المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «هشاشة» قوّة القصيدة مقابل هشاشة العالم * جلال برجس



رذاذ عبدالله
17 - 3 - 2012, 10:44 AM
«هشاشة» قوّة القصيدة مقابل هشاشة العالم

جلال برجس

* الدستـور الأردنيـة



http://im14.gulfup.com/2012-03-17/1331966669111.jpg (http://www.gulfup.com/show/X19pwkz4oker)




(هشاشة) هي المجموعة الشعرية الأولى للشاعر علي شنينات. صدرت في أواخر العام 2011م، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، عن دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع. تصدرت لوحة نحت للفنان السويسري الشهير (البيرتو جياكوميتي) الوجه الأول من الغلاف الذي قام بتصميمه الفنان (محمد خضير) كما تضمن الوجه الأخير من الغلاف صورة للشاعر مرفقة بإحدى قصائده. تضمنت المجموعة الشعرية هذه على عشر قصائد تم توزيعها بشكل متساوٍ يتفق مع كونها قصائد ومضة. (في أول الأربعين، طين رخو، أقرص لهفتها بالقصائد، الساعة ملآى بالموتى، لأنك كالغيم، تنام على سرير القصيدة، ذابل بالغياب، أجنحتي طويلة، في النَّص، نغفو على ذيل القصيدة) علي شنينات شاعر أردني من مواليد عام 1970 في قرية برزة الواقعة في الغرب من لواء ذيبان جنوب مدينة مادبا. عضو في رابطة الكتاب الأردنيين، عضو في الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، نائب رئيس ملتقى مادبا الثقافي سابقاً. كتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة ثم اتجه فيما بعد إلى قصيدة النثر. نشر ومازال ينشر نتاجه الشعري في الملاحق والدوريات الأردنية. تأخر في نشر نتاجه الشعري في كتاب، لعوامل عديدة أهمها التأني في النشر انطلاقاً من اهتمامه بالنوع لا بالكم. تجيء هذه المجموعة الشعرية النثرية بعيداً عن المباشرة والغنائية وتتكئ على مشهديات الومضة وتقنياتها.

أراد علي شنينات من عنوان مجموعته الشعرية الأولى (هشاشة) أن يضع المفتاح الأول لمجموع قصائده، بما أن لكل كتاب شعري مفاتيح دالة على فضاءات القصيدة وأسرارها. فعند قراءة قصائد المجموعة الشعرية (هشاشة) سيتضح لنا ما يريد الشاعرُ، اتكاء على المعنى العام للهشاشة ومن ثم ماهية الإسقاط الذي أراده علي شنينات على مجموع قصائده في هذا الكتاب. فالمغزى الشعري هنا، والذي يرقد وراء عنوان سهل ممتنع، هو جوهر التكثيف في جسد القصائد، إذ أن الهشاشة كمفردة في بداية تلقينا لها اختصار شامل لحياة متكاملة بدأ الوهن يدب بها، و(هشاشة) هنا محاولة ناجحة في مشهدية الومضة الشعرية، التي كورها علي شنينات بطريقة، جعلت من تكامُل القصائد ببعضها البعض؛ مجموعة تؤسس لحياة كاملة يراها الشاعر من وجهة نظره الشفافة التي تشي برؤية عميقة صافية للكون. فعنصر التكثيف الذي تجسد في قصائد الومضة التي جعلت المجموعة الشعرية في ذهنية المتلقي، تجيء على شكل فلم سينمائي إشكالي، فيلم اتكأ على مشاهد سريعة، البغية منها قول الفكرة التي أرادها واحدة، رغم أن فضاء الشاعر هنا، فضاء صاف لم ينطلق إلى الشعر إلا من رحاب الشعر والفلسفة، وربما يحسب هذا تناقضاً فيما أقول من باب أن كيف تتزاوج الرؤية الفلسفية برؤية الشعر الصافي، إذ أني أرى هنا أن الرؤية النقدية لدى علي شنينات كممارس للنقد أيضاً إلى جانب الشعر، تزاوجت هنا في هذه المجموعة الشعرية فأنتجت مزاجاً فريداً من الشعر الذي يتواءم مع نبض اللحظة الآنية. فمن الأهمية بمكان الإشارة إلى تلك القصيدة التي صدّر الشاعر بها مجموعته الشعرية بعنوان (إضاءة)



الشوارع مصابة بالكساح

تمشي بلا قدمين........

فقط شاعر في آخر الزقاق مصاب بالهشاشة

يتوكأ على قصيدة نثرية.

حيث جاءت تلك الإضاءة كإشارة ثانية لمزاج المجموعة الشعرية، تضاف إلى إشارة العنوان، إذ أننا أمام إشارتين تلتقيان ببعضهما البعض لتحيلان المتلقي ببساطة إلى العتبة الأولى للنص الشعري، ليتسنى له استلهام مرامي الشاعر، من وراء ومضاته الشعرية. حيث في آخر القصيدة نتلمس شاعراً يتوكأ على قصيدة نثرية، وهذا التلمس يحيلنا إلى حداثوية الرؤية التي تسيّر الشاعر.

في المجموعة الشعرية (هشاشة) سلك علي شنينات درب مشهدية الومضة في التعبير عما يكتنزه في ذاته الشاعرة، تلك الومضة التي أتت بتكثيف عالٍ؛ سمته الأولى الاقتصاد الشديد في اللغة، والارتكاز على فرادة الصورة الفنية والانزياحات اللغوية والفنية، إذ ابتعد فيها الشاعر عن طقس المُباشرة وبالتالي ارتهن لفضاء لم يتطرق إلى فضاءات اللحظة الزمنية بأدوات تمجيد اللحظة، إنما تطرق إليها عبر نظارة الفيلسوف الشاعر. ففي القصيدة الأولى المعنونة ب(أول الأربعين) والتي افتتح بها مجموعته الشعرية:

أنا المطر الكثيف

على سفحك المعشوشب بالصَّبا

وأنا لمعة الضوء على شرفتك

والوحيد بين أضلاعك النابض بالحياة.

يسرد علي شنينات سيرته كشاعر يتقاطع بالمرأة التي يعوّل عليها في اقتناص الحياة. فالمرأة في قصيدته هذه تصير شيئاً ملازما لثيمات الخصب والنماء، إذ يأتي إليها كمطر يسّاقط على سفحها وكضوء يسقط على شرفتها. وهنا يأتي دور المفارقات الشعرية واللعب على المتناقضات. فالشاعر هنا هو من يقف أمام شرفة الكون عبر المرأة ينتظر الحياة، لذلك ربما يُخلق سؤال أمام المتلقي، مفاده أن الشاعر هو الأحق هنا بأن يسقط المطر والضوء على سفوحه وشرفته بناء على المقاصد الشعرية في هذه القصيدة. لكن تناقض فضاءات القصيدة النثرية يحيلنا إلى علاقة ذلك بالهشاشة ذاتها التي أتت عبر مفردة العنوان، بسياق القول الشعري هنا. إذ تتضح مفاتيح الإجابات في مقطع آخر من مقاطع القصيدة نفسها:

رجل مجعد الوجه

استراح في الخريف بعدما ركض كثيراً بين الفصول

جلس على عمر ضيق وراح يحلم بالاتساع.

إذ أن التجاعيد في الوجه تشير على الإيغال في العمر، والقصيدة هنا عنوانها (في أول الأربعين) وبداية الأربعين بيولوجياً هي بداية رؤية ذلك الدرب الذي يقود إلى أبواب تفضي إلى عوالم أخرى في زمن الخمسين وما بعده. والطرح هنا وجودي يأتي بنبرة مختلفة. فهشاشة اليومي أعطت الشاعر تجاعيد على المستويين الخارجي والداخلي. على المستوى الخارجي؛ تجاعيد في الوجه. وعلى المستوى الداخلي تجاعيد في الداخل انسحبت على الروح والوعي الداخلي في الوقت الذي يركض الشاعر فيه بين الفصول يطلب حياته. حياته التي تكللت بآخر عبارات المقطع الشعري وهو يجلس على عمر ضيق وبنفس الوقت يحلم بالاتساع. والحلم بالاتساع على كرسي من العمر الضيق مرده الهشاشة التي تسللت إلى عظام الحياة. تلك الهشاشة التي نتلمس مشاهدها في سياق اليومي لأي كائن. فالزمن هنا خاطف كما حركة سكين في جسد فتي، إذ يبدو إحساس الشاعر بالزمن هنا إحساس درامي يتقاطع بقليل من الفنتازيا والسوريالية. ففي قصيدة (الساعة ملآى بالموتى) يضع الشاعر المتلقي أمام مشهدية غرائبية تجعله يحس بلذعة مفردة الهشاشة في لحظة التلقي:

الساعة عمر مهدور ورياح مواسمَ تحملنا

ثرثرة فوق الحائط تهذي بنهايات الأشياء

إذ أن الزمن هنا حالة مشتتة، لا تقف أمام شيء سوى المجهول والغامض. مفردتي (الثرثرة) و(مهدور) عبارة عن إشارتين إلى ذلك الطقس العدمي الذي يكلل الأشياء في رؤى الشاعر.

فهو هنا – أي الشاعر- لا يرى في حركة الزمن جهة تفضي إلى حلمه بالحياة. ولا يرى في الحديث حول اللحظة الزمنية العدمية سوى ثرثرة لا تفضي إلا إلى نهايات الأشياء. وفي مكان آخر من نفس القصيدة، يتجلى الإحساس العدمي بالزمن لدى الشاعر في أوضح صوره، وتتجلى رغبة الشاعر بالحياة عبر تناقضات الطرح في القصيدة النثرية

الساعة ملآى بالموتى والحائط صمت

جثث عارية تسّاقط من وخز عقاربها

تابوت يحملنا بين الحزن وبين الحزن

على مد حكايا ينهرها الموت.

الزمن في هذه القصيدة لدى الشاعر هي الساعة، لكن ساعته ملآى بالموتى وبالجثث التي تتساقط من عقارب الساعة، ثم نراه يكمل المشهد بأن يجعل من الساعة تابوتاً لا ينتج سوى الحزن. والمشهد هنا سوريالي بامتياز. هذه السوريالية التي تتجلى فيها هشاشة العالم عبر إشارة الشاعر إلى ضبابية اللحظة وعدم جدواها. فالساعة والتي هي الزمن اليومي في حياة الشاعر، مليئة بالموت على عكس ما يريد ويحلم. والحائط هنا هو العالم ذاته الذي لا ينتج سوى الصمت أمام تلك العدمية وأمام مشهد الموت الذي يتوالد من نفسه يومياً.

موضوعة المجموعة الشعرية (هشاشة) هي الشعر بحد ذاته عبر سؤاله المهم أمام هشاشة العالم، لكن هذه الموضوعة جاءت عبر عناصر ثلاثة هي (المرأة) و(الوطن) و(الذات) وإذ نقول عبر عناصر ثلاثة هذا لا يعني أن تلك العناصر موضوعات إنما هي منافذ للموضوع الأهم ألا وهو الشعر بأسئلته الكبرى والذي يتجلى هنا في فضاءات القصيدة النثرية. الإحساس بالزمن والوقوف أمام عدميته وضبابيته التي تجلت في هشاشة العالم هي الخيط الناظم للقصائد العشر التي تضمنها الكتاب. فمن خلال هذا الخيط الناظم يطرح الشاعر أسئلته من خلال كثير من التناقضات والإحالات اللغوية والفنية إضافة إلى الصورة الشعرية.