رذاذ عبدالله
16 - 2 - 2012, 03:36 PM
الشاعرة البولندية حاملة 'نوبل' فيسلافا شيمبورسكا : الرحيل بهدوء تام!
* القدس العربي
توفيت الشاعرة البولندية فيسلافا شيمبورسكا الحائزة جائزة نوبل للاداب العام 1996 مساء الاربعاء 1 فبراير 2012 عن 88 عاما على ما اعلن مساعدها ميشال روسينيك.وقال روسينيك لوكالة الانباء البولندية 'باب' ان الشاعرة توفيت في منزلها في كراكوفا 'بهدوء خلال نومها'.
ولدت شيمبورسكا في الثاني من تموز/يوليو 1923 في منطقة بوزنان (غرب بولندا) وتابعت دروسها في كلية الاداب وعلم الاجتماع في جامعة كراكوفا. وقد عاشت طوال حياتها في هذه المدينة التاريخية الواقعة في جنوب بولندا.
وقد وضعت شيمبورسكا حوالى عشرين ديواناً شعرياً،وتتميز أعمالها بنظرة فلسفية اخلاقية،وقد ترجمت شيمبورسكا كذلك اشعاراً ولا سيما الشعر الفرنسي الكلاسيكي.وقد تناولت أعمالها موضوعين أساسيين هما الحرب والإرهاب ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء رغم أنها صرحت في قصيدة لها بعنوان 'شيء مثل الشعر' أن إثنين من كل ألف شخص يهتمان فعلياً بالفنون.وشيبمورسكا هي المرأة التاسعة في تاريخ الجائزة، وثالث سيدة تفوز بها في التسعينيات،كما أنها الرابع الذي يفوز بالجائزة في بولندا بعد (هنريك سنكفيتش) عام 1905، ثم الروائي (فلاديسلاف ريمونت) عام 1924،ثم الشاعر (شيزلاف ميلوش) عام 1980 الذي نال الجنسية الأمريكية، والذي اكتسب شهرته من انتقاداته الخفيفة لسياسة بلاده الشيوعية سابقاً ، وهي نفس النقطة التي تم التركيز عليها عند منح الجائزة الى شيمبورسكا ، حيث جاءت التعليقات في حينه أن جائزة نوبل لا تزال تمنح إذن للمنشقين بدرجاتهم المختلفة كنوع من المكافآة على مواقفهم المناصرة للغرب ، والغرب لا ينسى أبداً أنه كانت هناك قوة أيدلوجية ضاربة تنافس وتجابه : ولذا من المهم مناصرة من جابهوا هذه القوة .
وقد ولدت الشاعرة والأديبة (فيسلافا شيمبورسكا) في الثاني من يوليو عام 1923 في (كورنيك) القريبة من ( بوزنان) في بولونيا،وخلال الحرب العالمية الثانية،بعد احتلال ألمانيا بولندا،تلقت تعليمها في فصول غير رسمية،ومنذ عام 1931،انتقلت للعيش في ' كراكوفي 'حيث درست الأدب البولندي وعلم الاجتماع في جامعة ' جاغلون ' في الفترة بين 1945 و 1948،وبدأت أول تجربة شعرية لها في مارس 1945 ونشرتها في الملحق الاسبوعي الذي يصدر مع الجريدة اليومية ' جينيك بولسكي '،وكانت أبياتها تحمل عنوان ' شوكام سلوفا ' أو ( أنا أبحث عن الكلمة ).. وبعد مضي ثلاثة أعوام على هذه التجربة،أنهت ( فيسلافا)مجموعتها الشعرية الأولى،ولكن الديوان لم يصدر نتيجة اعتراض السلطات الشيوعية عليه واعتباره ذا طابع بورجوازي معقد،فعادت ( فيسلافا ) الى عملها السابق،ودأبت على نشر أشعارها في الجرائد والمجلات .
وبدأت مرة أخرى في نظم مجموعات شعرية جديدة حيث نشرت عام 1952 مجموعة بعنوان ' لهذا نحن نعيش' ، وفي عام 1954 نشرت مجموعة بعنوان ' أسئلة مطروحة على الذات ' ،وهي مجموعات حاولت الشاعرة من خلالها التأقلم مع المناخ الواقعي الاجتماعي إلا أنها قد عادت فيما بعد وتبرأت من هذين العملين وذلك حسب بيان لجنة الأكاديمية السويدية في حيثيات منحها جائزة نوبل للأداب للعام 1996،كما نُشرت لها العديد من المقالات الأدبية لأول مرة في مجلة ' زيتشي ليتراشيا ' الأسبوعية الحياة الأدبية،التي عملت بها في الفترة من 1953 حتى 1981 تحت عنوان ' قراءة غير إلزامية،كان هدفها نقد المؤلفات والكتب والأعمال الأدبية المتنوعة،وقد قامت ( فيسلافا ) بترجمة بعض الأعمال الشعرية خاصة الشعر الباروكي الفرنسي،وفي الثمانينيات شاركت في إصدار المطبوعة البولندية ' ساميجات ' نتخذة لنفسها اسماً مستعاراً هو ' ستانزيكوفنا '، وكانت هذه المطبوعة عبارة عن مجلة تُحرر في المنفى وتصدر في باريس ، ومن الواضح أن أشعارها المكتوبة بالخمسينيات كانت تنتمي الى الواقعية الاشتراكية .
وقد توقفت ' فيسلافا ' عن كتابة الشعر لفترة عقب وفاة 'ستالين ' عام 1951 وعقد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ، واتجهت الى كتابة النقد والمقالات الفلسفية وبدأت في الاهتمام بالميتافيزيقا ، وبدت كم هي متأثرة بدراستها عن ديكارت ، وباسكال ، ومونتيني ، وملارميه ، والشاعران بول فاليري وريلكه، واهتمت في كتابتها بابتداع مصطلحات جديدة بدأت تجد طريقها الى لغة النقد الأدبي مثل ' ضد التاريخ ' و ' ضد المعرفة ' و ' ضد الخلاعة ' ، ثم عادت الكاتبة الى الشعر عندما كتبت ملاحم صغيرة تدور أحداثها في بلاد خيالية متحفظة وذات رؤى طوبوية.
وفي عام 1975 واجهت 'فيسلافا شيمبورسكا ' أول معارضة من الرقيب السياسي عندما نشرت ديوانها ' نداء الى يتى ' والذي تُرجم الى العديد من اللغات في العالم ، ويتفق النقاد الذين تابعوا أعمال الشاعرة أن إبداعها يتسم باستقلالية الروح، ويبتعد عن ممارسة السياسة بشكل مباشر، وإن كان هذا لم يمنع من أن تكن من المعارضين للشيوعية ، حيث أنها كانت عضواً في حركة ' Kor ' وهو اختصار لاسم ' منظمة المفكرين المعارضين ' وهي المنظمة التي أيدت بقوة نقابة التضامن وساعدت في ميلادها عام 1980.
وأما عن خصائص تجربتها الشعرية،فقد عُرفت ( فيسلافا) بشعرها السلس الذي تسهل ترجمته الى العديد من اللغات الأوروبية،والى العربية واليابانية والصينية والعبرية،ونجحت (فيسلافا) على الدوام في تجسيد حب الشعر ولإخلاص له ، وأما أعمالها الابداعية الأخيرة فقد أخذت وجهة شخصية بعيدة عن السياسة .
وتمتاز شيمبورسكا بحساسية عالية تجاه العلاقات الانسانية المختلفة ( علاقة الانسان بنفسه ، علاقة الانسان بالانسان، علاقته بالظواهر والكائنات والتاريخ ) وكما يرى المترجم فهد حسين العبود في قصائد مترجمة لفيسوافا شيمبورسكا نشرها في العدد 117 من مجلة الأداب الأجنبية فإن شيمبورسكا مراقبة بارعة تبهرها التفاصيل والدقائق فتغوص خلفها الى أبعد الحدود مستخدمة لذلك لغة تمتاز بالبساطة ولكنها محسوبة بشكل دقيق جداً بحيث أن تغيير بسيط يمكن أن يؤدي الى تشويه الغاية التي ترمي إليها القصيدة ، ويطلق النقاد على ( شيمبورسكا ) تسمية ' موتسارت الشعر ' وذلك كما جاء في حيثيات منحها الجائزة ، وكانت الأكاديمية السويدية قد قالت في بيانها عن فوز ( شيمبورسكا ) بجائزة نوبل أن :( شعرها يمزج المضمون التاريخي مع الواقع الإنساني، وأن ترجمة هذا الشعر تنطوي على صعوبة بالغة لما يحويه من تنوع الأسلوب ). وقالت الأكاديمية التي تضم عمالقة الأدب السويدي وتقدم الجائزة سنوياً أن ترجمة دواوينها الشعرية كانت صعبة للغاية بسبب تنوع أسلوبها ، وأضافت الأكاديمية بأنها وصفت بأنها : موتسارت الشعر ولا يحيد ذلك عن الحقيقة نظراً لثراء مخيلتها والسهولة الحقيقية التي تتدفق بها كلماتها ، ولكن في عملها الخلاَّق أيضاً شيء من غضب بيتهوفن ، وأن شعرها محكم وذا مسحة ساخرة يجعل المضمون التاريخي والبيولوجي يخرج الى الضوء في شذرات من الواقع الانساني .وقالت الأكاديمية أنها اختارت (شيمبورسكا): لشعرها الذي يكشف في سياق تاريخي وبسخرية دقيقة الحقيقة الانسانية المشتتة ).وأضافت الأكاديمية أن هذه الشاعرة البولندية تتوجه الى القارىء جامعة ، بطريقة مدهشة ، الروح والغنى الابداعي ومعرفة الغير .
وقالت كلير كافانا وهي واحدة من المترجمين القلائل الذين ترجموا أعمال الشاعرة للإنجليزية أنها تحت هذا المظهر المتواضع شاعرة عظيمة، ها لمسة خاصة خفيفة وساحرة . وقالت كافانا من جامعة ويسكونسن في ماديسون التي تحاضر بها أنها مزيج فريد لأنها فيلسوفة عظيمة ولكنها من ناحية أخرى تتمتع بشعبية كبيرة في بولندا.
وترصد ( شيمبورسكا ) في قصائدها معالم القهر وسطوته على الإنسان ، وكل ما يُهدِّد الكرامة الانسانية، وكثير من قصائدها المترجمة الى العربية تدور حول الموت بشتى معانيه ، وفي كتاب صدر بالعربية عن الشاعرة إثر فوزها بالجائزة بعنوان ' فيسلافا شيمبورسكا ..شاعرة نوبل 1996 ' ،صدر الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة وتضمن ترجمة لقصائد شاعرة نوبل اختارها هناء عطية الذي درس الاخراج في بولندا من بين سبعة دواوين للشاعرة ، يقدم للكتاب الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي قال عن شعر ( شيمبورسكا ) : ( هو الرحيق المصفى من تجربة عميقة وصمت طويل، إنه شعر امرأة تتعاقب عليها الظروف والأحداث وهي في مكانها تتأمل ما حدث وما يحدث )، ويضيف حجازي أن ( شعرها يقف على ضفة حياة تتدفق أمواجها بسرعة فلا تستطيع أن تمسك بها أو أن تغل يديها منها ، شعرها يشبه أفلام شارلي شابلن ، يبدأ بالبسمة وينتهي بالدموع ) .وأما عن رأيها بالشعر البولندي عموماً فهي ترى أن القاسم المشترك للشعر البولندي هو صلته بالواقعية، ففي الشعر الرومانسي، كان الشاعر يبدو وكأنه السيد المطلق للعالم، كان فوق العالم وقادراً على أن يملي الأوامر ، ويوجه الناس نحو قوانينه المطلقة، وخياله هو السائد ، بينما اليوم يقيم الشعر البولندي أكثر من صلة بالواقع وتبدو الواقعية هي السائدة .
وفيسلافا يعرفها القُّراء العرب أكثر من سواها،فقد ترجموها قبل فوزها في مصر وبيروت والعراق، وكان من أبرز أعمالها ديوان ( الملح ) عام 1962، ولها تسع مجموعات نالت عنها إعجاب القراء في كل مكان ، وفي ديوانها المتميز (مليون ضحكة) عام 1967 ثراء فلسفي ومخيلة لا حدود لها، وبعد فوزها تكرر طبع قصائدها عشرات المرات بسبب حوارها الذي قالت فيه:المنفى ليس خارج الحدود ، إنه هنا في داخل النفس،وهو ما تؤكده قصائدها في أكثر من مكان، لكنها برغم ذاك الثراء وتلك المخيلة تتمتع بالبساطة والمفردات الغنائية،وكلماتها رقيقة متموجة هادئة كما لو أنها سوف تنكسر حين تنطقها .
وأما دواوينها الشعرية فهي على النحو التالي : لهذا نحيا 1952،تساؤلات تراود الخاطر 1954 ، نداء الى ييتا 1957 ،الملح 1962،مائة سلوى 1967، كل الأحوال 1972، الرقم الكبير 1976، أناس على الجسر 1986، النهاية والبداية 1993.
وأما عن توجهاتها السياسية فهي مثل العديد من مواطنيها - بولنديي الأصل - تمكنت من تحرير نفسها من أوهام الشيوعية.وقد عبرت الشاعرة عن آرائها في كتابتها النثرية أكثر من أشعارها حيث كانت تكتب مقالاً شهرياً في جريدة ' فيبروسكا ' التي يصدرها المثقفون المناهضون للشيوعية واليسار.
وأما عن حياتها الخاصة فلقد تزوجت مرتين ثم أصبحت أرملة، وتعيش في ' كراكو '، والمعروف عنها أنها كانت دائماً تتجنب التجمعات واللقاءات الأدبية،حتى بعد فوزها بجائزة نوبل،وهي التي أيقنت يوم فوزها أنها فقدت حريتها في العزلة والتأمل،وقد بقيت بعيدة عن السياسة وكانت من المثقفين البولنديين الذين يعتبرون ان البعد الروحي للحياة يأتي قبل كل شيء، وربما كانت من القلة التي تخاف الشهرة،حالها يشبه حال(صموئيل بيكيت) و (هرمان هسّه) في السلوك اليومي واعتزال الوجاهة والصحافة أو الدخول في جوقة الأضواء المريبة والخادعة،ومما يروى عنها في هذا الصدد أنهم حينما أخبروها بفوزها في الجائزة ظهراً وهي على مائدة الطعام،فما كان منها غير أن قالت لهم: رجاءً اتركوني أعيش في هدوء !
وليست نوبل هي أول جائزة أدبية تحصل عليها الكاتبة،فقد سبق أن حصلت على جائزة جوته من مدينة فرانكفورت عام 1991 وعلى جائزة ' هرور ' النمساوية،فقد كتب عنها في كتاب الشعر البولندي المعاصر إنها صاحبة رؤية فلسفية في قصائدها.وأما عن الجوائز التي حصلت عليها فهي تقول إنها تمارس بها طفولتها، وهي تلقي عليه نظرة، ثم وهي تعرضها أمام ضيوفها .
المراجع :
1. جريدة الدستور، صفحة المرأة، : مقال بعنوان ( 29 امرأة حصلن على جائزة نوبل حتى الآن ) ، ص20 ، 18 شباط 2000 ، إعداد مها الشريف.
2. مجلة زهرة الخليج ، العدد 1086، 15 يناير 2000، ص5657 ، إعداد أمل أمين و حزامة حبايب .
3. موسوعة جائزة نوبل في القرن العشرين ( 1901-2000) ، محمود قاسم ، دار ومطابع المستقبل بالفجالة والاسكندرية ومكتبة المعارف ببيروت، ص 523-525.
4. مجلة الأداب الأجنبية ، العدد 117 شتاء 2004، قصائد فيسوافا شيمبورسكا ترجمة فهد حسين العبود .
5. جريدة الرأي ، نوافذ ومحطات، الاثنين 3/3/1997، ص 26، كتاب بالعربية عن الفائزة بجائزة نوبل للآداب 96: فيسلافا شيمبورسكا ترصد ' القهر ' وسطوته على الإنسان.
6. جريدة الرأي، نوافذ ومحطات، الأحد 6/10/1996، ص 30، وصفتها الأكاديمية السويدية ب ' موتسارت ' الشعر : حائزة نوبل فيسلافا شيمبورسكا : خجولة وفيها شيء من غضب بيهوفن.
7. الرأي الثقافي ، الجمعة 11/10/1996، ص 13 ، فيسلافا شيمبورسكا: ثلاث قصائد، ترجمة : عماد غانم.
8. الرأي ، الجمعة 4/10/1996، ص 11 ، شعرها يكشف الحقيقة الانسانية المشتتة : جائزة نوبل للأداب للشاعرة البولندية فيسلافا سزيمبورسكا .
9. الرأي الثقافي ، الجمعة ، 21/2/1997، في حديث عن الشعر والسياسة ومباهج الشهرة غير المتوقعة، الفائزة بجائزة نوبل فيسلافا شيمبورسكا : انقلبت حياتي رأساً على عقب.: ترجمة : علي عبد الأمير.
* القدس العربي
توفيت الشاعرة البولندية فيسلافا شيمبورسكا الحائزة جائزة نوبل للاداب العام 1996 مساء الاربعاء 1 فبراير 2012 عن 88 عاما على ما اعلن مساعدها ميشال روسينيك.وقال روسينيك لوكالة الانباء البولندية 'باب' ان الشاعرة توفيت في منزلها في كراكوفا 'بهدوء خلال نومها'.
ولدت شيمبورسكا في الثاني من تموز/يوليو 1923 في منطقة بوزنان (غرب بولندا) وتابعت دروسها في كلية الاداب وعلم الاجتماع في جامعة كراكوفا. وقد عاشت طوال حياتها في هذه المدينة التاريخية الواقعة في جنوب بولندا.
وقد وضعت شيمبورسكا حوالى عشرين ديواناً شعرياً،وتتميز أعمالها بنظرة فلسفية اخلاقية،وقد ترجمت شيمبورسكا كذلك اشعاراً ولا سيما الشعر الفرنسي الكلاسيكي.وقد تناولت أعمالها موضوعين أساسيين هما الحرب والإرهاب ونافست مبيعات أعمالها في بولندا أهم الأدباء رغم أنها صرحت في قصيدة لها بعنوان 'شيء مثل الشعر' أن إثنين من كل ألف شخص يهتمان فعلياً بالفنون.وشيبمورسكا هي المرأة التاسعة في تاريخ الجائزة، وثالث سيدة تفوز بها في التسعينيات،كما أنها الرابع الذي يفوز بالجائزة في بولندا بعد (هنريك سنكفيتش) عام 1905، ثم الروائي (فلاديسلاف ريمونت) عام 1924،ثم الشاعر (شيزلاف ميلوش) عام 1980 الذي نال الجنسية الأمريكية، والذي اكتسب شهرته من انتقاداته الخفيفة لسياسة بلاده الشيوعية سابقاً ، وهي نفس النقطة التي تم التركيز عليها عند منح الجائزة الى شيمبورسكا ، حيث جاءت التعليقات في حينه أن جائزة نوبل لا تزال تمنح إذن للمنشقين بدرجاتهم المختلفة كنوع من المكافآة على مواقفهم المناصرة للغرب ، والغرب لا ينسى أبداً أنه كانت هناك قوة أيدلوجية ضاربة تنافس وتجابه : ولذا من المهم مناصرة من جابهوا هذه القوة .
وقد ولدت الشاعرة والأديبة (فيسلافا شيمبورسكا) في الثاني من يوليو عام 1923 في (كورنيك) القريبة من ( بوزنان) في بولونيا،وخلال الحرب العالمية الثانية،بعد احتلال ألمانيا بولندا،تلقت تعليمها في فصول غير رسمية،ومنذ عام 1931،انتقلت للعيش في ' كراكوفي 'حيث درست الأدب البولندي وعلم الاجتماع في جامعة ' جاغلون ' في الفترة بين 1945 و 1948،وبدأت أول تجربة شعرية لها في مارس 1945 ونشرتها في الملحق الاسبوعي الذي يصدر مع الجريدة اليومية ' جينيك بولسكي '،وكانت أبياتها تحمل عنوان ' شوكام سلوفا ' أو ( أنا أبحث عن الكلمة ).. وبعد مضي ثلاثة أعوام على هذه التجربة،أنهت ( فيسلافا)مجموعتها الشعرية الأولى،ولكن الديوان لم يصدر نتيجة اعتراض السلطات الشيوعية عليه واعتباره ذا طابع بورجوازي معقد،فعادت ( فيسلافا ) الى عملها السابق،ودأبت على نشر أشعارها في الجرائد والمجلات .
وبدأت مرة أخرى في نظم مجموعات شعرية جديدة حيث نشرت عام 1952 مجموعة بعنوان ' لهذا نحن نعيش' ، وفي عام 1954 نشرت مجموعة بعنوان ' أسئلة مطروحة على الذات ' ،وهي مجموعات حاولت الشاعرة من خلالها التأقلم مع المناخ الواقعي الاجتماعي إلا أنها قد عادت فيما بعد وتبرأت من هذين العملين وذلك حسب بيان لجنة الأكاديمية السويدية في حيثيات منحها جائزة نوبل للأداب للعام 1996،كما نُشرت لها العديد من المقالات الأدبية لأول مرة في مجلة ' زيتشي ليتراشيا ' الأسبوعية الحياة الأدبية،التي عملت بها في الفترة من 1953 حتى 1981 تحت عنوان ' قراءة غير إلزامية،كان هدفها نقد المؤلفات والكتب والأعمال الأدبية المتنوعة،وقد قامت ( فيسلافا ) بترجمة بعض الأعمال الشعرية خاصة الشعر الباروكي الفرنسي،وفي الثمانينيات شاركت في إصدار المطبوعة البولندية ' ساميجات ' نتخذة لنفسها اسماً مستعاراً هو ' ستانزيكوفنا '، وكانت هذه المطبوعة عبارة عن مجلة تُحرر في المنفى وتصدر في باريس ، ومن الواضح أن أشعارها المكتوبة بالخمسينيات كانت تنتمي الى الواقعية الاشتراكية .
وقد توقفت ' فيسلافا ' عن كتابة الشعر لفترة عقب وفاة 'ستالين ' عام 1951 وعقد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي ، واتجهت الى كتابة النقد والمقالات الفلسفية وبدأت في الاهتمام بالميتافيزيقا ، وبدت كم هي متأثرة بدراستها عن ديكارت ، وباسكال ، ومونتيني ، وملارميه ، والشاعران بول فاليري وريلكه، واهتمت في كتابتها بابتداع مصطلحات جديدة بدأت تجد طريقها الى لغة النقد الأدبي مثل ' ضد التاريخ ' و ' ضد المعرفة ' و ' ضد الخلاعة ' ، ثم عادت الكاتبة الى الشعر عندما كتبت ملاحم صغيرة تدور أحداثها في بلاد خيالية متحفظة وذات رؤى طوبوية.
وفي عام 1975 واجهت 'فيسلافا شيمبورسكا ' أول معارضة من الرقيب السياسي عندما نشرت ديوانها ' نداء الى يتى ' والذي تُرجم الى العديد من اللغات في العالم ، ويتفق النقاد الذين تابعوا أعمال الشاعرة أن إبداعها يتسم باستقلالية الروح، ويبتعد عن ممارسة السياسة بشكل مباشر، وإن كان هذا لم يمنع من أن تكن من المعارضين للشيوعية ، حيث أنها كانت عضواً في حركة ' Kor ' وهو اختصار لاسم ' منظمة المفكرين المعارضين ' وهي المنظمة التي أيدت بقوة نقابة التضامن وساعدت في ميلادها عام 1980.
وأما عن خصائص تجربتها الشعرية،فقد عُرفت ( فيسلافا) بشعرها السلس الذي تسهل ترجمته الى العديد من اللغات الأوروبية،والى العربية واليابانية والصينية والعبرية،ونجحت (فيسلافا) على الدوام في تجسيد حب الشعر ولإخلاص له ، وأما أعمالها الابداعية الأخيرة فقد أخذت وجهة شخصية بعيدة عن السياسة .
وتمتاز شيمبورسكا بحساسية عالية تجاه العلاقات الانسانية المختلفة ( علاقة الانسان بنفسه ، علاقة الانسان بالانسان، علاقته بالظواهر والكائنات والتاريخ ) وكما يرى المترجم فهد حسين العبود في قصائد مترجمة لفيسوافا شيمبورسكا نشرها في العدد 117 من مجلة الأداب الأجنبية فإن شيمبورسكا مراقبة بارعة تبهرها التفاصيل والدقائق فتغوص خلفها الى أبعد الحدود مستخدمة لذلك لغة تمتاز بالبساطة ولكنها محسوبة بشكل دقيق جداً بحيث أن تغيير بسيط يمكن أن يؤدي الى تشويه الغاية التي ترمي إليها القصيدة ، ويطلق النقاد على ( شيمبورسكا ) تسمية ' موتسارت الشعر ' وذلك كما جاء في حيثيات منحها الجائزة ، وكانت الأكاديمية السويدية قد قالت في بيانها عن فوز ( شيمبورسكا ) بجائزة نوبل أن :( شعرها يمزج المضمون التاريخي مع الواقع الإنساني، وأن ترجمة هذا الشعر تنطوي على صعوبة بالغة لما يحويه من تنوع الأسلوب ). وقالت الأكاديمية التي تضم عمالقة الأدب السويدي وتقدم الجائزة سنوياً أن ترجمة دواوينها الشعرية كانت صعبة للغاية بسبب تنوع أسلوبها ، وأضافت الأكاديمية بأنها وصفت بأنها : موتسارت الشعر ولا يحيد ذلك عن الحقيقة نظراً لثراء مخيلتها والسهولة الحقيقية التي تتدفق بها كلماتها ، ولكن في عملها الخلاَّق أيضاً شيء من غضب بيتهوفن ، وأن شعرها محكم وذا مسحة ساخرة يجعل المضمون التاريخي والبيولوجي يخرج الى الضوء في شذرات من الواقع الانساني .وقالت الأكاديمية أنها اختارت (شيمبورسكا): لشعرها الذي يكشف في سياق تاريخي وبسخرية دقيقة الحقيقة الانسانية المشتتة ).وأضافت الأكاديمية أن هذه الشاعرة البولندية تتوجه الى القارىء جامعة ، بطريقة مدهشة ، الروح والغنى الابداعي ومعرفة الغير .
وقالت كلير كافانا وهي واحدة من المترجمين القلائل الذين ترجموا أعمال الشاعرة للإنجليزية أنها تحت هذا المظهر المتواضع شاعرة عظيمة، ها لمسة خاصة خفيفة وساحرة . وقالت كافانا من جامعة ويسكونسن في ماديسون التي تحاضر بها أنها مزيج فريد لأنها فيلسوفة عظيمة ولكنها من ناحية أخرى تتمتع بشعبية كبيرة في بولندا.
وترصد ( شيمبورسكا ) في قصائدها معالم القهر وسطوته على الإنسان ، وكل ما يُهدِّد الكرامة الانسانية، وكثير من قصائدها المترجمة الى العربية تدور حول الموت بشتى معانيه ، وفي كتاب صدر بالعربية عن الشاعرة إثر فوزها بالجائزة بعنوان ' فيسلافا شيمبورسكا ..شاعرة نوبل 1996 ' ،صدر الكتاب عن المجلس الأعلى للثقافة وتضمن ترجمة لقصائد شاعرة نوبل اختارها هناء عطية الذي درس الاخراج في بولندا من بين سبعة دواوين للشاعرة ، يقدم للكتاب الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي الذي قال عن شعر ( شيمبورسكا ) : ( هو الرحيق المصفى من تجربة عميقة وصمت طويل، إنه شعر امرأة تتعاقب عليها الظروف والأحداث وهي في مكانها تتأمل ما حدث وما يحدث )، ويضيف حجازي أن ( شعرها يقف على ضفة حياة تتدفق أمواجها بسرعة فلا تستطيع أن تمسك بها أو أن تغل يديها منها ، شعرها يشبه أفلام شارلي شابلن ، يبدأ بالبسمة وينتهي بالدموع ) .وأما عن رأيها بالشعر البولندي عموماً فهي ترى أن القاسم المشترك للشعر البولندي هو صلته بالواقعية، ففي الشعر الرومانسي، كان الشاعر يبدو وكأنه السيد المطلق للعالم، كان فوق العالم وقادراً على أن يملي الأوامر ، ويوجه الناس نحو قوانينه المطلقة، وخياله هو السائد ، بينما اليوم يقيم الشعر البولندي أكثر من صلة بالواقع وتبدو الواقعية هي السائدة .
وفيسلافا يعرفها القُّراء العرب أكثر من سواها،فقد ترجموها قبل فوزها في مصر وبيروت والعراق، وكان من أبرز أعمالها ديوان ( الملح ) عام 1962، ولها تسع مجموعات نالت عنها إعجاب القراء في كل مكان ، وفي ديوانها المتميز (مليون ضحكة) عام 1967 ثراء فلسفي ومخيلة لا حدود لها، وبعد فوزها تكرر طبع قصائدها عشرات المرات بسبب حوارها الذي قالت فيه:المنفى ليس خارج الحدود ، إنه هنا في داخل النفس،وهو ما تؤكده قصائدها في أكثر من مكان، لكنها برغم ذاك الثراء وتلك المخيلة تتمتع بالبساطة والمفردات الغنائية،وكلماتها رقيقة متموجة هادئة كما لو أنها سوف تنكسر حين تنطقها .
وأما دواوينها الشعرية فهي على النحو التالي : لهذا نحيا 1952،تساؤلات تراود الخاطر 1954 ، نداء الى ييتا 1957 ،الملح 1962،مائة سلوى 1967، كل الأحوال 1972، الرقم الكبير 1976، أناس على الجسر 1986، النهاية والبداية 1993.
وأما عن توجهاتها السياسية فهي مثل العديد من مواطنيها - بولنديي الأصل - تمكنت من تحرير نفسها من أوهام الشيوعية.وقد عبرت الشاعرة عن آرائها في كتابتها النثرية أكثر من أشعارها حيث كانت تكتب مقالاً شهرياً في جريدة ' فيبروسكا ' التي يصدرها المثقفون المناهضون للشيوعية واليسار.
وأما عن حياتها الخاصة فلقد تزوجت مرتين ثم أصبحت أرملة، وتعيش في ' كراكو '، والمعروف عنها أنها كانت دائماً تتجنب التجمعات واللقاءات الأدبية،حتى بعد فوزها بجائزة نوبل،وهي التي أيقنت يوم فوزها أنها فقدت حريتها في العزلة والتأمل،وقد بقيت بعيدة عن السياسة وكانت من المثقفين البولنديين الذين يعتبرون ان البعد الروحي للحياة يأتي قبل كل شيء، وربما كانت من القلة التي تخاف الشهرة،حالها يشبه حال(صموئيل بيكيت) و (هرمان هسّه) في السلوك اليومي واعتزال الوجاهة والصحافة أو الدخول في جوقة الأضواء المريبة والخادعة،ومما يروى عنها في هذا الصدد أنهم حينما أخبروها بفوزها في الجائزة ظهراً وهي على مائدة الطعام،فما كان منها غير أن قالت لهم: رجاءً اتركوني أعيش في هدوء !
وليست نوبل هي أول جائزة أدبية تحصل عليها الكاتبة،فقد سبق أن حصلت على جائزة جوته من مدينة فرانكفورت عام 1991 وعلى جائزة ' هرور ' النمساوية،فقد كتب عنها في كتاب الشعر البولندي المعاصر إنها صاحبة رؤية فلسفية في قصائدها.وأما عن الجوائز التي حصلت عليها فهي تقول إنها تمارس بها طفولتها، وهي تلقي عليه نظرة، ثم وهي تعرضها أمام ضيوفها .
المراجع :
1. جريدة الدستور، صفحة المرأة، : مقال بعنوان ( 29 امرأة حصلن على جائزة نوبل حتى الآن ) ، ص20 ، 18 شباط 2000 ، إعداد مها الشريف.
2. مجلة زهرة الخليج ، العدد 1086، 15 يناير 2000، ص5657 ، إعداد أمل أمين و حزامة حبايب .
3. موسوعة جائزة نوبل في القرن العشرين ( 1901-2000) ، محمود قاسم ، دار ومطابع المستقبل بالفجالة والاسكندرية ومكتبة المعارف ببيروت، ص 523-525.
4. مجلة الأداب الأجنبية ، العدد 117 شتاء 2004، قصائد فيسوافا شيمبورسكا ترجمة فهد حسين العبود .
5. جريدة الرأي ، نوافذ ومحطات، الاثنين 3/3/1997، ص 26، كتاب بالعربية عن الفائزة بجائزة نوبل للآداب 96: فيسلافا شيمبورسكا ترصد ' القهر ' وسطوته على الإنسان.
6. جريدة الرأي، نوافذ ومحطات، الأحد 6/10/1996، ص 30، وصفتها الأكاديمية السويدية ب ' موتسارت ' الشعر : حائزة نوبل فيسلافا شيمبورسكا : خجولة وفيها شيء من غضب بيهوفن.
7. الرأي الثقافي ، الجمعة 11/10/1996، ص 13 ، فيسلافا شيمبورسكا: ثلاث قصائد، ترجمة : عماد غانم.
8. الرأي ، الجمعة 4/10/1996، ص 11 ، شعرها يكشف الحقيقة الانسانية المشتتة : جائزة نوبل للأداب للشاعرة البولندية فيسلافا سزيمبورسكا .
9. الرأي الثقافي ، الجمعة ، 21/2/1997، في حديث عن الشعر والسياسة ومباهج الشهرة غير المتوقعة، الفائزة بجائزة نوبل فيسلافا شيمبورسكا : انقلبت حياتي رأساً على عقب.: ترجمة : علي عبد الأمير.