رذاذ عبدالله
6 - 3 - 2012, 11:50 AM
اللوحة المضادة في التشكيل السوري
الفن رديف المكان
* عمران القيسي
http://im24.gulfup.com/2012-03-06/133102022641.jpg (http://www.gulfup.com/show/X3ghb6ofbsddk)
يقول أنطوان مقدسي في رسالته إلى الفنان السوري الراحل فاتح المدرس: “أمامي على سبيل المثال ثلاث لوحات للشهيد، واحدة منها ملونة تعود إلى العام ،1977 وأخرى ملونة من عام ،1985 والثالثة بالأسود والأبيض من عام ،1967 ففي اللوحات الملونة يتعدّد الشهيد السوري، بمعنى ما يتكاثر . فالوجه أو الوجوه تتوالد، الوجه المركزي واضح المعالم، ثم يخفّ الوضوح في المعالم تدريجياً فلا تبقى منه سوى علامة تشير إليه بقعة من نور، وبما تحجبه أو تمنعه من الرجوع”.
في الحقيقة إن هواجس المفكر العربي السوري أنطوان مقدسي، لا تتعلق بما رسمه الفنان فاتح المدرس وحده، بل بما أنتجه أكثر من رعيل سوري، عاش زمانه الإبداعي موزعاً بين هواجس كثيرة، ربما أبرزها علاقة هذا الفنان المبدع بعالمه الذي يعيشه ضمن ثنائية الزمان والمكان . اللوحة الحدثية في سوريا حسب تعبير البعض جاءت تعبيراً مفروضاً في الموضوع الفني . الأمر الذي دفع ببعض الفنانين السوريين إلى أن يذهبوا إلى أقصى درجات الاستقطاب والانتقال . حين قرروا قراءة الحدث بعين اللوحة المضادة . وها هو الفنان الحموي “خزيمة علواني” وبعد مجزرة “حماة” الشهيرة يرسم “غارنيكا حماة” بأسلوب منح فيه “غارنيكا” بيكاسو بعداً ثالثاً جسّد عملية الذبح الجماعية، ومنح الحدث العربي شراسته أو استثنائيته التي ميزته عن الحدث “الباسكي” الذي صوره “بيكاسو” كإعلان للعالم العربي وببعدين “بوستريين” .
الفن رديف المكان ولطالما تفنن الرسامون السوريون بجمالية مكانهم الدمشقي، أو الحموي أو الحلبي أو الحمصي . ويكفي أن نطالع أعمال إسماعيل الحلو الذي رسم حمص ونساءها أو أحمد نشأت الزعبي، وهو من مواليد حماة الذي صور عبر موضوع أسماه النافذة، حواراً بين جمال أنثوي وحضور رجولي . فضلاً عن أحمد معلا الذي رسم ضمن إيقاع تعبيري احتفالي مثير عالماً حافلاً بالحضور الأنثوي . علماً أن معلا من مواليد الرقة في العام 1958 .
في ما سنرى بسام صباغ المفتون بنواعير حماة حيث رسمها بالزيت وبأسلوب تسجيلي جميل، ولم يستثن برصوم برصوميان وهو من مواليد الحسكة في العام 1947 أحلامه الفانتازية المضمّخة بالإكسسوار التقليدي السوري .
ويفتتن جورج محفوض من مواليد حمص في العام 1959 بسوق الحميدية فيرسم بعض جوانبه، ولكن حسين حمزة وهو من مواليد كفرشمس في العام 1940 فيرسم بعضاً من الطبيعة في عالمه الجميل . أما خالد الأسود الدمشقي المولود سنة 1940 فقد بقي مشدوداً إلى حاراتها فرسمها بدقّة المسجّل الواعي.
ندرك من ذلك أن تصوير الأمكنة والانشداد إليها بالنسبة إلى العديد من الفنانين السوريين يأتي نتيجة منهاج تعبيري اعتاد عليه الرسّامون بفعل العلاقة الوشيجة بين رسوخ المكان وانتمائه إلى الجذر النفسي للفنان . وهذا يتجاوز مسألة انتماء الفنان إلى المكان فهناك حالة تلازم قوية بين المكان والفنان الإنسان . إنها قضية رسوخ الثقة بين فنونٍ مكانية تحضر وتستمر ما لم تقتلها الإبادة اللاإنسانية، سواء على مستوى المكان ذاته، أو على صعيد الإنسان.
اليوم هناك تدمير منهجيّ للمكان، وهناك اقتلاع حقيقيّ للحضور الإبداعي في المكان، فكيف ستتحول اللوحة السورية بفعل كل ما يحصل اليوم؟ هناك تجربة سابقة عاشها الفن اللبناني خلال فترة الحرب الأهلية التي كنّا نصفها أحياناً بحرب الغرباء على أرض الوطن، لكن تلك الحرب هدّمت حتى الجدران التي كانت تعلّق عليها الأعمال الفنية، وقد أحصينا في حينه عندما شكّلنا التجمّعات المناهضة للحرب، عدداً غير قليل من المحترفات المدمّرة، لكن طاحونة الموت آنذاك حصدت العديد من الفنانين ودمرت العديد من المحترفات، كما منعت إقامة معارض للفن على مستوى الوطن اللبناني . فالقاعدة تقول: إذا تمّ تدمير المكان فإن الفنون المكانية هي أول ما يتأثر ويتدمّر مع المكان.
هل نعرف عدد الفنانين والمحترفات في مدينة حمص وحدها؟ وهل ندرك أن أكثر من ثمانين فناناً حمصياً أو من جذور حمصية بتنا نخاف أن نفقدهم ونخسر إبداعهم؟ وهل نفكر اليوم بالفنان عبدالله مراد أو بالفنان إسماعيل الحلو أو إلياس حموي أو ببسام جبيلي أو بجورج ماهر أو بجورج محفوظ أو برشيد شمّا أو براينر غرير أو بعبد المنّان شمّا أو بعبد القادر عزّوز أو بعبدالله خان . أو . . . أو حتى نغصّ بالأسماء الحبيبة الكثيرة للفنانين السورين الذين نحلم بهم كروّاد للفنّ البصريّ المكانيّ والذين كانوا ينتمون إلى الفن المكانيّ الراسخ والأصيل؟
الفن رديف المكان
* عمران القيسي
http://im24.gulfup.com/2012-03-06/133102022641.jpg (http://www.gulfup.com/show/X3ghb6ofbsddk)
يقول أنطوان مقدسي في رسالته إلى الفنان السوري الراحل فاتح المدرس: “أمامي على سبيل المثال ثلاث لوحات للشهيد، واحدة منها ملونة تعود إلى العام ،1977 وأخرى ملونة من عام ،1985 والثالثة بالأسود والأبيض من عام ،1967 ففي اللوحات الملونة يتعدّد الشهيد السوري، بمعنى ما يتكاثر . فالوجه أو الوجوه تتوالد، الوجه المركزي واضح المعالم، ثم يخفّ الوضوح في المعالم تدريجياً فلا تبقى منه سوى علامة تشير إليه بقعة من نور، وبما تحجبه أو تمنعه من الرجوع”.
في الحقيقة إن هواجس المفكر العربي السوري أنطوان مقدسي، لا تتعلق بما رسمه الفنان فاتح المدرس وحده، بل بما أنتجه أكثر من رعيل سوري، عاش زمانه الإبداعي موزعاً بين هواجس كثيرة، ربما أبرزها علاقة هذا الفنان المبدع بعالمه الذي يعيشه ضمن ثنائية الزمان والمكان . اللوحة الحدثية في سوريا حسب تعبير البعض جاءت تعبيراً مفروضاً في الموضوع الفني . الأمر الذي دفع ببعض الفنانين السوريين إلى أن يذهبوا إلى أقصى درجات الاستقطاب والانتقال . حين قرروا قراءة الحدث بعين اللوحة المضادة . وها هو الفنان الحموي “خزيمة علواني” وبعد مجزرة “حماة” الشهيرة يرسم “غارنيكا حماة” بأسلوب منح فيه “غارنيكا” بيكاسو بعداً ثالثاً جسّد عملية الذبح الجماعية، ومنح الحدث العربي شراسته أو استثنائيته التي ميزته عن الحدث “الباسكي” الذي صوره “بيكاسو” كإعلان للعالم العربي وببعدين “بوستريين” .
الفن رديف المكان ولطالما تفنن الرسامون السوريون بجمالية مكانهم الدمشقي، أو الحموي أو الحلبي أو الحمصي . ويكفي أن نطالع أعمال إسماعيل الحلو الذي رسم حمص ونساءها أو أحمد نشأت الزعبي، وهو من مواليد حماة الذي صور عبر موضوع أسماه النافذة، حواراً بين جمال أنثوي وحضور رجولي . فضلاً عن أحمد معلا الذي رسم ضمن إيقاع تعبيري احتفالي مثير عالماً حافلاً بالحضور الأنثوي . علماً أن معلا من مواليد الرقة في العام 1958 .
في ما سنرى بسام صباغ المفتون بنواعير حماة حيث رسمها بالزيت وبأسلوب تسجيلي جميل، ولم يستثن برصوم برصوميان وهو من مواليد الحسكة في العام 1947 أحلامه الفانتازية المضمّخة بالإكسسوار التقليدي السوري .
ويفتتن جورج محفوض من مواليد حمص في العام 1959 بسوق الحميدية فيرسم بعض جوانبه، ولكن حسين حمزة وهو من مواليد كفرشمس في العام 1940 فيرسم بعضاً من الطبيعة في عالمه الجميل . أما خالد الأسود الدمشقي المولود سنة 1940 فقد بقي مشدوداً إلى حاراتها فرسمها بدقّة المسجّل الواعي.
ندرك من ذلك أن تصوير الأمكنة والانشداد إليها بالنسبة إلى العديد من الفنانين السوريين يأتي نتيجة منهاج تعبيري اعتاد عليه الرسّامون بفعل العلاقة الوشيجة بين رسوخ المكان وانتمائه إلى الجذر النفسي للفنان . وهذا يتجاوز مسألة انتماء الفنان إلى المكان فهناك حالة تلازم قوية بين المكان والفنان الإنسان . إنها قضية رسوخ الثقة بين فنونٍ مكانية تحضر وتستمر ما لم تقتلها الإبادة اللاإنسانية، سواء على مستوى المكان ذاته، أو على صعيد الإنسان.
اليوم هناك تدمير منهجيّ للمكان، وهناك اقتلاع حقيقيّ للحضور الإبداعي في المكان، فكيف ستتحول اللوحة السورية بفعل كل ما يحصل اليوم؟ هناك تجربة سابقة عاشها الفن اللبناني خلال فترة الحرب الأهلية التي كنّا نصفها أحياناً بحرب الغرباء على أرض الوطن، لكن تلك الحرب هدّمت حتى الجدران التي كانت تعلّق عليها الأعمال الفنية، وقد أحصينا في حينه عندما شكّلنا التجمّعات المناهضة للحرب، عدداً غير قليل من المحترفات المدمّرة، لكن طاحونة الموت آنذاك حصدت العديد من الفنانين ودمرت العديد من المحترفات، كما منعت إقامة معارض للفن على مستوى الوطن اللبناني . فالقاعدة تقول: إذا تمّ تدمير المكان فإن الفنون المكانية هي أول ما يتأثر ويتدمّر مع المكان.
هل نعرف عدد الفنانين والمحترفات في مدينة حمص وحدها؟ وهل ندرك أن أكثر من ثمانين فناناً حمصياً أو من جذور حمصية بتنا نخاف أن نفقدهم ونخسر إبداعهم؟ وهل نفكر اليوم بالفنان عبدالله مراد أو بالفنان إسماعيل الحلو أو إلياس حموي أو ببسام جبيلي أو بجورج ماهر أو بجورج محفوظ أو برشيد شمّا أو براينر غرير أو بعبد المنّان شمّا أو بعبد القادر عزّوز أو بعبدالله خان . أو . . . أو حتى نغصّ بالأسماء الحبيبة الكثيرة للفنانين السورين الذين نحلم بهم كروّاد للفنّ البصريّ المكانيّ والذين كانوا ينتمون إلى الفن المكانيّ الراسخ والأصيل؟