رذاذ عبدالله
19 - 3 - 2012, 11:15 AM
القدس عصية على النسيان
مدينة وماء الحياة الخالد
http://im28.gulfup.com/2012-03-19/1332141225961.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xcrr34smhpu5)
ما إن يذكر اسم القدس، حتى يكون لذبذبات حروف هذه المدينة وقعاً جد خاص، على المتلقي، حيث تتلقف أذناه أصداء الاسم، كي تستنفر الروح، والقلب، في آن، عبر صلاة خاصة، شأن أي مدينة موغلة في التقديس، وهي التي لما تزل تواصل نزفها،أمام أعين الأهلين، منذ ستة عقود ونيف، وحتى اللحظة .
حيث باتت مصفدة، منخعة، يعتدي المحتل “الإسرائيلي” على مافي خريطتها من معالم وعلامات مقدّسة، تستفزه، بتواريخها، ورائحة ماضيها، وهو ما يدفعه إلى أن يجد في اللغة التي تنطق بها أفواه الجرّافات، للإجهاز عليها، مادامت أنها بمثابة الكوابيس التي تؤرقه على امتداد دورة ساعة الوقت، يوماً وراء يوم، وأسبوعاً وراء أسبوع، وشهراً وراء شهر، وسنة وراء أخرى . مايزيد من قلق هذا الطارئ على المكان، طبق مؤامرة دولية، صنعت على إثرها خريطة المنطقة سايكسبيكياً، أو وفق وعد بلفوري، كي يكون المقدسي غريباً عن مكانه، كشقيق آخر، كان في أمرة القائد صلاح الدين الأيوبي، حيث طرد فلول الإفرنجة، ممن رسموا “خريطة طريقهم” ليمحوا لغة الضاد، بيد أن أحلامهم السوداء تلك، منيت بالهزيمة النكراء .
http://im28.gulfup.com/2012-03-19/133214122582.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xcrrk4xli0q8)
كانت القدس، في كل مرحلة من هاتيك المراحل، تقود عنان لحظتها، لا صوت يعلو فيها إلا تكبيرات الأذان ووقع أجراس الكنائس، وأهازيج الناس، وأغانيهم، وأناشيدهم، تصنع كلها سمفونية رائعة، تصاهر بين الأرض والسماء، وتشحن روح ابن المكان، أية كانت أرومته، مادام أن الصلاة للخالق تحلق به عالياً . . . عالياً، تختصر المسافة بين العبد وربه، ما يحفزه إلى أن يغسل أي دنس غريب، يستهدف هدأة المكان، وطمأنينة ابنه، في علاقة ترتقي إلى ذروتها، في ظل ضحكة البيارات، في ترجمتها المدهشة برتقالاً، ورائحة نعناع، وزعتر، وريحان، وكمثرى، وبابونج، زنابق، وياسمين، وجوري، وغير ذلك من معجم زينة المدن .
ولأن اسمها القدس، فقد كانت المدينة تئم سواها من المدن، في تناوب مع مدن قليلة أخرى، بل إن طائفة من المدن، في سلسلة عقدها، في قارات العالم، كلها، تأتي تتبرك بها، تقرأ الأمس، في ملامح وجهها، من دون أن تنال منها، هاتيك الجرافات الهمجية، أو القذائف التي تسلط على بعض بيوتاتها، كي تسويها بالأرض، في محاولة آيسة لمحو ابن المكان عينه، من دون جدوى، حيث ثمة وديعة لايزال الأب الفلسطيني، يسلمها لابنه، فيها مفاتيح المدينة، والبيت القديم العصي على الهدم، أنى كان، وهو عارف أنه لابد يعيد إلى المدينة ألق الأمس، كي تنوب عن شحوب اللحظة الكسيرة، في ظل مناشدات المدينة، لأهلها، عاصمة عاصمة، وإن كان يقينها يغفر لكل هؤلاء تصاممهم عن أصداء صوتها التي تثقب صمت الجهات المختلفة .
هي القدس، بهذا المعنى، أجل، في دفترها الكبير، أسماء بنيها واحداً واحداً، تعيد كلاً منهم إلى مدينته عينها، حتى وإن اختطفتهم مدينة ما، لا تتلكأ في فك حروفها، تسدل عليهم أجنحتها الكثيرة، والكسيرة، آخر كل ليلة، ولاتتردد عن أن تذكر لهم شهداء الروزنامة العتيدة، على امتداد شريط يوم أمس، نفسه، وإن كانت لا تنكر أنها تعيش على رائحة اليقين، تفوح من أسماء فاتحيها، منذ يوسف بن أيوب الهذباني، وحتى آخر شبل فلسطيني، مقدام، علّم العالم البسالة، ويرفض أن يطأ البوط العسكري أرضها الطاهرة، تعلق القدس صورته، في نسختين اثنتين، إحداهما في سلسلة عقدها، والأخرى على الحائط القديم، يدل عليه الهواء الافتراضي . والقدس العروس كما يشتهي الشاعر النوابيّ أن يصفها مجازاً، تمد يدها صوب الترانسستور القديم، الترانسستور الذي لاتزال تحتفظ به منذ عام ،1948 وحتى اللحظة، تفرك بإبهامها وسبابتها ووسطاها أذنه اليمنى، تطلب منه أين يحاكيها: أن حاكني أيها الحاكي، كي تروي له أن صفحة الروزنامة العربية لما تزل مفتوحة على ربيع بدأه أحد الأحفاد، ولاتزال ناره وقادة، حتى البرهة المعيشة، لتدندن على طريقتها، بكلمة لا يفتأ الشاعر نفسه يفهمها، وهو يرد عليها: أي أماه، من حقك أن تطلقي حزمة أسئلتك كي تمسح بعض الغبارعن اللغة، عساها تصل إلى مسامع الأهلين، ليعدوا بدورهم ربيعاً أضرب بنوه عن إضرام جذوة الأمل فيه، منذ أن بدأت فصول ربيع، لم تكن في البال . أسئلة العروس نفسها، تجمع نفسها، في صيغة رذاذ، يطلقه الترانسستور القديم الذي تملكه، كي تطرق مسامع الأبناء، أنى كانوا في مجاهل النأي، أو معالمها، فيقرؤها هؤلاء كل على طريقته، ليترجموها منتبهين، أن ساعة المكان تشير إلى موعد الانقلاب الكبير، في ذاكرة الفصل، واعداً بالاعتدال، وأشعة شمس مغتسلة بما تنثره الغيمات المطمئنة عليها، من ماء، ثم تفتح باب منزلها، تراقب مسار الاخضرار إلى المكان، وقرابين، وغربة، وغرباء .
العيد الأزلي للقصيدة
“إيهِ أيتها القصيدة الجميلة
ها أنت في كامل بهائك الآن
مرآتُك كل هذا الأفق
كل هذي السماوات
غيومك دائمة الهطل
تكتب نفسها
أشجاراً
ولازورداً
على صفحات البسيطة والبحار
كواكبك لاتزال في مداراتها
إيه ياقصيدة . . . إيه . .!
لكم من سرّ وسحر
في حبرك السرمدي
لايزال يضوىء اللحظة
وينثر رذاذ موسيقاك الحانية”
"مقطع من قصيدة لم تكتب لشاعر جوّال"
جاء قرارمنظمة اليونسكو في عام ،2000 ليكون اليوم الحادي والعشرون من مارس/آذار عيداً للشعر العالمي، دليلاً على مسائل كثيرة، في مقدمها أن الشعر ذو مكانة عالمية، وإنه ذلك الكائن السحري، المدهش، الذي لا يفتأ ترياقه يسقي الروح الإنسانية، دائمة الظمأ إليه، كيف لا؟ وهو حامل جذوة الحياة، منذ أول محاولة للإنسان كي يرتقي سلالم الفن، ويعبر عن حاله، على نحو مختلف .
وإذا كانت القواسم العامة، بين الناس، على امتداد بقعة خريطة العالم هي كثيرة، فإن الشعر ليحظو بمنزلة مهمة في سلم هذه القواسم المشتركة، جنباً إلى جنب مع الهواء، والرغيف، فهو معينٌ ثر لخلاصة الفن والوعي الإنسانيين، ولكم كان ملاذ الكائن البشري في مواجهة مصاعب لحظته، ودافعاً لتجاوز كل عقبة كأداء تحول دون تحقيق أحلامه، فهو الذي كان سفير الخير بين الناس، عامل وئام، وحب، ومفتاحاً تسلس له بوابات أصعب القلاع، والحصون، والقلوب، فما أكثر ما أوقفت قصيدة حرباً كانت ستتم بين جيشين عرمرمين، وما أكثر ما أججت قصيدة جذوة الحماس في قلب جيش ما، كي ينتصر على الجيش المقابل له، بل كم من المرات استطاعت القصيدة أن تجسر بين قلبي عاشقين، ما كان لهما أن يلتقيا، من دون الرسالة التي حملتها القصيدة بين ثناياها، فكانت جواز سفر في هذا الميدان . قصيدة الشاعر، ترجمة لروحه في أقصى آمادها الإنسانية، فهي غيمته الماطرة تروي صحراوات الظمأ، من خلال هطلها المدرار، وهي حدائقه التي لاتموت، بأزاهيرها، وفاكهتها، وأخضر أوراقها، وعبقها الفواح، وهو الإكسير الذي لابد منه للمرء أنى كان، وهو وديعة الإبداع الخالدة يتناقلها الشعراء، جيلاً بعد جيل، في كل مكان وزمان . على إيقاعها تهدهد الأم طفلها الجائع، أو الجريح، وعلى إيقاعها تنفتح نافذة الأمل في أي حصار يضرب هنا أو هناك، مادام الثائر يستظهرها أنى حل، وكأنه يشهر وميضها في وجه من يروم قتله، كي تقول له: إنني لمتشبث بالحياة، كما أنت متشبث بها، وإن الكرة الأرضية جدّ واسعة، وهي تتحمل أن نعيش على سطحها معاً، في أمان .
كما أن هناك الكثير مما يميز الشعر، عن سواه، من ضروب الفن والجمال، لأنه استطاع منذ بداية الوعي البشري، أن يطلق أسئلته الهائلة، العصية على الحصر، من دون أن ينفد البتة، بل إن كل سؤال جديد يطلقه، إنما يحيل بدوره إلى حزمة جديدة من الأسئلة المماثلة التي تقود الشاعر المبدع إليها، وهو يفتح نوافذه الكثيرة لاكتشافات الشعر الأزلية، هذه الاكتشافات التي تمحو الضغينة، وتنشر رسالة الحب، بين الناس، أينما كانوا، ليجعل من نفسه مواطناً عالمياً، يلهج بكل لغات الأرض، وينضح بأمل وألم أبناء هذه اللغات جميعاً، وهذه سمَتُه العظمى، وسمْتُه، لسبر المجاهيل، تنفتح سترها واحدة تلو أخرى، على ضوء نوسان دهشاته إلى اللانهاية .
شبكة هيولى الشعر، لا تربط بين صورة شعرية وأخرى، أو مفردة وأخرى ضمن حيز العبارة، في هذه القصيدة، فحسب، وإنما هي هيولى تربط بين كل قصائد الشعراء، مهما أحالت الجغرافيا بينهم، لأنها نتاج هيولى أوسع، تربط البشر كلهم، وكأننا -في نهاية المطاف- أمام قصيدة واحدة، يتناوب على كتابتها الشعراء، على اختلاف أسمائهم، وأحاسيسهم، وهمومهم، ورؤاهم، وألوانهم، وقاماتهم، ومواقعهم، مادامت نابعة عن يم الإبداع، متواشجة مع هم الإنسان، متبوصلة مع حلمه العظيم، دونما انفصال عن عراه .
وكما أن لكل شيء شبيهه، فإن للقصيدة -أيضاً- شبيهها، فهناك قصيدة ترتوي من ماء الحياة الخالد، وجبلة الحب، كما أن هناك قصيدة، تحاكيها، فتنهل من الماء الاصطناعي، وتجبل من التراب الاصطناعي نفسه، لأن شاعر القصيدة الأولى تكتبه قصيدته، بيد أن شاعرالقصيدة الثانية، إنما يكتب قصيدته، وشتان ما بين هاتين القصيدتين، كما أن سلسلة القصائد الشبيهة تتناسل، إلى لا نهاية، كي تنبت على الدمن، والمستنقعات، وتنبت عن الحياة، حتى وإن صقلها شاعرها، وألبسها الثياب الجميلة الزاهية، أو الفاقعة .
إن تلك القصيدة التي تباع، في المزادات المفتوحة، أو تلك التي تذهب في مدائحها الملفقة، بعيداً عن جمرالروح، وحاجات الناس والروح، يساوم عليها شاعرها، لتكون جواز سفر له، لمال، أو جاه، أو منزلة، أو غرض مرذول، موقوت، إنما هي إحدى القصائد الرخوية، الرخيصة، التي لا شأن لها، وتتحول إلى أنشوطة حول عنق صاحبها، تمحو اسمه من سجلات الشعراء الحقيقيين، حتى وإن أكل بعض هؤلاء خبزهم بها، بيد أن القصيدة الأبشع منها، هي تلك القصيدة التي تزور الحقيقة، وتتحول إلى أصيص على طاولة الطاغية، أو وسام على ياقة قميصه، أو صولجان في يده، فهي ليست سوى الطحلب في بحرالشعر، أو فايروس الهلاك في حديقة الجمال، ولا مكان لصاحبها، في كتاب التاريخ الخالد الذي جعلنا نحب أبا الطيب المتنبي وأبا تماماً أو إزرا باوند أو ت . س . إليوت . أو بوشكين، أو مايكوفسكي، أو حمزاتوف أو جكرخوين أو عبدالله كوران أو رياض الصالح الحسين أو محمود درويش، ونعد كل هؤلاء أفراد أسرتنا، مهما ابتعدوا أو اقتربوا منا زمكانياً، ماداموا قد وضعوا أصابعهم على منابع الإبداع، تتردّد أصداء قصائدهم في آذاننا، وكأنها قد كتبت للتو، أو كأن هؤلاء المبدعين ضمير هذه اللحظة نفسها، ولله درّ هؤلاء العمالقة العظام، وهم يكتشفون “ماء الحياة”، كي تنوب قصائدهم عنهم، نتعرف عليها، وهي تدخل بوابات قلوبنا، وترددها أفواه أبنائنا، وتدخل في متون كراريس الأكاديميات، والمدارس، يستظهرها الناس، ويصيرلها رواتها الذين يتباهون بحفظها .
ولعل القصيدة التي تخون وظيفتها، ورسالتها، اليوم، وهي تحتفل بعيدها، أنّ في هذا اليوم نفسه، ثمة مجازر مروعة مفتوحة، ترتكب أمام أعين القصيدة، بيد أننا حين نجدها تغض النظر عن الدماء التي تشخب، وصرخات الثكالى اللواتي يستبحن في هذه المجازر، هذه القصيدة لا تستحق أن يكون لها عيد، ما دامت أنها تخون مهمتها الرئيسة، إذ لا مهمة أقدس وأوجب أمام الشعر من أن يكون لسان حال المظلومين، بل وبئس تلك القصيدة التي تتأنق، وتضبط ربطة عنقها جيداً، وهي تمر بمثل هذه المجازر الوحشية، غير مبالية، وكأن ما يحدث أمام عينيها إنما هوعبارة عن صور هوليودية، لا أكثر .
القصيدة التي تهرع إلى المآدب، وتزهق وقتها بالثرثرة، واللغو، والزيف، والتزوير، لا أحد يحترمها، لا أحد يكترث بها، لا شأن لها، حتى وإن كتبت بماء الذهب، وعلقت على أطهر مكان، بيد أن تلك القصيدة المكتوية بلهب آلام البسطاء، والجياع، والمنكسرين، وتلهج بأسمائهم، وترهن نفسها لتكون لسان حالهم واحداً واحداً، أينما تمسرحوا على هذه الكرة الأرضية الصغيرة، فإنها بلا هوية، مواتها خيرلها من حياتها، إنها قصيدة ترثي نفسها، قصيدة تذهب إلى المقبرة لا إلى الحياة . وإذا كانت هناك قصيدتان، فإن هناك في الوقت نفسه شاعرين، شاعراً يكتب القصيدة التي تنبض بحب الناس، وشاعراً يكتب القصيدة التي لا تتقاطع مع متلقيها، في بعدي الحاضر والمستقبل معاً، فهو شاعر يحكم علة نفسه بالإعدام، ويزيل اسمه طوعاً من خريطة أسماء الشعراء، وهو لجدير بحق أن يرثي نفسه، وقصيدته . لأنه لم ينزل إلى الشارع، ولم يلتق الناس، ولم ينصت إلى أوجاعهم، ومطالبهم، بل ولم يتمكن من قراءة “دبيب الأرض” وهي تواصل دورتها، مرتبطة إلى مسارخط الزمان السائر إلى الأمام، بلا هوادة .
وحين ننظر إلى القصيدة والشاعر، على هذا النحو، فإننا نحملهما المسؤولية، في كل أثقالها، وحمولاتها، ليكونا ملتزمين، تجاه الغلابة، والمقهورين، والجياع، والثكالى، وهي التي بات عيدها مواكباً ليوم نوروز، حيث انفجار ينابيع الجبال، يذكر بانفجار ينابيعها في روح الشاعر، عبر أقنوم يؤدي إلى بياض الورقة، أو شاشة الكمبيوتر . وإذا كانت الطبيعة تدخل في دورتها الجديدة، ويشعل البطل كاوا النار في أعالي الجبال، بعد سقوط الطاغية الضحاك، في أعظم كرنفال أرضي، إيذاناً بربيع منشود، فإن دورة دماء الشعر دائمة التجدد، وروزنامتها، في دورة أزلية، لا تنتهي، كما أن القصيدة لا تفتأ ترفع “مشعلها” دائم الاتقاد، كلما انزاحت عاصفة عاتية، أو ذاب جليد جبار، كي ترسم قوس قزحها في الآفاق، قصيدة هي ترجمان روح الشاعر نفسه .
مدينة وماء الحياة الخالد
http://im28.gulfup.com/2012-03-19/1332141225961.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xcrr34smhpu5)
ما إن يذكر اسم القدس، حتى يكون لذبذبات حروف هذه المدينة وقعاً جد خاص، على المتلقي، حيث تتلقف أذناه أصداء الاسم، كي تستنفر الروح، والقلب، في آن، عبر صلاة خاصة، شأن أي مدينة موغلة في التقديس، وهي التي لما تزل تواصل نزفها،أمام أعين الأهلين، منذ ستة عقود ونيف، وحتى اللحظة .
حيث باتت مصفدة، منخعة، يعتدي المحتل “الإسرائيلي” على مافي خريطتها من معالم وعلامات مقدّسة، تستفزه، بتواريخها، ورائحة ماضيها، وهو ما يدفعه إلى أن يجد في اللغة التي تنطق بها أفواه الجرّافات، للإجهاز عليها، مادامت أنها بمثابة الكوابيس التي تؤرقه على امتداد دورة ساعة الوقت، يوماً وراء يوم، وأسبوعاً وراء أسبوع، وشهراً وراء شهر، وسنة وراء أخرى . مايزيد من قلق هذا الطارئ على المكان، طبق مؤامرة دولية، صنعت على إثرها خريطة المنطقة سايكسبيكياً، أو وفق وعد بلفوري، كي يكون المقدسي غريباً عن مكانه، كشقيق آخر، كان في أمرة القائد صلاح الدين الأيوبي، حيث طرد فلول الإفرنجة، ممن رسموا “خريطة طريقهم” ليمحوا لغة الضاد، بيد أن أحلامهم السوداء تلك، منيت بالهزيمة النكراء .
http://im28.gulfup.com/2012-03-19/133214122582.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xcrrk4xli0q8)
كانت القدس، في كل مرحلة من هاتيك المراحل، تقود عنان لحظتها، لا صوت يعلو فيها إلا تكبيرات الأذان ووقع أجراس الكنائس، وأهازيج الناس، وأغانيهم، وأناشيدهم، تصنع كلها سمفونية رائعة، تصاهر بين الأرض والسماء، وتشحن روح ابن المكان، أية كانت أرومته، مادام أن الصلاة للخالق تحلق به عالياً . . . عالياً، تختصر المسافة بين العبد وربه، ما يحفزه إلى أن يغسل أي دنس غريب، يستهدف هدأة المكان، وطمأنينة ابنه، في علاقة ترتقي إلى ذروتها، في ظل ضحكة البيارات، في ترجمتها المدهشة برتقالاً، ورائحة نعناع، وزعتر، وريحان، وكمثرى، وبابونج، زنابق، وياسمين، وجوري، وغير ذلك من معجم زينة المدن .
ولأن اسمها القدس، فقد كانت المدينة تئم سواها من المدن، في تناوب مع مدن قليلة أخرى، بل إن طائفة من المدن، في سلسلة عقدها، في قارات العالم، كلها، تأتي تتبرك بها، تقرأ الأمس، في ملامح وجهها، من دون أن تنال منها، هاتيك الجرافات الهمجية، أو القذائف التي تسلط على بعض بيوتاتها، كي تسويها بالأرض، في محاولة آيسة لمحو ابن المكان عينه، من دون جدوى، حيث ثمة وديعة لايزال الأب الفلسطيني، يسلمها لابنه، فيها مفاتيح المدينة، والبيت القديم العصي على الهدم، أنى كان، وهو عارف أنه لابد يعيد إلى المدينة ألق الأمس، كي تنوب عن شحوب اللحظة الكسيرة، في ظل مناشدات المدينة، لأهلها، عاصمة عاصمة، وإن كان يقينها يغفر لكل هؤلاء تصاممهم عن أصداء صوتها التي تثقب صمت الجهات المختلفة .
هي القدس، بهذا المعنى، أجل، في دفترها الكبير، أسماء بنيها واحداً واحداً، تعيد كلاً منهم إلى مدينته عينها، حتى وإن اختطفتهم مدينة ما، لا تتلكأ في فك حروفها، تسدل عليهم أجنحتها الكثيرة، والكسيرة، آخر كل ليلة، ولاتتردد عن أن تذكر لهم شهداء الروزنامة العتيدة، على امتداد شريط يوم أمس، نفسه، وإن كانت لا تنكر أنها تعيش على رائحة اليقين، تفوح من أسماء فاتحيها، منذ يوسف بن أيوب الهذباني، وحتى آخر شبل فلسطيني، مقدام، علّم العالم البسالة، ويرفض أن يطأ البوط العسكري أرضها الطاهرة، تعلق القدس صورته، في نسختين اثنتين، إحداهما في سلسلة عقدها، والأخرى على الحائط القديم، يدل عليه الهواء الافتراضي . والقدس العروس كما يشتهي الشاعر النوابيّ أن يصفها مجازاً، تمد يدها صوب الترانسستور القديم، الترانسستور الذي لاتزال تحتفظ به منذ عام ،1948 وحتى اللحظة، تفرك بإبهامها وسبابتها ووسطاها أذنه اليمنى، تطلب منه أين يحاكيها: أن حاكني أيها الحاكي، كي تروي له أن صفحة الروزنامة العربية لما تزل مفتوحة على ربيع بدأه أحد الأحفاد، ولاتزال ناره وقادة، حتى البرهة المعيشة، لتدندن على طريقتها، بكلمة لا يفتأ الشاعر نفسه يفهمها، وهو يرد عليها: أي أماه، من حقك أن تطلقي حزمة أسئلتك كي تمسح بعض الغبارعن اللغة، عساها تصل إلى مسامع الأهلين، ليعدوا بدورهم ربيعاً أضرب بنوه عن إضرام جذوة الأمل فيه، منذ أن بدأت فصول ربيع، لم تكن في البال . أسئلة العروس نفسها، تجمع نفسها، في صيغة رذاذ، يطلقه الترانسستور القديم الذي تملكه، كي تطرق مسامع الأبناء، أنى كانوا في مجاهل النأي، أو معالمها، فيقرؤها هؤلاء كل على طريقته، ليترجموها منتبهين، أن ساعة المكان تشير إلى موعد الانقلاب الكبير، في ذاكرة الفصل، واعداً بالاعتدال، وأشعة شمس مغتسلة بما تنثره الغيمات المطمئنة عليها، من ماء، ثم تفتح باب منزلها، تراقب مسار الاخضرار إلى المكان، وقرابين، وغربة، وغرباء .
العيد الأزلي للقصيدة
“إيهِ أيتها القصيدة الجميلة
ها أنت في كامل بهائك الآن
مرآتُك كل هذا الأفق
كل هذي السماوات
غيومك دائمة الهطل
تكتب نفسها
أشجاراً
ولازورداً
على صفحات البسيطة والبحار
كواكبك لاتزال في مداراتها
إيه ياقصيدة . . . إيه . .!
لكم من سرّ وسحر
في حبرك السرمدي
لايزال يضوىء اللحظة
وينثر رذاذ موسيقاك الحانية”
"مقطع من قصيدة لم تكتب لشاعر جوّال"
جاء قرارمنظمة اليونسكو في عام ،2000 ليكون اليوم الحادي والعشرون من مارس/آذار عيداً للشعر العالمي، دليلاً على مسائل كثيرة، في مقدمها أن الشعر ذو مكانة عالمية، وإنه ذلك الكائن السحري، المدهش، الذي لا يفتأ ترياقه يسقي الروح الإنسانية، دائمة الظمأ إليه، كيف لا؟ وهو حامل جذوة الحياة، منذ أول محاولة للإنسان كي يرتقي سلالم الفن، ويعبر عن حاله، على نحو مختلف .
وإذا كانت القواسم العامة، بين الناس، على امتداد بقعة خريطة العالم هي كثيرة، فإن الشعر ليحظو بمنزلة مهمة في سلم هذه القواسم المشتركة، جنباً إلى جنب مع الهواء، والرغيف، فهو معينٌ ثر لخلاصة الفن والوعي الإنسانيين، ولكم كان ملاذ الكائن البشري في مواجهة مصاعب لحظته، ودافعاً لتجاوز كل عقبة كأداء تحول دون تحقيق أحلامه، فهو الذي كان سفير الخير بين الناس، عامل وئام، وحب، ومفتاحاً تسلس له بوابات أصعب القلاع، والحصون، والقلوب، فما أكثر ما أوقفت قصيدة حرباً كانت ستتم بين جيشين عرمرمين، وما أكثر ما أججت قصيدة جذوة الحماس في قلب جيش ما، كي ينتصر على الجيش المقابل له، بل كم من المرات استطاعت القصيدة أن تجسر بين قلبي عاشقين، ما كان لهما أن يلتقيا، من دون الرسالة التي حملتها القصيدة بين ثناياها، فكانت جواز سفر في هذا الميدان . قصيدة الشاعر، ترجمة لروحه في أقصى آمادها الإنسانية، فهي غيمته الماطرة تروي صحراوات الظمأ، من خلال هطلها المدرار، وهي حدائقه التي لاتموت، بأزاهيرها، وفاكهتها، وأخضر أوراقها، وعبقها الفواح، وهو الإكسير الذي لابد منه للمرء أنى كان، وهو وديعة الإبداع الخالدة يتناقلها الشعراء، جيلاً بعد جيل، في كل مكان وزمان . على إيقاعها تهدهد الأم طفلها الجائع، أو الجريح، وعلى إيقاعها تنفتح نافذة الأمل في أي حصار يضرب هنا أو هناك، مادام الثائر يستظهرها أنى حل، وكأنه يشهر وميضها في وجه من يروم قتله، كي تقول له: إنني لمتشبث بالحياة، كما أنت متشبث بها، وإن الكرة الأرضية جدّ واسعة، وهي تتحمل أن نعيش على سطحها معاً، في أمان .
كما أن هناك الكثير مما يميز الشعر، عن سواه، من ضروب الفن والجمال، لأنه استطاع منذ بداية الوعي البشري، أن يطلق أسئلته الهائلة، العصية على الحصر، من دون أن ينفد البتة، بل إن كل سؤال جديد يطلقه، إنما يحيل بدوره إلى حزمة جديدة من الأسئلة المماثلة التي تقود الشاعر المبدع إليها، وهو يفتح نوافذه الكثيرة لاكتشافات الشعر الأزلية، هذه الاكتشافات التي تمحو الضغينة، وتنشر رسالة الحب، بين الناس، أينما كانوا، ليجعل من نفسه مواطناً عالمياً، يلهج بكل لغات الأرض، وينضح بأمل وألم أبناء هذه اللغات جميعاً، وهذه سمَتُه العظمى، وسمْتُه، لسبر المجاهيل، تنفتح سترها واحدة تلو أخرى، على ضوء نوسان دهشاته إلى اللانهاية .
شبكة هيولى الشعر، لا تربط بين صورة شعرية وأخرى، أو مفردة وأخرى ضمن حيز العبارة، في هذه القصيدة، فحسب، وإنما هي هيولى تربط بين كل قصائد الشعراء، مهما أحالت الجغرافيا بينهم، لأنها نتاج هيولى أوسع، تربط البشر كلهم، وكأننا -في نهاية المطاف- أمام قصيدة واحدة، يتناوب على كتابتها الشعراء، على اختلاف أسمائهم، وأحاسيسهم، وهمومهم، ورؤاهم، وألوانهم، وقاماتهم، ومواقعهم، مادامت نابعة عن يم الإبداع، متواشجة مع هم الإنسان، متبوصلة مع حلمه العظيم، دونما انفصال عن عراه .
وكما أن لكل شيء شبيهه، فإن للقصيدة -أيضاً- شبيهها، فهناك قصيدة ترتوي من ماء الحياة الخالد، وجبلة الحب، كما أن هناك قصيدة، تحاكيها، فتنهل من الماء الاصطناعي، وتجبل من التراب الاصطناعي نفسه، لأن شاعر القصيدة الأولى تكتبه قصيدته، بيد أن شاعرالقصيدة الثانية، إنما يكتب قصيدته، وشتان ما بين هاتين القصيدتين، كما أن سلسلة القصائد الشبيهة تتناسل، إلى لا نهاية، كي تنبت على الدمن، والمستنقعات، وتنبت عن الحياة، حتى وإن صقلها شاعرها، وألبسها الثياب الجميلة الزاهية، أو الفاقعة .
إن تلك القصيدة التي تباع، في المزادات المفتوحة، أو تلك التي تذهب في مدائحها الملفقة، بعيداً عن جمرالروح، وحاجات الناس والروح، يساوم عليها شاعرها، لتكون جواز سفر له، لمال، أو جاه، أو منزلة، أو غرض مرذول، موقوت، إنما هي إحدى القصائد الرخوية، الرخيصة، التي لا شأن لها، وتتحول إلى أنشوطة حول عنق صاحبها، تمحو اسمه من سجلات الشعراء الحقيقيين، حتى وإن أكل بعض هؤلاء خبزهم بها، بيد أن القصيدة الأبشع منها، هي تلك القصيدة التي تزور الحقيقة، وتتحول إلى أصيص على طاولة الطاغية، أو وسام على ياقة قميصه، أو صولجان في يده، فهي ليست سوى الطحلب في بحرالشعر، أو فايروس الهلاك في حديقة الجمال، ولا مكان لصاحبها، في كتاب التاريخ الخالد الذي جعلنا نحب أبا الطيب المتنبي وأبا تماماً أو إزرا باوند أو ت . س . إليوت . أو بوشكين، أو مايكوفسكي، أو حمزاتوف أو جكرخوين أو عبدالله كوران أو رياض الصالح الحسين أو محمود درويش، ونعد كل هؤلاء أفراد أسرتنا، مهما ابتعدوا أو اقتربوا منا زمكانياً، ماداموا قد وضعوا أصابعهم على منابع الإبداع، تتردّد أصداء قصائدهم في آذاننا، وكأنها قد كتبت للتو، أو كأن هؤلاء المبدعين ضمير هذه اللحظة نفسها، ولله درّ هؤلاء العمالقة العظام، وهم يكتشفون “ماء الحياة”، كي تنوب قصائدهم عنهم، نتعرف عليها، وهي تدخل بوابات قلوبنا، وترددها أفواه أبنائنا، وتدخل في متون كراريس الأكاديميات، والمدارس، يستظهرها الناس، ويصيرلها رواتها الذين يتباهون بحفظها .
ولعل القصيدة التي تخون وظيفتها، ورسالتها، اليوم، وهي تحتفل بعيدها، أنّ في هذا اليوم نفسه، ثمة مجازر مروعة مفتوحة، ترتكب أمام أعين القصيدة، بيد أننا حين نجدها تغض النظر عن الدماء التي تشخب، وصرخات الثكالى اللواتي يستبحن في هذه المجازر، هذه القصيدة لا تستحق أن يكون لها عيد، ما دامت أنها تخون مهمتها الرئيسة، إذ لا مهمة أقدس وأوجب أمام الشعر من أن يكون لسان حال المظلومين، بل وبئس تلك القصيدة التي تتأنق، وتضبط ربطة عنقها جيداً، وهي تمر بمثل هذه المجازر الوحشية، غير مبالية، وكأن ما يحدث أمام عينيها إنما هوعبارة عن صور هوليودية، لا أكثر .
القصيدة التي تهرع إلى المآدب، وتزهق وقتها بالثرثرة، واللغو، والزيف، والتزوير، لا أحد يحترمها، لا أحد يكترث بها، لا شأن لها، حتى وإن كتبت بماء الذهب، وعلقت على أطهر مكان، بيد أن تلك القصيدة المكتوية بلهب آلام البسطاء، والجياع، والمنكسرين، وتلهج بأسمائهم، وترهن نفسها لتكون لسان حالهم واحداً واحداً، أينما تمسرحوا على هذه الكرة الأرضية الصغيرة، فإنها بلا هوية، مواتها خيرلها من حياتها، إنها قصيدة ترثي نفسها، قصيدة تذهب إلى المقبرة لا إلى الحياة . وإذا كانت هناك قصيدتان، فإن هناك في الوقت نفسه شاعرين، شاعراً يكتب القصيدة التي تنبض بحب الناس، وشاعراً يكتب القصيدة التي لا تتقاطع مع متلقيها، في بعدي الحاضر والمستقبل معاً، فهو شاعر يحكم علة نفسه بالإعدام، ويزيل اسمه طوعاً من خريطة أسماء الشعراء، وهو لجدير بحق أن يرثي نفسه، وقصيدته . لأنه لم ينزل إلى الشارع، ولم يلتق الناس، ولم ينصت إلى أوجاعهم، ومطالبهم، بل ولم يتمكن من قراءة “دبيب الأرض” وهي تواصل دورتها، مرتبطة إلى مسارخط الزمان السائر إلى الأمام، بلا هوادة .
وحين ننظر إلى القصيدة والشاعر، على هذا النحو، فإننا نحملهما المسؤولية، في كل أثقالها، وحمولاتها، ليكونا ملتزمين، تجاه الغلابة، والمقهورين، والجياع، والثكالى، وهي التي بات عيدها مواكباً ليوم نوروز، حيث انفجار ينابيع الجبال، يذكر بانفجار ينابيعها في روح الشاعر، عبر أقنوم يؤدي إلى بياض الورقة، أو شاشة الكمبيوتر . وإذا كانت الطبيعة تدخل في دورتها الجديدة، ويشعل البطل كاوا النار في أعالي الجبال، بعد سقوط الطاغية الضحاك، في أعظم كرنفال أرضي، إيذاناً بربيع منشود، فإن دورة دماء الشعر دائمة التجدد، وروزنامتها، في دورة أزلية، لا تنتهي، كما أن القصيدة لا تفتأ ترفع “مشعلها” دائم الاتقاد، كلما انزاحت عاصفة عاتية، أو ذاب جليد جبار، كي ترسم قوس قزحها في الآفاق، قصيدة هي ترجمان روح الشاعر نفسه .