزمنه المقموع، مضيفاً عليها معاني أخرى من وحي واقعها الخاص وهويتها الخاصة، تلك التي أنتجت لها عقودا من الإستعباد والقهر والنفي.
لذلك تتعامل الشاعرة مع قصيدتها من خلال منظورين: جماعي عام، وذاتيّ خاص، ساعية وراء تحقيق المشروعية الموجهة للوجدان البشري في هذا العالم المصطنع الذي تتحكم فيه السياسة بالبشر، جامعة بحنينها 'صبر الحرية' الذي يدق داخله الأفق الحسي للوطن:
أيها الوطن الأول
و الأخير
ما زلتُ أكتبُ
بصبر الحرية
أجراس اللقاء.
إن شعرية هذا المقطع - من قصيدة أجراس الوطن- تتأتى من حمولة المأساة التي تفرغها الشاعرة دفعة واحدة.
على هذا النحو تُظهر لنا دلشا يوسف الشاعرة والمناضلة في سبيل الحرية لأكثر من عشرين عاماً، الجانب الأجمل من سيرتها المتمثلة في تلك
'الأجراس' المتجددة ضد الظلم وضد المنفى.
وهذا الإدراك هو ما يجعل الشعرية في هذه القصيدة تتسم بهذه السمة الخصوصية، وهي بذلك قد نجحت في ترويض وتوطيد الوشائج الحسية والشعورية بين الأشياء المتباعدة داخل 'معجمها' اليومي للحياة والوطن، بسيرة إنسانية شاملة، والإرتفاع بها إلى مستوى شعري يتجانس فيه الجزء مع الكل.
إمعاناً في هذا المعجم، سأتوقف عند قصيدة 'مرّ حزيناً'، لاستعادة الفضاء الذاكراتي لدى الشاعرة، باعتبارها من أمة مبتلاة بالحروب، ومن ثم فاستخدام الذاكرة شيء حتمي في حياتها:
معك يا حبيبي
أكتشفتُ حياتي
وأكتشفتُ معنى
العمر الضائع
لكن
كل شيء مرّ حزيناً
كأثر الحروب على الأرض.
هي حسّرة الذات العاشقة، باعتبارها إحدى نكبات الزمن الظالم ، حيث تنطوي هذه 'الحسّرة' على شيء رومانسي شفيف، تقول براءتها وصفاءها من طرف لا وعي القصيدة، التي تقرأ فعل الزمن داخل الشاعرة وخارجها:
فقاقيعُ غليان قلبي
صامتة...
كقهوةٍ في ركوة!.
فوق جمر
عشقكِ
أفورُ... أفور
أتكثفُ.. وأتكثّف!.
إنه بوح إمرأة عاشقة أضناها الانتظار، من حبيب غائب طوى قلبه ومضى إلى المجهول، لذلك تعيد الشاعرة اكتشاف المتناول وترفعه إلى حدود الرؤيا، عبر إعادة التوازن إلى حرارة القصيدة:
أركن
قربَ جمركَ
واستحيل فنجاناً
كي أفورَ إليكْ!.
إن ما يميّز الشاعرة في هذا الديوان هو هذا الحرص البالغ على الإاتصاق بحيزها النفسي والروحي والوطني والقومي والإنساني، فكثيراً ما تكافح لتنتج خصوصيتها النابعة من خصوصية التجارب الاجتماعية والتاريخية والنضالية التي عاشتها المرأة الكردية، من خلال انتقائها موضوعاتها وتطويرها للأفكار، وتعبيرها عن همومها ومسائلها وأشيائها الحميمة.
وهذا واضح في هذا المقطع من قصيدة 'أجراس اللقاء':
لو لم تنحدر
من بُرجكَ العاجي،
لما رأت عينُكَ
أبوابي الوطيئة!.
لو رميتَ سلاحك
وركعتَ قدّامي،
لما أحسستَ ببأسي!.
ولو لم تأتِني كصديق،
لما كنتَ لتراني...
لما كنتَ لتراني ...أبداً!.
تعّبر هذه القصيدة عن تجربة شعرية تمتلك خصوصيتها، وتتوفر على معرفة معمقة عن الذات الشاعرة، التي تلتقي بها حراكها ضمن لقاءٍ مرتقب، صار خلالها هذا 'اللقاء' تحدياً ضمن الرؤيا الخاصة بموقعها الوجودي، التي تعطي للذات مسارات عديدة تعيد الاعتبار للمرأة، ولقدراتها على إحداث مفهوم جديد للحب، كصيغة من صيغ التحدي للإحباط الناتج من الآخر- الرجل، بحكم حرصها الشديد على أن الحب ما زال يتقد مع الضعف، لكنه ينتصر بقوة التحدي.
وينطبق هذا على قصيدة 'إعدام الصوت' من ناحية إبراز البعد الإنساني في صراعها مع الآخر، وتعميق فهم النفس الإنسانية، التي تفيض منها الانفعالات الصادقة والمؤلمة في علاقتها الشائكة بين الأنا والآخر، وهو تعزيز لصوت المرأة بوصفها طرفاً شريكاً في بلورة صورة الإنسان وصورة العالم، في كل زمان ومكان.
وبموازاة هذه الحقيقة تحيلنا الشاعرة إلى 'هدم جدران الصمت' كمدخل لإقامة حياة أخرى:
آهٍ...
من سنوات
إعدام الصوت
على مرآى من الحنجرة
أما آن لنا
أن نهدم جدران الصمت
بالغضب المقدس
ونخرج أيدينا من قلوبنا؟!.
إستكمالاً لحلم 'أجراس اللقاء' لا تملك الشاعرة أمام ذاتها وأمام العالم، سوى قصائد ملؤها التحدي والمساواة، في مواجهة الظلم والابتعاد القسري، عبر فاعلية شديدة الخصوصية مع لحظتها التاريخية، منصتة إلى أجراس زمنها في وطنٍ مضّرجٍ بالجريمة والدماء.
*محرر في مجلة سردم العربي ومدير مكتب كردستان لمجلة 'اشراقات كردية' الصادرة في القاهرة.