تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) فاتح المدرس يمحو أميّة الفن



رذاذ عبدالله
24 - 3 - 2012, 10:25 AM
فاتح المدرس يمحو أميّة الفن

تشكيلي بيئي قُتل والده أمامه




http://im12.gulfup.com/2012-03-24/1332570329501.jpg (http://www.gulfup.com/show/X19z08187tew)



تمر الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الفنان التشكيلي فاتح المدرس، في ظروف يعاني منها التشكيليون السوريون تكاد تعدم الحالة التي شكّلها على مدى خمسين عاما أمضاها في خدمة هذا الفن الراقي .

سيبقى كثيرون من عشاق الفن التشكيلي يصفون العام 1999 بأنه ليس فقط آخر أعوام القرن العشرين، بل هو آخر أعوام جهابذة الريشة التي تستخدم لصياغة العالم بصور، إنه العام الذي توفي فيه الفاتح والمدرس .

ولد فاتح المدرس في مدينة حلب في العام ،1922 وشهد منذ طفولته مقتل والده على يد عصبة من المستبدين الظالمين . كانت أمه فقيرة معدمة لا تقوى على شيء، فتكفلت إحدى عماته أمور تربيته . لكن بعد فترة من الوقت لم تستطع تلك العمة، التي لم تكن قد سمعت بشيء اسمه “فن”، أن تجاري خيال ابن أخيها فضجت منه وأعادته إلى أمه التي كانت تقاوم الموت يوميا في سبيل تربية أولادها .

جاهدت الأم وناضلت حتى وفرت التعليم لكل أولادها ومنهم فاتح، ولاحظت ميوله الفنية التي أخرجته من بيت عمته فسعت إلى تنميتها، فكان لها أثر كبير في حياة فاتح وهذا ما ظهر في عدد من لوحاته .

درس فاتح الفنون واللغة الإنكليزية في حلب ومدينة عالية اللبنانية التي كانت سورية لبنانية في ذلك الأوان، وشارك في العام 1947 في معرض للفنانين العرب أقيم في “بيت مرّي” ثم في المعرض الأول للفنانين التشكيليين في مدرسة التجهيز الأولى في دمشق، وتمكن في العام 1950 من مقارعة كل الظروف القاهرة، فنظّم المعرض الأول لأعماله في نادي اللواء في مدينة حلب .

في العام 1952 شهد الربيع أهم تجربة لفاتح، ففيه شارك في معرضين أحدهما في الولايات المتحدة الأمريكية والثاني في السويد، لكن الحدث المميز له أكثر من سواه، كان في فوز لوحته “كفر جنة” بجائزة المعرض الثالث للفنون التشكيلية في المتحف الوطني في دمشق، وتلك اللوحة تعتبر حتى اليوم فاتحة اتجاهات الحداثة في الفن التشكيلي السوري .

في العام 1954 سافر إلى إيطاليا فدرس هناك على مدى ست سنوات في أكاديمية الفنون الجميلة، وبعد عودته إلى سوريا أسندت إليه مهمة التدريس في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق وظل فيها حتى العام 1969 .

كتب الشعر وألف ديوانين، وخلال إقامته في باريس لدراسة الفنون في الأكاديمية الفرنسية، تعرف إلى الأديب الفرنسي الكبير “جان بول سارتر” الذي قام بدوره بترجمة بعض من شعر فاتح إلى الفرنسية .

يقسّم النقاد في سوريا والوطن العربي وحتى في بلدان الغرب، اتجاهات فاتح المدرس الفنية إلى ثلاثة أقسام .

أولها، إبداعاته التشكيلية التي يتفق الجميع على تقديرها، حتى لو اختلفت سوية تقبلها وفهمها . وثانيها، ريادة فاتح، كفنان معلم، لمفاهيم الحداثة في الفن التشكيلي المرتبطة بالتاريخ والجغرافية العربيين، كما هي مرتبطة بالعصر الراهن .

وثالثها، دور فاتح المؤثر في الحياة الثقافية حيث أسهم في إكساب الفن التشكيلي ومفاهيم الحداثة، الاحترام ضمن مجتمع لا يزال سواده الأعظم ضعيف الصلة بهذا الفن .

يقول فاتح المدرس في مقابلة صحفية أجريت معه في سوريا أواخر السبعينات، “إن اعتبار البيئة المحلية مصدراً أساسياً لعمل الفنان التشكيلي يؤكد حضور لوحاته القوي في تلك البيئة” .

القارئ لذلك التصريح الصريح، إذا تابع لوحات المدرس سيجد أنه كان يتحدث عن واقع بعينه، فمن يرى لوحته “كفر جنة” التي رسمها غربي حلب، سيتأكد أنه أمام فنان بيئي بكل معنى الكلمة . لا يقتصر المدرس في لوحاته البيئية على كفر جنة التي كانت الأشهر، بل يتعدى ذلك إلى لوحات تؤكد أسماؤها أنها منتمية إلى بيئة معينة، ومن ذلك لوحات “صلاة البادية السورية، نساء من بقّين، قصص الجبال الشامخة، من الشمال السوري، وادي بردى، مرتفعات بلودان، التدمريون، فتيات تدمريات” وغيرها .

حوّل فاتح المدرس مرسمه الشهير في شارع ميسلون في دمشق إلى ثورة استقطاب للمفكرين والكتّاب والمبدعين لعقود من الزمن، وهذا ما ساعده على تكريس حضوره الثقافي الشخصي، واطلاعه على ما أبدعه كبار أهل الفكر في العالم .

لا يجوز نسيان المناصب التي تقلدها المدرس في حياته في بلده سوريا، مثل انتخابه نقيباً للفنون الجميلة في البلاد، ولسنوات طويلة، وفي الوقت ذاته كان مدرساً في كلية الفنون الجميلة، كما عمل أستاذاً في قسم الدراسات العليا فيها، وأسهم في توجيه عقول الشبان إلى إطلاق حرياتهم الإبداعية والبحث في التراث المحلي والموروث الإبداعي .

اشتهر فاتح بأنه كان من أكثر الفنانين التشكيليين، ربما في العالم، الذي يتخلى عن لوحاته بسهولة، فهو اعتاد إهداء لوحاته لأصدقائه بمجرد أن يعبر صديق عن إعجابه بلوحة ما، بالطبع عدا اللوحات التي كان يحاكي فيها أمه صاحبة الأثر الكبير في إطلاقه إلى حياة الفن الخالد .

يقال عنه إنه نشأ في بيئة تجهل الفن التشكيلي ولكنه استطاع ان يمحو أمية الفن ويحرره من الجهل والتخلف .