المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الإماراتي احمد راشد ثاني قبيل رحيله: أحب السفر إلى أماكن لا أعرف فيها أحدا



رذاذ عبدالله
3 - 3 - 2012, 09:05 PM
الشاعر الإماراتي احمد راشد ثاني قبيل رحيله: أحب السفر إلى أماكن لا أعرف فيها أحدا

* القدس العربي



http://im25.gulfup.com/2012-03-03/1330794319101.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xcdhzkw4mabq)




يعد الشاعر والباحث الإماراتي احمد راشد ثاني الذي غيبه الموت ظهر الإثنين الموافق 20 شباط/فبراير ،2012، أحد أهم رموز الكتابة الشعرية في الإمارات والخليج العربي.

ولد في مدينة خورفكان عام 1962 بإمارة الشارقة. بدأ صوته الشعري يزهو على الساحة الإماراتية وهو لم يتجاوز العشرين من عمره بعد، كتب قصيدة التفعيلة ثم انتقل لقصيدة النثر، كما كتب الشعر الشعبي والنصوص المسرحية ثم تفرغ للبحث الميداني والمسح الشعبي الثقافي.

صدر له: سبع قصائد عام 1981، هذا كل ما لدي عام 1988، حيث الكل عام 1995، القصص الشعبية، حصاة الصبر 15 حكاية من الإمارات عام 2002، إلعب.. وقول الستر عام 2002، يأتي الليل وياخذني عام 2007، كما صدر له 'عن ابن ظاهر' الذي فاز بجائزة العويس، وكان من خلال انضمامه إلى مسرح خورفكان الشعبي في عام 1979 كتب 'الأرض بتتكلم الاردو' والتي شاركت في مهرجانات عدة، وكذلك كتب مسرحية 'العب وقول الستر'، ومسرحية 'قفص مدغشقر' كلاهما في عام 1987 ليغلق بعدها باب المسرح بكتابته مسرحية 'راشد الخضر' وهي مسك ختام نصوصه المسرحية رحمه الله، كتب الشعر والرواية والقصة القصيرة، ونشرت أعماله في الصحف والمجلات المحلية والعربية وترجمت كذلك إلى اللغات الفرنسية والألمانية.

تاليا حوار حول أجري مع الشاعر عبر 'البريد الالكتروني':

مكانك على الورق

*شهدت مدينة خورفكان أول صرخاتك.. ماذا عنها وعن طفولتك فيها؟

*في السنين الاخيرة نشرت مقالات في الصحف تتعلق بطفولتي في خورفكان، كما كتبت قصائد بنيت علاقتها بالمكان كما في مجموعة 'يأتي الليل ويأخذني' (والصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت). مكانك على الورق، مكانك المتخيل، يختلف عن المكان الواقعي، ثمة انزياح ضروري هنا يقتضيه الحلم أولاً، ثم أن العلاقة بالمكان، مكانك الأول، خاضع لكثير من التحولات، انك كل مرة تقيم علاقة مع مكانك الأول مختلفة. هذا التحول مدهش، لكن رغم ذلك تلفت ذاكرتي دائما جملة كأنها لابن خلدون تقول بأن التاريخ جغرافيا متحركة، والجغرافيا تاريخ ساكن. المكان، مكاني ساكنا ومتحركاً يشغل روحي دائماً. وكما قال لي احد الأصدقاء منذ وقت قريب، فأنا محلي بشكل ما.

في طفولتي عدة آبار

*بئر طفولتك الأولى كيف وظفته في إبداعك؟

*لا أعرف كيف أرد على سؤالك الملتبس هذا. لكنني كثيراً ما أفكر بتلك الآبار المفتوحة في البحر، أو تلك الطويلة على قمم الجبال، أو تلك التائهة في الصحراء. حقاً أنا من أسرة بحرية ومزارعة، ولكن بدويتها لا تحتاج إلى شرح. إن البداوة في البدء هي البحث عن بئر. هل فهمت سؤالك حقا؟ لا أظن. بل في طفولتي عدة آبار. أو بإمكاننا أن نفكر بأن تحت خطوة كل طفل، في طفولتي، (او ربما في طفولة الجميع) بئرا.

علاقة شائكة ومعقدة

تتقصد اعتماد المكان في عناوين اعمالك كما 'في الأرض تتكلم'، و'قفص مدغشقر'، هل يعكس هذا حميمية علاقتك بالمكان؟
لا أعتقد بأن علاقتي بالمكان حميمة، أعتقد أنها شائكة ومعقدة.

إبن لمصادفة بحرية

*كيف هو البحر كمكان بالنسبة لك، وأنت ابنه؟

*البحر!!! ماذا بإمكاني أن أقول لك عن البحر... باختصار.... جاء أبي البحار من دبي وتزوج أمي الفلاحة... وجدي جاء من البحر. أنا فضيحة تلتبس بتلك الفضيحة التي عالجها جورج شحادة في مهاجر برسبان (الفضيحة هنا بالمعنى الوجودي كما أرجو أن يفهم القارئ).

من جانب آخر، وأنا كإبن لمصادفة بحرية كهذه، لا أدري هل كنت حقاً مخنوقاً برحابة بين تلك الجبال التي تحيط بساحل خورفكان المدهش، كما لو أنها سرطعون بحري عملاق يمسك برقبة الساحل الفاتنة. لكن الأهم من كل هذا أنني قضيت طفولتي، أغلب طفولتي، وأنا منكب على ذلك الساحل، أقيم من طين أمواجه تماثيل أحلامي. والآن، حتى الآن، وأنا أكتب هذه السطور أسمع رقصات الأمواج في قفص جسدي الصدري.

لا أعذب من قطرة سراب

*وكيف هي الصحراء وأنت ابنها أيضا؟

*الأسئلة العمومية مثل هذا السؤال، والذي قبله، عادة ما يحتار المرء في الرد عليها، لكن.. وأنا انوي الرد خطر في بالي الضب هذا الحيوان الصحراوي الأسطوري. تعرفين أن الناس في الجزيرة العربية والخليج- وأغلبهم بدو سابقون- عاشوا مجاعة كبرى وطواعين قبل الهطول العجيب للنفط. وهم مرتحلون طبعاً وثقافة، (لأنه قليل من يفهم بأن الطبع ليس إلا الثقافة المستقرة والكامنة)، وكان لهم الضب من أندر وألذ اللحوم التي يجدونها خلال المجاعة. فكيف كان يصيد البدو الضب؟. بالماء، بسكب الماء في جحره، الضب الحيوان الصحراوي الصريح يكره الماء. لا يطيق الماء، وأظنه وهو يحفر جحره في التلال المستعرة والمكفهرة للربع الخالي، وبأبواب ذلك الجحر المتعددة ،أظنه يفكر، عكس ما يبدو على الصحراء، يفكر بأن الماء يحاصره من كل جهة.

تفكير هذه الجنية يشد انتباهي. فعلاً كل حبة رمل مستعرة في الصحراء تنطوي على قطرة ماء. خذي السراب على سبيل المثال، الآن كثير من السيارات في مدننا الحديثة، كثير من الأبراج العملاقة تغرق في مجرد سراب. بل أكثر من هذا، ألم تتساءلي يوماً من يروي العطش أكثر: قطرة الماء أم قطرة من السراب؟ قد يهتف القطيع الماء، لكننا حقاً، وكبشر، نجد، في اللحظات المحلومة والحية لا أحلى ولا أعذب من قطرة سراب.

تفتح الحياة عيونها عليّ...

*عندما تسمع بعبارة أماكن لها في القلب أماكن ما هو المكان الذي يخطر ببالك؟

*يخطر بيتي، البيت الذي اسكن فيه، البيت الذي أغلق بابه عليّ وأمشي عارياً في رأسي. في الخارج، لطالما شعرت بأنني مهدد، عندما أجلس في البيت تجلس معي نفسي. كثيراً ما كنت في الخارج. لقد تعبت من الخارج.
أضع كأسي في البيت، على الطاولة، فتفتح الحياة عيونها عليّ.

بين قمربانت وأديس أبابا

*هل من ارتباط بين الأماكن والأشخاص..في الذاكرة؟

*هذا السؤال شائك أيضا، سأهرب عنه ومنه، وأوري لك هذه الحكاية: في سنة ما من الثمانينات كنت أعمل صحفياً في جريدة 'الخليج' بالشارقة، وحدث أن قررت مع صديق سوداني الذهاب إلى الخرطوم عبر الخطوط الجوية الاثيوبية، وقتها كانت الخرطوم مليئة بعاصفة من الأتربة و ديمقراطية على الطريقة الافريقية. اسكنني ذلك الصديق في بيت أهله الكبير. في الليل يحتشد على الأسرة كثير من الأشخاص ومن مختلف الأحزاب: يحضرون الى تلك الاسرّة، ويتحدثون ويختفون كما يحضرون بينما قمر بانت، وهو حي معروف في أم درمان، واقف على رأس الجميع، وعلى رأس الديمقراطية كذلك.

لاحقاً احترق صديقي، الذي أسكنني في بيت أهله في بانت مع شقته في دبي. أما أنا وبعدما ملأت عواصف الخرطوم عيني بالرمال قررت العروج على أديس أبابا قبل تسليم روحي للعمل في الشارقة، وتعرفت هناك على بحار يمني يمضغ القات، وكاد أن يجبرني على تدوين سيرته البحرية المملة. وتعرفت على انثى كنا نلتقي في النهار ومرة كنا في بيت شعبي فرأيت طفلا ممتلئا وقصيراً يشبه بوذا (كنت توي قد قرأت رواية سدهارتا لهرمان هيسه). من هنا، وإذا ما فهمت سؤالك حقاً فإنني كلما تذكرت الخرطوم وأديس أبابا، كلما سمعت باسمها، أتذكر صديقي المحترق، والبحار اليمني وصديقة المسبح، وبوذا وهرمان هيسه، والعكس.

شممتها بعمق..حتى جعت

*هنالك أماكن تمر بها، فتشم بها رائحة ماضيك.. كيف تربطك الروائح بالأمكنة ؟

*سأقول لك مثلا: فلقد كنت قبل شهور في العاصمة الجزائر، وكنت أمشي في شارع رئيسي قرب البحر، أظنه شارع ابن مهيدي، قرب ميدان الأستاذ عبدالقادر الجزائري. أتذكر بأنني كنت أمشي في الصباح، وكانت تفوح من محلات عدة رائحة الخبز والكعك الطازج. ولقد شممت هذه الرائحة بعمق، أتذكر أنني شممتها بعمق، حتى جعت.

أهيم بمدينة أسمها بابل

*بعض الأماكن نسمع بها أو نقرأ عنها فنهيم بها، هل حدث هذا معك؟

*بابل. انا أهيم بمدينة متخيلة وغير متخيلة في نفس الآن أسمها بابل.

أهيم باسمها، وأهيم باللامتخيل منها، قصدي بالأثري والتاريخي، وأهيم بالمتخيل، فمن على برجها الذي أوصل الشياطين إلى مرتبة في الهواء بإمكانهم فيها الإطلاع على أسرار الآلهة، تفرقت اللغات، وصار لا يمكنني الحديث مع شقيقي الروسي مثلا، كما أهيم بآبارها التي دفن فيها السحرة، والخيميائون، سطورهم الأولى.

*متى أعود إلى البيت؟

*ثمة أماكن تنادينا، فما هي الأماكن التي تعتبرها الأكثر قربا ولماذا؟

*المكان الأكثر قربا هو البيت. سؤالي الدائم: متى أعود إلى البيت؟...

رحم أمهاتنا جنة كل شخص

*ثمة أماكن نهواها بالفطرة ما هو مكانك الفطري؟

*الفطرة: هذه المفردة لا أفهمها على الإطلاق بالفطرة الطبيعة؟ لا أدري. لكن إذا ما كان يقصد بالفطري الطبيعي فإن المكان الذي نهوى العودة إليه دائما، و بالفطرة، هو رحم أمهاتنا، جنة كل شخص، حيث أول كأس نشربها وكانت من الدم، وحيث أكلنا عبر الشرايين، خاصة، ومما يلهب هوانا إلى العودة إلى ذلك المكان، هو أن بابه قد أوصد دوننا أو بعدنا، وكليا... هل هذا هو الفطري ؟ ما رأيك؟ لا أدري.

وسط مدينة عمان

*ما المكان الذي تحبه في هذا العالم وله في قلبك مساحة أكبر؟.

*وسط مدينة عمان.

*سبق وأن زرت الأردن فما المكان الذي أحببته فيها، ترك أثرا في قلبك/ روحك/ إبداعك؟ ولماذا؟

*أماكن ذهبت إليها عدة مرات مع أصدقاء تقع في طوابق علوية وأمامها ما يشبه المشربيات، وتطل على وسط مدينة عمان، ومطعم نذهب إليه، كنا في أواخر الليل، ويقع أيضا في سوق المدينة القديم، حيث تأكل مع الفجر ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية... وحالات كثيرة.

أحب السفر وأخاف منه

*المكان الذي تحلم بزيارته ولم تزره بعد؟

*دائما كنت أحب السفر وأخاف من السفر. لا أخاف من السفر عموما، وإنما من ركوب الطائرة. لديَّ فوبيا قوية من ركوب الطائرات فداخلي الآن ليس بإمكانه أن يستوعب إمكانية أن يطير كائن من حديد ويمشي في السماء ،هذا الرعب يحدث لي في كل مرة استقل فيها طائرة، بالرغم من أنني وفي حياتي القصيرة هذه طرت عشرات المرات، لهذا فأنا أحاول دائما الاستعداد الجيد لمقاومة هذا الفوبيا أن حان وقت السفر... ولكنه نظرا لكل هذا صرت أتردد كثيرا في السفر إلى أي مكان، كما كان أمري في السابق، الآن صرت أميل للسفر إلى أماكن لم اذهب إليها من قبل، لا أعرف فيها أحدا ولا يعرفني احد، أماكن غريبة عني كليا، خصوصا في الشرق الأقصى بآسيا، أو أمريكا اللاتينية (كم أود الذهاب إلى البرازيل مثلا)، أو إفريقيا، سواحل إفريقيا من جهة زنجبار وما حولها، على الأقل.