المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لوركا ودرويش توأمان في زمانيــــن مختلفين



رذاذ عبدالله
4 - 3 - 2012, 09:46 PM
لوركا ودرويش توأمان في زمانيــــن مختلفين

«شاعران على قيد الحياة».. معرض جهاد العامري في غرناطة

* الإمارات اليوم




http://im23.gulfup.com/2012-03-04/1330882918871.jpg (http://www.gulfup.com/show/X3g5xpi8qryd8)

http://im23.gulfup.com/2012-03-04/1330882918963.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xyhnc4mh8t5z2)

http://im23.gulfup.com/2012-03-04/1330882918962.jpg (http://www.gulfup.com/show/X3g5xrcbkae28)


جهاد العامري يقدّم معرضاً يربط بين القدس وغرناطة وبين درويش ولوركا.




يأتي معرض «شاعران على قيد الحياة»، الذي يربط روحياً وتاريخياً ومكانياً بين الشاعرين الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا، والفلسطيني محمود درويش، في وقت تشتد فيه هجمة الاحتلال الاسرائيلي على مدينة القدس في محاولة جديدة لتهويدها. ويرصد الفنان جهاد العامري في معرضه الذي يتضمن 32 عملا فنيا في فن الحفر «غرافيك» الخيوط المتداخلة بين الشعر والفن التشكيلي من جهة، وبين مدينتين هما القدس وغرناطة، وبين الشاعرين باعتبارهما توأمين في زمانين مختلفين، على الرغم من عدم التقائهما شخصياً خلال حياتهما.

وتضمنت الاحتفالية بالمعرض محاضرات عن علاقة الشعر بالفن التشكيلي، وعن التجربة الشعرية للوركا ودرويش، كما تضمنت عرض فيلم عن التشكيل والشعر، وحفلاً موسيقياً لقصائد مختارة للشاعرين، وندوة عن أعمال المعرض وشهادة للفنان، وورشتين في فن الحفر للفنان رافع الناصري والفنان العامري في كلية الفنون الجميلة في جامعة غرناطة. وصدر بالمناسبة كتاب بثلاث لغات، العربية والإسبانية والإنجليزية، تضمن قراءات في تجربة الحفر لدى العامري الذي تخرج في كلية الفنون ببغداد، ودرس الماجستير في جامعة اليرموك الاردنية، وعمل في التدريس في كلية الفنون في الجامعة الأردنية في عمّان، قبل أن ينتقل لاستكمال دراسته في جامعة غرناطة.

المعرض الذي افتتح في 22 من فبراير الماضي، ويستمر حتى منتصف شهر مارس الجاري في مقر «المؤسسة الأوروبية العربية» في مدينة غرناطة، وتنظمه بالتعاون مع جامعة غرناطة، يؤكد عمق الجذور الروحية والثقافية التي تربط بين الشاعرين والمدينتين. ويبين معرض الفنان العامري الذي يدرس الدكتوراه في الفن التشكيلي بجامعة غرناطة، مدى التقارب الوجداني في مسيرة لوركا ودرويش من خلال رصد تفاصيل من مدينتين تمثلان بؤرتين روحيتين للشاعرين اللذين أثّرا عميقاً في الحركة الشعرية، علاوة على حضورهما الابداعي الكبير في مختلف دول العالم.

هوية عربية

جاء اختيار الفنان للمدينتين القدس (زهرة المدائن) وغرناطة، ليشير إلى التوأمة الروحية والثقافية والتاريخية والمعمارية بينهما، عبر توظيفه مخططات هندسية ونقوشاً وأختاماً قديمة من المدينتين، وتحديداً من الحرم القدسي الذي يضم 200 معلم، من بينها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة الذي بناه الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان في الفترة من 688 حتى 692 ميلادي، واصبح رمزاً لمدينة القدس. وفي عام 711 ميلادي ضمت دولة الأمويين الأندلس، ومن بينها غرناطة. وتشير نقوش وزخارف نباتية وحروفية وهندسية إلى تقارب معماري في جوانب من مسجد قبة الصخرة وقصر الحمراء، اللذين يعدان من أبرز المعالم المعمارية العربية.

وتشير أعمال معرض الفنان جهاد العامري إلى محاولات الاحتلال الإسرائيلي تهويد مدينة القدس، عبر تزوير التاريخ وترويج خرافة «هيكل سليمان»، وكذلك عبر طرد السكان الفلسطينيين من القدس بشتى الطرق، وهدم المباني التاريخية، وزيادة المستوطنات الإسرائيلية لتغيير الملامح المعمارية والسكانية لهوية القدس العربية التي أسسها العرب الكنعانيون في الألف الثالث قبل الميلاد. كما يشير المعرض إلى ما حدث في مدينة غرناطة من محو أو تغيير معالم معمارية عربية شيدت إبان فترة الأندلس، إذ عمد الملك كارلوس الخامس إلى بناء قصر له في الحمراء عام ،1527 لا يخفى على الناظر انه مقحم على روح الحمراء الشعرية، ويمثل معماراً عدوانياً بمعنى الكلمة، ويبدو منذ النظرة الأولى أنه خارج نص الحمراء المفعم بالشفافية والرقة والتناغم والعذوبة، والتكامل في سيمفونية الحجر والماء والحدائق والنقوش والموسيقى التي تتوالد من النوافير وجريان المياه في القنوات. ويمكن وصف الحمراء بأنها جنة الهندسة، أقحم داخلها قصر من جحيم معماري.

وعلى الرغم من التغييرات التي طرأت على معالم الهوية العربية في غرناطة، إلا أن المدينة لاتزال تحتفظ بروحها الأولى. كما بدأ الاسبان بإعادة الاعتبار إلى الثقافة العربية في الأندلس، وتعززت روح التسامح والحوار والتفاعل عبر أشكال عدة، من بينها النشاطات الثقافية، والاعتراف بدور الحضارة العربية في تكوين نسيج الهوية الإسبانية، اذ تضم اللغة الإسبانية أكثر من 6000 كلمة عربية. وبعد خروج العرب من الاندلس بخمسة قرون، سمح قبل سبع سنوات ببناء «المسجد الجامع» على هضبة «ميرادور» التي تمثل شرفة تطل مباشرة على الحمراء.

صياغة جديدة

الفنان جهاد العامري الذي أقام خمسة معارض شخصية هي: «حقل» و«خيط» و«القدس أول العتبات» و«مقام»، وشارك في ملتقيات عربية ودولية عدة، من بينها الأردن وإسبانيا وسويسرا واليونان ومصر واليمن والإمارات والولايات المتحدة وإيطاليا والمغرب، يقدم في معرضه الغرناطي الجديد «شاعران على قيد الحياة» صياغة فنية جديدة في الربط بين الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا ومدينته غرناطة، والشاعر محمود درويش ومدينته القدس. وفي هذه الصياغة حفر العامري في قصائد للشاعرين، ودمج بين ثلاث تقنيات في فن الحفر أو الطباعة «غرافيك»، وهي الحفر على الخشب والطباعة الحجرية «ليثوغراف» والطباعة بالشاشة الحريرية «سلك سكرين»، في تجربة ابداعية متميزة، وهو ما دعا الفنان رافع الناصري صاحب الخبرة التي تصل الى نصف قرن بالفن إلى وصف الفنان العامري بأنه «من أهم الفنانين العرب في فن الحفر».

في أعمال المعرض، وظف الفنان مقاطع من قصائد الشاعرين، محتفياً بالشكل الحروفي، وليس بمعاني الجمل الشعرية، كما وظف صوراً فوتوغرافية للشاعرين، إضافة إلى رسوم أبدعها لوركا، علاوة على مخططات هندسية ونقوش وكتابات وزخارف من تحفتين معماريتين هما المسجد الأقصى وقصر الحمراء، لينجز الفنان نصوصاً بصرية جديدة توحي بالدلالات والتعبير، وقابلة لتأويل متعدد الجوانب من جديد، عبر قراءات تشكيلية لقصائد الشاعرين وللمكانين ايضاً. وجاءت الأعمال استبطاناً متنوعاً لروح القصيدة والمكان التي تجلت في موسيقى كل عمل في المعرض، في التكوين والخط والنقطة والحرف والصورة.

أثر عميق

ركز الفنان في معرضه على الأثر بحساسية عالية، إذ تبدو كل طبعة بمثابة مختبر جمالي، تعبر فيه الطبقات اللونية والتفاصيل والخطوط والمساحات الشفافة والحروف عن أزمنة متعددة، كما لو أنه يشير بذلك إلى تراكم الخبرات الجمالية وتداخلها وتوحدها في الاعمال الفنية، التي عبرت عن هجرة جمالية من قصائد الشاعرين ومن تاريخ المكانين.

وكانت التقنية الثلاثية في الحفر التي استخدمها الفنان تعبر عن ان الأثر الجمالي هو الذي يواصل حياته، على الرغم من تقلبات الزمن، وان هذا الاثر العميق هو دليل جمالي على الوجود الذي يمجد الحياة ويفتتن بها ويفتن الزمن نفسه. لذلك كان عنوان المعرض «شاعران على قيد الحياة» إشارة واضحة إلى أن الجمال لا يموت، وان الشاعرين الراحلين لوركا «يونيو 1898- أغسطس 1936»، ودرويش «مارس 1941- أغسطس 2008» يواصلان حياتهما عبر إرثهما أي أثرهما الجمالي، على الرغم من أنهما من زمانين مختلفين ومكانين مختلفين جغرافياً، ويكتبان بلغتين مختلفتين. وإن كان الفنان العامري اختار هذا العنوان للمعرض، إلا أنه يشير إلى ان «القدس وغرناطة على قيد الحياة» ايضاً، وستحتفظ كل منهما بهويتها، على الرغم مما لحق بغرناطة من تغييرات، وعلى الرغم من محاولات الاحتلال الاسرائيلي محو معالم القدس العربية وتهويدها، عبر تهجير أهلها المقدسيين، وتشويه الوجه المعماري للمدينة، ونشر المستوطنات السرطانية. والدليل على ذلك ان المدينتين صمدتا على الرغم مما تعرضتا له من هدم وتغيير.

قراءة تشكيلية

في المعرض يقدم جهاد العامري قراءة تشكيلية لقصيدة «في القدس» لدرويش الذي توفي في الولايات المتحدة، وقصيدتي «غزالة الحب الخفي» و«موال الأنهار الثلاثة» للوركا الذي قتلته قوى فاشية، إضافة إلى قراءة في روح مدينتي القدس وغرناطة.

وتمثل غرناطة عشقاً استثنائيا ومنبعاً عاطفياً وثقافياً للشاعر لوركا، أحد أعضاء «جيل 27» في اسبانيا، إذ استلهم كثيراً من كتاباته في الشعر والمسرح من الحياة الغجرية في مدينته، حتى انه لم يحتمل الحياة في مدينة نيوريورك أكثر من 10 أشهر، حيث كان شاهداً على جنون المادة هناك، وتهميش الإنسان والاضطهاد، ليكتب مرثية الانسانية، في ديوانه «شاعر في نيويورك» الذي سجل فيه صرخة احتجاج على عالم متوحش، وكتب «ليس هناك قلق يشبه عينيك المضطهدتين، ودمك الذي يرتعش في كسوف غامض». تركت أيام نيويورك جرحاً عميقاً في روح لوركا، ليعود الى أمه المكانية والروحية والثقافية، غرناطة، المدينة التي لا ينجو من عشقها شاعر أو فنان.

كما أن القدس التي يعود تاريخها إلى أكثر من 5000 سنة، تمثل مدينة للروح ورمزاً للوطن ومركزاً حضارياً وثقافياً للشاعر درويش الذي كتب «هذا نشيدي، وهذا خروج المسيح من الجرح والريح، أخضر مثل النبات يغطي مساميره وقيودي. وهذا نشيدي، وهذا صعود الفتى العربي إلى الحلم والقدس».

وكما أن القدس وغرناطة رمزان، كذلك أصبح لوركا ودرويش رمزين، ولا يمكن الحديث عن اسبانيا ثقافياً من دون سيرة لوركا، وكذلك لا يمر حديث عن الثقافة العربية من دون سيرة درويش.

شهادات

قالت الأمينة التنفيذية للمؤسسة الأوروبية العربية للدراسات العليا، بيلار أراندا راميريث، إن المعرض يأتي ضمن الدورة الخامسة للبرنامج السنوي للكراسي الأوروبية العربية، في قسمها المتخصص بالفنون والثقافة، وإن الفنان جهاد العامري «يعرض شعر شاعرين كبيرين، هما الاسباني فيدريكو غارسيا لوركا، والفلسطيني محمود درويش. كلاهما كانا ومازالا شاعرين محبوبين ومثيرين للإعجاب، ويتشابهان في تاريخهما وحياتهما». وأضافت «درويش الملقب شاعر المقاومة، عانى ملاحقة السلطات الإسرائيلية له، وعاش في المنفى الجزء الأعظم من حياته، وكذلك الغرناطي لوركا عشق الفن بكل جوانبه، ورأى تاريخه وأحلامه ناقصة، حين قررت قوى انقلابية القضاء على حياته».

وأكدت راميريث أهمية تعزيز أطر التفاهم بين مختلف الثقافات، وقالت إن «الثقافتين المختلفتين لهذين الشاعرين، أي الشرق والغرب، تتضمنان مجموعة واسعة من الاختلافات والتشابهات ايضا».

وقال أستاذ الفنون في جامعة غرناطة، إسيدرو لوبيث أباريثيو عن المعرض، إن «عمل العامري يحتاج إلى معرفة واسعة بالوسائط، إضافة إلى قابلية كبيرة لاستشراف المستقبل. خبرته تسمح له ببث تركيبات معقدة من الطبقات غير المنتهية، وبحكمة كبيرة، وتقليلها إلى الحد الأدنى للحصول على الكثير من التأثيرات البصرية التي تدهش المتلقي بأناقتها ودقتها».

أما الفنان رافع الناصري الذي تحدث في ندوة عن تجربة الحفر لدى العامري، وصفه بأنه «واحد من أهم الحفارين العرب»، مضيفاً «باختياره قصر الحمراء رمزاً لغرناطة، وقبة الصخرة رمزاً للقدس، يكون العامري قد وضعنا في قلب المشهد البصري، وفي عصب الذاكرة التاريخية التي لا تغيب ولا تنطفئ في وجدان الإنسان المعاصر، الإنسان الذي يحلم بالجمال والفن والحضارة، والذي يسعى جاهداً للحفاظ عليها وديمومتها، ناشطاً بمقاومة القبح والهمجية والعدوانية التي أخذت، وللأسف، تسود العالم المعاصر». وأشار الى ان الفنان اختار الألوان بعناية للتعبير عن ملامح القدس وغرناطة.

وفي الندوة ذاتها، تحدثت الشاعرة والباحثة، مي مظفر عن علاقة الشعر بالرسم، وقالت ان الفنان جهاد العامري في المعرض «يبني موضوعه على مضمون الغياب والفقدان»، ويجعل من الألم والانزياح عن الوطن فكرة اساسية لعمله، مؤكدة أن الفنان قدم قراءة بصرية لقصائد للوركا ودرويش «ومن غير أن يخضع لسلطة الشعر، أبدع فناً موازياً لإبداعهما. وبعيدا عن التفاصيل الوصفية الحكائية، استطاع أن يمسك بالماضي، الحلم، ليجعلنا نرى ما لا يُرى».

كما قدم الفنان جهاد العامري خلال الندوة شهادة إبداعية تحدث فيها عن مرجعيات تجربته التشكيلية، سواء في الحفر أو الرسم. وقال إنه نشأ في عائلة ابداعية، في الشعر والفن التشكيلي، علاوة على أنه درس التشكيل، وواصل القراءة والتجريب. وفي معرضه «شاعران على قيد الحياة» وظف النقوش والأختام ومقاطع شعرية وصوراً للشاعرين، من اجل صياغة نص بصري بعناصر متعددة وتقنيات طباعية مختلفة. وأضاف أن القدس تتعرض لهجمات متواصلة من الاحتلال الإسرائيلي لتهويدها، عبر محاولة الاحتلال وتزوير الحقائق التاريخية التي تؤكد عروبة زهرة المدائن.

وكان الفنان والاستاذ الجامعي أسيدرو أباريثيو قدم عملاً فنياً دمج فيه بين تقنية السينما مع قصيدتين لشاعرين من الاردن محمد العامري، ومن اسبانيا أندريه نيومان. كما تم تقديم محاضرة بعنوان «درويش بين كونين، الأندلس ولوركا» لبيدرو مارتينث مونتيث، ومحاضرة «درويش ولوركا في غرناطة» لخوسيه ميغيل بويرتا بيلاثكيث، ومحاضرة «لوركا في شعر درويش» لمؤمن يوسفي، ومحاضرة بعنوان «رمز القمر في أعمال لوركا ودرويش» لأحمد الجامون.