رذاذ عبدالله
17 - 7 - 2012, 06:27 PM
سالم بوجمهور يلتف في خيط دخان
قراءة في مجموعته "رسام الأميرة"
http://im21.gulfup.com/2012-07-17/1342535177791.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xs40leglef5coo)
http://im21.gulfup.com/2012-07-17/1342535177382.jpg (http://www.gulfup.com/show/X11hcsjc908qsgk)
الشاعر أي شاعر رسام بالكلمة ودلالاتها، ورسم الصورة بالكلمة مهمة عسيرة، فهي تثير خيال المتلقي وتنقله خلال “الزمكان” ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وإذا كانت اللوحة تتمظهر من خلال الألوان، ويتم التلقي بصرياً من خلال ما يبثه الرسام من جمل لونية في فضائها، فالشاعر بوصفه رسام لوحته القصيدة وهذه القصيدة تحمل كينونتها من خلال الجمل الشعرية التي تحصر بين ثناياها أحاسيس الشاعر ومعاناته، فهي تستحق أن تكون (القصيدة - الأميرة)، لذا فالشاعر حين يدخل في حوار رشيق بينه وبين أميرته (القصيدة)، يكون الحوار صدى لما يعتمل في صدره أثناء عملية الخلق والإبداع، فالقصيدة لوحة مترعة بالجمال، وجمال اللوحة يمتزج فيه الصوت والألوان وتحفُّه الحركة والموسيقا .
تلك عتبة أولية للدخول في مناخات الشاعر الإماراتي سالم بوجمهور في مجموعته الجديدة “رسام الأميرة” .
يقول: “لا تَقنعي بالرَّسْمِ حَتّى تَسْمَعي
صوتَ الجَمالِ يَسيلُ مِنْ فِرشاتي
لَنْ يَرتقي بالفنِّ فَنٌّ صامِتٌ
لا يخلطُ الألوانَ بالأصواتِ”
الشاعر لا يرسم أحلام يقظته (خيالاته) فقط بل يرسم أحلامه الحقيقية أو ما ينبجس في مجاهل اللاشعور، وإذا كانت لغة الأحلام تعتمد التكثيف وتتوسل اللغة الكنائية بحسب “جاك لاكان” فاللغة الشعرية تتوسل اللغة الاستعارية، وبالتالي سيكون المحصل الشعري محصلاً خصباً يغرف منهما ويضم إليه كلا اللغتين، وحين تسأله القصيدة:
* هلْ تُرسَمُ الأحلامُ دُونَ رِوايةٍ
فيجيبها أن المشاعر الإنسانية والوجوه البشرية هم رواته، لذا فالقصيدة لدى الشاعر كما يصفها تمثل لوحة تنبجس من خلالها أحلام الخلق، والقصيدة ضاجة بأصوات الأشجار والظلال وتذيع لغة الشمس والأطيار أي أن القصيدة لدى بوجمهور تمثل لقطات سينمائية تنطوي على صور عجائبية وأصوات:
“إنَّ المشاعرَ والوُجوهَ رُواتي
كمْ صَوَّرَ الفنانَ أحلامَ الوَرى
وأذاعَ صوتَ الشمسِ والغاباتِ”
الشاعر بوصفه مبدع القصيدة ومنتجها إنما يأتي بها أو تأتي إليه من المجهول، كما أن عملية الانتاج هذه عملية ولادة حقيقية، ولأن الطريق من الشاعر إلى القصيدة هو الطريق ذاته من القصيدة إلى الشاعر، هنالك ألفة ما بينهما، هنالك حبل سري بين الشاعر والقصيدة يشدهما إلى بعضهما البعض، ودائماً ما تأتي القصيدة على هيئة مختلفة، لذا فهي تتدلل على الشاعر وكأنها حبيبته فهي تطلب أن يغيّر في هيئتها، وفي زينتها وتطالبه بتغيير هنا أو إضافة هناك لتبدو على أحسن مايرام:
يقول بو جمهور:
“أبْدَعْتَني، أخْرَجْتَني مَنْ غَفْوَتي
أدْخَلْتَ ظَلَّ الشَّمْعِ في غاياتي!
عفْواً، هُنا غَيِّرْ حُروَفَ قِلادَتي
واحْجُبْ هُنا بالشَّالِ بَعْضَ صِفاتي”
عند الشاعر (سالم بو جمهور) يرتبط الشعر بالحكمة، لكنها الحكمة المرتبطة بالحرية، فالكلمة صنو الحرية، تلك التي تدعو لأن يعيش الإنسان حراً . ففي نص(لَقاءٌ مَع مجنون) نقرأ حواراً بين الشاعر وشخص مجنون يلتف بنفسه على خيط دخان، ويحاول أن يجذبه وكأن الخيط سلمّ يريد أن يصعد به إلى السماء حيث الكواكب والمجرات، يمثل هذا المجنون مرآة الشاعر وما يختبئ في داخله، إنه انبجاس اللاشعور لتعويم رغباته المدفونة:
“يلتفُّ في خَيطِ الدُّخانِ ويَجْذِبُ
وأراهُ ينْأى بالجُنونِ ويَقرُبُ
عَنّفْتُهُ: ماذا دَهاكَ لِتَرتقي
هذا الجُنونَ؟
فقالَ:
ذاك الكوكبُ!”
لكن الشاعر يرى ما يفعله المجنون وما يقوله شيء غير معقول، فأنى لخيط دخان أن يوصل إلى كوكب، وكيف له أن يرتقيه سلماً كي يصل إلى عنان السماء، إذاً فالمجنون يعيش في خيالاته والشاعر متعجب من هذه الخيالات، وبالتالي نجد صراعاً بين العقل والمخيلة، إنه صراع بين الواقعي والخيالي:
“هذا جُنونٌ لا يُحقّقُ غايةً
سُخْفٌ تعارضُهُ العُقولُ وتَشْجُبُ
خيطٌ دُخانيٌّ تَموّجَ صاعداً
مُتلاشياً ما كانَ حَبلاً يُسْحَبُ
ما كانَ للأفلاك يوماً سُلَّما
مهما يُداعِبنا الجُنونُ ويكْذِبُ”
ولكن للمجنون فلسفته الخاصة، وله مقاييسه التي تتحرر من قوانين الانسان الوضعية القاهرة، فهو يأبى أن تلعب به الحياة مثلما يلعب النهر بدمية أنى يشاء، ولا يريد أن يسيَّر ويساق ويعيش عيشة الطحالب، بل يريد حياة يعيشها كما يريدها هو وليس كما يريدها الآخرون، إن المجنون يعي ما يفعل بل هو أعقل من العقلاء أنفسهم لذا لايفهمه الآخرون، فهو خارج التأطير والنمطية، لذا فهو مجنون بالنسبة لمن يريد الإذعان والعيش لعبة بيد الآخرين:
“إنِّي أُحاولُ أن أحقِّقَ فِكْرةً
أسعى ورغمَ المعجزاتِ أجرّبُ
هل أنت مثلي لا تُساقُ كَدُميةٍ
يجري بها نَهْرُ الحياةِ ويَلْعَبُ؟!
أمْ أنت في نهر الحياةِ مسيرٌ
تحيا كما يحيا هناك الطُحْلُبُ”
إن هذه الأسئلة لا يسألها مجنون بل حكيم، لكن الشاعر بوصفه إنساناً ينتصر للمجنون حيث وجده عاقلاً بل ويشجعه على تمرده فهو يبحث عن حريته ويرغب حياة لا مكان للآخرين كي يتدخلوا فيها، المجنون يمثل مرآة الشاعر، بل يمثل ما هو مقموع ومكبوت في داخله، إن الشاعر يجد رغبة بتقليد هذا المجنون فهو مثله يكره المتقنعين والمتأرنبين والخائفين:
يقول بوجمهور:
“كُنْ أيُّها المجنونُ آخرَ عاقلٍ
في الأرض،لا تَدَع الجُنونَ فَتُصلبُ
واستوطنِ الخَلَواتِ، صادقْ ظلَّةً
عَن دَرْبِكَ الشّوْكيِّ لا تَتَغيَّبُ
ما حايَدَتْ يوْما كَمَنْ قدْ حايدوا
وتَقَنَعوا كيْ يقْنعوا وتأرنَبوا!”
في نص (غزل) يرتبط الموت عند بوجمهور في لاشعور الشاعر بثالوث (الخوف والحلم والأمل)، وتبدو المنيّة مثل امرأة متغنجة تمشي بلا حياء ولا خجل، ولكن هذه المرأة القاهرة كيف يمكن مقاومتها بوصفها سحراً وقدراً يهابه الليل والعمر ومسارب الحياة، فالموت حق لا ندري متى يحق استيفاؤه منا ولا نعرف متى يزورنا:
“في هُوَّةِ الموتِ في أحشائِهِ نزَلا
يُلاحِقُ الخوفَ والأحلامَ والأملا
جاءَتْ إلى دَربهِ تمشي مُثَرْثِرَةً
تُطَقْطِقُ المَشيَ لا خوفاً ولا خجلاً
في صدرها الموتُ قدْ لاحتْ قلائدُهُ
تهَدَّدُ الليلَ والأعمارَ والسُبُلا”
إن الموت هاوية سنسقط فيها عاجلاً أو آجلاً، لكن روح الشاعر لا تخاف سيدة الموت بل تمتلك من الشجاعة ما تطالبه بأن يطبق على صدرها كي لا يفوته الأجلُ، وإذا كانت المنية عمياء وغير معنية بما يحيطنا فهي تدوس على ظلالنا وتمحيها غير عابئة بأرواحنا وأجسادنا، لكن لدى سالم بوجمهور دفاعاته النفسية التي يواجه بها هذه السيدة المتغطرسة، فهو مسلح بقوى خفية تكبح سطوة الموت وتقلل من آثاره، وهذه القوى كامنة وغير منظور في داخله ومنها ما في قلبه من موسيقا وأغان تعد معادلاً مضارعاً لما سيفرضه الموت من سكون، وإذا استطاعت المنية أن توقف حركة القلب فأشواقه ستبقى مدندنة لا يمكن إسكاتها:
“داسَتْ على ظلَّهِ الممدودِ والتَفَتَتْ
كأنَّها لا ترى روحاً ولا رجُلا
فقالت الروحُ: لا تنظر لها هلعاً
أطبقْ على صدرها لا تفلت الأجلا
أصْغي إلى القلبِ والأشواقِ في دمه
فَدندنَ القلبُ موسيقاهُ والزَّجَلا”
إن مواجهة المنية ومبادرتها بكل قوة وشجاعة إنما هو عملية تشاكل الجنس، فالجنس هو الوحيد الذي يحرم الموت من استكمال شهوته وفرحه في الانقضاض على المخلوقات، الجنس عملية مقدسة تثير حنق الموت، لذا فشظايا الشاعر ستتحول إلى حيوات أخرى تمشي على أرض الله، وستضيف ظلالاً أخرى متناسلة من ظله، وكأن الشاعر قد انتصر على المنية رغم ابتلاعها لظلهِ، إن ظلَّ الشاعر صار بطلاً بعد خروجه من هذه المعركة منتصراً، فموت الشاعر أضحى انتصاراً ورمزاً وأيقونة:
“لم يلمحِ الخوفَ في دَبّابةٍ زَحَفتْ
كأنَّهُ في هواها مارسَ الغزَلا
شظّى شظاياهُ في أعماقها حِمما
وَلَمْ يَزَلْ ظَّلهُ في أرضهِ بَطَلا”
في نص (الحلم الأسير) نقرأ في التركيب الشعري عند سالم بوجمهور شيزوفرينيا مرعبة وكيف تكون أحلام الفقراء مكلفة، فحلم الحرية يتحول إلى جناية، ولأن الحرية لا تعطى في بلداننا المنكوبة، فلا بد من أخذها حتى ولو بالسرقة فما أجمل أن تسرق حقك من اللصوص!:
“في دَهشةِ الحُلمِ الأسير
سَرَقَ الفقيرُ حمامةً
ما كان يَنوي بَيعَها
ما كان ينوي أكْلَها
بلْ كان يحلمُ أنْ تَطيرْ”
“لكن اللصوص ليسوا بهذه السذاجة فلديهم القانون الذي فصلوه على مقاسهم، فعندما يريد الفقير أن يسترجع حقه يتحول إلى لص .
يقول بوجمهور:
“قد كان يحلُمُ أن يرى تحليقَها
فيرى عَنِ التحريرِ
تعبيراً مُثير!!
سَرَقَ الفقيرُ حمامةً
وبسرعةٍ
قطعوا يَدَهْ”
ولكن عندما يسرق الزعيم بلداً فهوى بمنجى عن القانون وعلى الرعية أن ترفعه على رأسها بحجة أنه رمز للعزة والكرامة، إنه الفصام الذي يصبح فيه القانون بشخصيتين متناقضتين وبدلاً من أن يكون فيصلاً عادلاً يتحول إلى آلة رعب تنكل بالفقراء وتضيف قوة للأقوياء:
“سَرَقَ الزعيمُ بِلادَهُم
وبَعَزَّةٍ وكرامةٍ
رَفَعوا على رأسِ الرعايا مَقعَدَهْ”
في نص آخر بعنوان (وَجْهُ فُلان) يتكلم سالم بوجمهور عن الأقنعة المختلفة، وبالرغم مما نعرفه عن الأقنعة بوصفها وسيلة للتنكر وإخفاء الشخصية الحقيقية لمن يلبسها ولكن الشاعر هنا في نصه هذا الذي يحمل عتبة استنكارية (وَجْهُ فُلان)، قد يكون وجه قرد أو قط أو ربما وجه فارس أو طفل أو حتى زعيم، كل الأقنعة طبيعية وممتعة، ولكن أن تتنكر لتكون زعيماً سيكون شيئاً مختلفاً ومثيراً، فحين يلبس الشاعر قناع الزعيم ما الذي سيراه:
“يا إلهي
أيها البائعُ مهْلاً
أين أنتَ؟!
يا إلهي،،
غابتِ الناسُ
وغاب الشارعُ!
لا أرى إلا سماءً ضائعةْ!!
أينَ غابَ البائعُ الجَوّال؟
والسوقُ؟
وسورُ الجامعةْ؟”
يرسم سالم بوجمهور لوحة سريالية فهي بالرغم من لا واقعيتها إلا أنها تدخل ضمن الواقعية السحرية، فكل شيء يتحول إلى شيء آخر بمجرد أن يكون الناظر إليه زعيماً، فالبائع يصبح شيئاً آخر والناس والشوارع والسوق والجامعة، كل شيء يغدو بلا ملامح وكأنه سماء ضائعة، ليس هذا فقط، فالشاعر يصور لنا غياب الوطن بمن فيه من ناس والشاعر بضمنهم طبعاً، إن قناع الزعيم شيء مريع فكل شيء أمامه يغادر حقيقته ليلبس حقيقة أخرى، وكأن من يلبس القناع الأشياء وليس الشاعر:
“يا إلهي،
أين غابَ الوطنُ؟!
إنهُ كانَ هُنا
وأنا كُنتُ مَعَهْ”
الشاعر حين يرى أن القناع يزعزع قناعاته ويخرب الأشياء يقررخلع القناع لأنه ظالمٌ، فالقناع يخلع الدنيا من حقيقتها وتفقد الأشياء هويتها وفطرتها، إنها دعوة لكي ينظر الجميع للأشياء خارج إطار العناوين والمسميات التي نلبسها:
“ظالمٌ هذا القناع
خَلَعَ الدُّنيا من الدُّنيا نهاراً!!
آن لي أنْ أخلَعَهْ!”
في نص (طريقة الطلاسم) يعمد بوجمهور إلى الصيغة ذاتها في بناء نصوصه وهي صيغة الحوار، ويكون إما ثنائياً كما في بعض النصوص أعلاه، أو يكون جماعياً كما في هذا النص، ويبتدئ نصه بمقدمة تنطوي على صورة جميلة حيث يشبه الليل وهوينفث الضباب كراهب زنجي بيده مبخرة يوزع منها البخور على الحاضرين، وهنا سيغرق الليل في القصص الجميلة والضباب:
“نفث الظلامُ ضَبابَهُ
كالراهبِ الزّنجيَّ بثَّ بَخورَهُ
فتماوجتْ قصصُ الضبابةَ والظلام
قِصَصاً على قِصَصٍ
كأنَّ الليلَ بينهما غريقْ”
لابد من التلميح والإشارة إلى أن شاعرية سالم بوجمهور هي شاعرية تتوسل الميزان العروضي وبحوره بكل عفوية وقدرة في شعرنة الحياتي واليومي، شعرنة السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وفاحصة، القدرة الفنية في تطويع العروض لقول كل شيء هي قدرة غير عادية لدى الشاعر، فالقدرة النظمية موهبة لا تتأتى للجميع، ولكن النظم لا يخلو من الشعر في كل التفاصيل، فالشاعر يعي جيداً ما النظم وما الشعر، لذا فهو يمشي على حافة صعبة . . أي عدول عنها سيوقعه في التقريرية واللاشعرية، التوصيل في بعض الأحيان يتطلب بعض التقريرية، ولكن الشعر عليه أن يستعين بالبلاغة وفنونها، وقد وجدنا لدى الشاعر قدرة في إضفاء دلالات متنوعة في قصائده لتجنيبها مأزق التقريرية، وهو قد نجح في قصائده في الجمع بين النظم وبين الانزياح، وتبقى قدرة الشاعر في استثمار المنولوغات والديالوغات في مستويات الحوار سمة بارزة في بناء النصوص، كما أن الثيمات التي يتوسلها الشاعر هي ثيمات حياتية بامتياز كالمدرسة والبيئة ممثلة بالشارع والأصدقاء، كما أن بوجمهور يشعرن بعض الظواهر التي يعج بها المجتمع من كذب ونفاق أو ما يفتقر إليه المجتمع من عدالة ومحبة وعدم تهميش، وكذلك قضايا الكون أو قضايا أنطولوجية مثل الموت والحياة أو بعض القصص التي يجدها مختلفة وتستحق الكتابة عنها لتكون علامة ولتفيض حكمة ومغزى، كل ذلك ويزيد هو ما ينطوي عليه ديوان “رسام الأميرة” لسالم بو جمهور ما يساعد التلقي لكي يكتب نصه المحايث من أوجه عدة وبقراءات مختلفة نأمل بأن تكون قراءتنا هذه واحدة منها .
قراءة في مجموعته "رسام الأميرة"
http://im21.gulfup.com/2012-07-17/1342535177791.jpg (http://www.gulfup.com/show/Xs40leglef5coo)
http://im21.gulfup.com/2012-07-17/1342535177382.jpg (http://www.gulfup.com/show/X11hcsjc908qsgk)
الشاعر أي شاعر رسام بالكلمة ودلالاتها، ورسم الصورة بالكلمة مهمة عسيرة، فهي تثير خيال المتلقي وتنقله خلال “الزمكان” ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وإذا كانت اللوحة تتمظهر من خلال الألوان، ويتم التلقي بصرياً من خلال ما يبثه الرسام من جمل لونية في فضائها، فالشاعر بوصفه رسام لوحته القصيدة وهذه القصيدة تحمل كينونتها من خلال الجمل الشعرية التي تحصر بين ثناياها أحاسيس الشاعر ومعاناته، فهي تستحق أن تكون (القصيدة - الأميرة)، لذا فالشاعر حين يدخل في حوار رشيق بينه وبين أميرته (القصيدة)، يكون الحوار صدى لما يعتمل في صدره أثناء عملية الخلق والإبداع، فالقصيدة لوحة مترعة بالجمال، وجمال اللوحة يمتزج فيه الصوت والألوان وتحفُّه الحركة والموسيقا .
تلك عتبة أولية للدخول في مناخات الشاعر الإماراتي سالم بوجمهور في مجموعته الجديدة “رسام الأميرة” .
يقول: “لا تَقنعي بالرَّسْمِ حَتّى تَسْمَعي
صوتَ الجَمالِ يَسيلُ مِنْ فِرشاتي
لَنْ يَرتقي بالفنِّ فَنٌّ صامِتٌ
لا يخلطُ الألوانَ بالأصواتِ”
الشاعر لا يرسم أحلام يقظته (خيالاته) فقط بل يرسم أحلامه الحقيقية أو ما ينبجس في مجاهل اللاشعور، وإذا كانت لغة الأحلام تعتمد التكثيف وتتوسل اللغة الكنائية بحسب “جاك لاكان” فاللغة الشعرية تتوسل اللغة الاستعارية، وبالتالي سيكون المحصل الشعري محصلاً خصباً يغرف منهما ويضم إليه كلا اللغتين، وحين تسأله القصيدة:
* هلْ تُرسَمُ الأحلامُ دُونَ رِوايةٍ
فيجيبها أن المشاعر الإنسانية والوجوه البشرية هم رواته، لذا فالقصيدة لدى الشاعر كما يصفها تمثل لوحة تنبجس من خلالها أحلام الخلق، والقصيدة ضاجة بأصوات الأشجار والظلال وتذيع لغة الشمس والأطيار أي أن القصيدة لدى بوجمهور تمثل لقطات سينمائية تنطوي على صور عجائبية وأصوات:
“إنَّ المشاعرَ والوُجوهَ رُواتي
كمْ صَوَّرَ الفنانَ أحلامَ الوَرى
وأذاعَ صوتَ الشمسِ والغاباتِ”
الشاعر بوصفه مبدع القصيدة ومنتجها إنما يأتي بها أو تأتي إليه من المجهول، كما أن عملية الانتاج هذه عملية ولادة حقيقية، ولأن الطريق من الشاعر إلى القصيدة هو الطريق ذاته من القصيدة إلى الشاعر، هنالك ألفة ما بينهما، هنالك حبل سري بين الشاعر والقصيدة يشدهما إلى بعضهما البعض، ودائماً ما تأتي القصيدة على هيئة مختلفة، لذا فهي تتدلل على الشاعر وكأنها حبيبته فهي تطلب أن يغيّر في هيئتها، وفي زينتها وتطالبه بتغيير هنا أو إضافة هناك لتبدو على أحسن مايرام:
يقول بو جمهور:
“أبْدَعْتَني، أخْرَجْتَني مَنْ غَفْوَتي
أدْخَلْتَ ظَلَّ الشَّمْعِ في غاياتي!
عفْواً، هُنا غَيِّرْ حُروَفَ قِلادَتي
واحْجُبْ هُنا بالشَّالِ بَعْضَ صِفاتي”
عند الشاعر (سالم بو جمهور) يرتبط الشعر بالحكمة، لكنها الحكمة المرتبطة بالحرية، فالكلمة صنو الحرية، تلك التي تدعو لأن يعيش الإنسان حراً . ففي نص(لَقاءٌ مَع مجنون) نقرأ حواراً بين الشاعر وشخص مجنون يلتف بنفسه على خيط دخان، ويحاول أن يجذبه وكأن الخيط سلمّ يريد أن يصعد به إلى السماء حيث الكواكب والمجرات، يمثل هذا المجنون مرآة الشاعر وما يختبئ في داخله، إنه انبجاس اللاشعور لتعويم رغباته المدفونة:
“يلتفُّ في خَيطِ الدُّخانِ ويَجْذِبُ
وأراهُ ينْأى بالجُنونِ ويَقرُبُ
عَنّفْتُهُ: ماذا دَهاكَ لِتَرتقي
هذا الجُنونَ؟
فقالَ:
ذاك الكوكبُ!”
لكن الشاعر يرى ما يفعله المجنون وما يقوله شيء غير معقول، فأنى لخيط دخان أن يوصل إلى كوكب، وكيف له أن يرتقيه سلماً كي يصل إلى عنان السماء، إذاً فالمجنون يعيش في خيالاته والشاعر متعجب من هذه الخيالات، وبالتالي نجد صراعاً بين العقل والمخيلة، إنه صراع بين الواقعي والخيالي:
“هذا جُنونٌ لا يُحقّقُ غايةً
سُخْفٌ تعارضُهُ العُقولُ وتَشْجُبُ
خيطٌ دُخانيٌّ تَموّجَ صاعداً
مُتلاشياً ما كانَ حَبلاً يُسْحَبُ
ما كانَ للأفلاك يوماً سُلَّما
مهما يُداعِبنا الجُنونُ ويكْذِبُ”
ولكن للمجنون فلسفته الخاصة، وله مقاييسه التي تتحرر من قوانين الانسان الوضعية القاهرة، فهو يأبى أن تلعب به الحياة مثلما يلعب النهر بدمية أنى يشاء، ولا يريد أن يسيَّر ويساق ويعيش عيشة الطحالب، بل يريد حياة يعيشها كما يريدها هو وليس كما يريدها الآخرون، إن المجنون يعي ما يفعل بل هو أعقل من العقلاء أنفسهم لذا لايفهمه الآخرون، فهو خارج التأطير والنمطية، لذا فهو مجنون بالنسبة لمن يريد الإذعان والعيش لعبة بيد الآخرين:
“إنِّي أُحاولُ أن أحقِّقَ فِكْرةً
أسعى ورغمَ المعجزاتِ أجرّبُ
هل أنت مثلي لا تُساقُ كَدُميةٍ
يجري بها نَهْرُ الحياةِ ويَلْعَبُ؟!
أمْ أنت في نهر الحياةِ مسيرٌ
تحيا كما يحيا هناك الطُحْلُبُ”
إن هذه الأسئلة لا يسألها مجنون بل حكيم، لكن الشاعر بوصفه إنساناً ينتصر للمجنون حيث وجده عاقلاً بل ويشجعه على تمرده فهو يبحث عن حريته ويرغب حياة لا مكان للآخرين كي يتدخلوا فيها، المجنون يمثل مرآة الشاعر، بل يمثل ما هو مقموع ومكبوت في داخله، إن الشاعر يجد رغبة بتقليد هذا المجنون فهو مثله يكره المتقنعين والمتأرنبين والخائفين:
يقول بوجمهور:
“كُنْ أيُّها المجنونُ آخرَ عاقلٍ
في الأرض،لا تَدَع الجُنونَ فَتُصلبُ
واستوطنِ الخَلَواتِ، صادقْ ظلَّةً
عَن دَرْبِكَ الشّوْكيِّ لا تَتَغيَّبُ
ما حايَدَتْ يوْما كَمَنْ قدْ حايدوا
وتَقَنَعوا كيْ يقْنعوا وتأرنَبوا!”
في نص (غزل) يرتبط الموت عند بوجمهور في لاشعور الشاعر بثالوث (الخوف والحلم والأمل)، وتبدو المنيّة مثل امرأة متغنجة تمشي بلا حياء ولا خجل، ولكن هذه المرأة القاهرة كيف يمكن مقاومتها بوصفها سحراً وقدراً يهابه الليل والعمر ومسارب الحياة، فالموت حق لا ندري متى يحق استيفاؤه منا ولا نعرف متى يزورنا:
“في هُوَّةِ الموتِ في أحشائِهِ نزَلا
يُلاحِقُ الخوفَ والأحلامَ والأملا
جاءَتْ إلى دَربهِ تمشي مُثَرْثِرَةً
تُطَقْطِقُ المَشيَ لا خوفاً ولا خجلاً
في صدرها الموتُ قدْ لاحتْ قلائدُهُ
تهَدَّدُ الليلَ والأعمارَ والسُبُلا”
إن الموت هاوية سنسقط فيها عاجلاً أو آجلاً، لكن روح الشاعر لا تخاف سيدة الموت بل تمتلك من الشجاعة ما تطالبه بأن يطبق على صدرها كي لا يفوته الأجلُ، وإذا كانت المنية عمياء وغير معنية بما يحيطنا فهي تدوس على ظلالنا وتمحيها غير عابئة بأرواحنا وأجسادنا، لكن لدى سالم بوجمهور دفاعاته النفسية التي يواجه بها هذه السيدة المتغطرسة، فهو مسلح بقوى خفية تكبح سطوة الموت وتقلل من آثاره، وهذه القوى كامنة وغير منظور في داخله ومنها ما في قلبه من موسيقا وأغان تعد معادلاً مضارعاً لما سيفرضه الموت من سكون، وإذا استطاعت المنية أن توقف حركة القلب فأشواقه ستبقى مدندنة لا يمكن إسكاتها:
“داسَتْ على ظلَّهِ الممدودِ والتَفَتَتْ
كأنَّها لا ترى روحاً ولا رجُلا
فقالت الروحُ: لا تنظر لها هلعاً
أطبقْ على صدرها لا تفلت الأجلا
أصْغي إلى القلبِ والأشواقِ في دمه
فَدندنَ القلبُ موسيقاهُ والزَّجَلا”
إن مواجهة المنية ومبادرتها بكل قوة وشجاعة إنما هو عملية تشاكل الجنس، فالجنس هو الوحيد الذي يحرم الموت من استكمال شهوته وفرحه في الانقضاض على المخلوقات، الجنس عملية مقدسة تثير حنق الموت، لذا فشظايا الشاعر ستتحول إلى حيوات أخرى تمشي على أرض الله، وستضيف ظلالاً أخرى متناسلة من ظله، وكأن الشاعر قد انتصر على المنية رغم ابتلاعها لظلهِ، إن ظلَّ الشاعر صار بطلاً بعد خروجه من هذه المعركة منتصراً، فموت الشاعر أضحى انتصاراً ورمزاً وأيقونة:
“لم يلمحِ الخوفَ في دَبّابةٍ زَحَفتْ
كأنَّهُ في هواها مارسَ الغزَلا
شظّى شظاياهُ في أعماقها حِمما
وَلَمْ يَزَلْ ظَّلهُ في أرضهِ بَطَلا”
في نص (الحلم الأسير) نقرأ في التركيب الشعري عند سالم بوجمهور شيزوفرينيا مرعبة وكيف تكون أحلام الفقراء مكلفة، فحلم الحرية يتحول إلى جناية، ولأن الحرية لا تعطى في بلداننا المنكوبة، فلا بد من أخذها حتى ولو بالسرقة فما أجمل أن تسرق حقك من اللصوص!:
“في دَهشةِ الحُلمِ الأسير
سَرَقَ الفقيرُ حمامةً
ما كان يَنوي بَيعَها
ما كان ينوي أكْلَها
بلْ كان يحلمُ أنْ تَطيرْ”
“لكن اللصوص ليسوا بهذه السذاجة فلديهم القانون الذي فصلوه على مقاسهم، فعندما يريد الفقير أن يسترجع حقه يتحول إلى لص .
يقول بوجمهور:
“قد كان يحلُمُ أن يرى تحليقَها
فيرى عَنِ التحريرِ
تعبيراً مُثير!!
سَرَقَ الفقيرُ حمامةً
وبسرعةٍ
قطعوا يَدَهْ”
ولكن عندما يسرق الزعيم بلداً فهوى بمنجى عن القانون وعلى الرعية أن ترفعه على رأسها بحجة أنه رمز للعزة والكرامة، إنه الفصام الذي يصبح فيه القانون بشخصيتين متناقضتين وبدلاً من أن يكون فيصلاً عادلاً يتحول إلى آلة رعب تنكل بالفقراء وتضيف قوة للأقوياء:
“سَرَقَ الزعيمُ بِلادَهُم
وبَعَزَّةٍ وكرامةٍ
رَفَعوا على رأسِ الرعايا مَقعَدَهْ”
في نص آخر بعنوان (وَجْهُ فُلان) يتكلم سالم بوجمهور عن الأقنعة المختلفة، وبالرغم مما نعرفه عن الأقنعة بوصفها وسيلة للتنكر وإخفاء الشخصية الحقيقية لمن يلبسها ولكن الشاعر هنا في نصه هذا الذي يحمل عتبة استنكارية (وَجْهُ فُلان)، قد يكون وجه قرد أو قط أو ربما وجه فارس أو طفل أو حتى زعيم، كل الأقنعة طبيعية وممتعة، ولكن أن تتنكر لتكون زعيماً سيكون شيئاً مختلفاً ومثيراً، فحين يلبس الشاعر قناع الزعيم ما الذي سيراه:
“يا إلهي
أيها البائعُ مهْلاً
أين أنتَ؟!
يا إلهي،،
غابتِ الناسُ
وغاب الشارعُ!
لا أرى إلا سماءً ضائعةْ!!
أينَ غابَ البائعُ الجَوّال؟
والسوقُ؟
وسورُ الجامعةْ؟”
يرسم سالم بوجمهور لوحة سريالية فهي بالرغم من لا واقعيتها إلا أنها تدخل ضمن الواقعية السحرية، فكل شيء يتحول إلى شيء آخر بمجرد أن يكون الناظر إليه زعيماً، فالبائع يصبح شيئاً آخر والناس والشوارع والسوق والجامعة، كل شيء يغدو بلا ملامح وكأنه سماء ضائعة، ليس هذا فقط، فالشاعر يصور لنا غياب الوطن بمن فيه من ناس والشاعر بضمنهم طبعاً، إن قناع الزعيم شيء مريع فكل شيء أمامه يغادر حقيقته ليلبس حقيقة أخرى، وكأن من يلبس القناع الأشياء وليس الشاعر:
“يا إلهي،
أين غابَ الوطنُ؟!
إنهُ كانَ هُنا
وأنا كُنتُ مَعَهْ”
الشاعر حين يرى أن القناع يزعزع قناعاته ويخرب الأشياء يقررخلع القناع لأنه ظالمٌ، فالقناع يخلع الدنيا من حقيقتها وتفقد الأشياء هويتها وفطرتها، إنها دعوة لكي ينظر الجميع للأشياء خارج إطار العناوين والمسميات التي نلبسها:
“ظالمٌ هذا القناع
خَلَعَ الدُّنيا من الدُّنيا نهاراً!!
آن لي أنْ أخلَعَهْ!”
في نص (طريقة الطلاسم) يعمد بوجمهور إلى الصيغة ذاتها في بناء نصوصه وهي صيغة الحوار، ويكون إما ثنائياً كما في بعض النصوص أعلاه، أو يكون جماعياً كما في هذا النص، ويبتدئ نصه بمقدمة تنطوي على صورة جميلة حيث يشبه الليل وهوينفث الضباب كراهب زنجي بيده مبخرة يوزع منها البخور على الحاضرين، وهنا سيغرق الليل في القصص الجميلة والضباب:
“نفث الظلامُ ضَبابَهُ
كالراهبِ الزّنجيَّ بثَّ بَخورَهُ
فتماوجتْ قصصُ الضبابةَ والظلام
قِصَصاً على قِصَصٍ
كأنَّ الليلَ بينهما غريقْ”
لابد من التلميح والإشارة إلى أن شاعرية سالم بوجمهور هي شاعرية تتوسل الميزان العروضي وبحوره بكل عفوية وقدرة في شعرنة الحياتي واليومي، شعرنة السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وفاحصة، القدرة الفنية في تطويع العروض لقول كل شيء هي قدرة غير عادية لدى الشاعر، فالقدرة النظمية موهبة لا تتأتى للجميع، ولكن النظم لا يخلو من الشعر في كل التفاصيل، فالشاعر يعي جيداً ما النظم وما الشعر، لذا فهو يمشي على حافة صعبة . . أي عدول عنها سيوقعه في التقريرية واللاشعرية، التوصيل في بعض الأحيان يتطلب بعض التقريرية، ولكن الشعر عليه أن يستعين بالبلاغة وفنونها، وقد وجدنا لدى الشاعر قدرة في إضفاء دلالات متنوعة في قصائده لتجنيبها مأزق التقريرية، وهو قد نجح في قصائده في الجمع بين النظم وبين الانزياح، وتبقى قدرة الشاعر في استثمار المنولوغات والديالوغات في مستويات الحوار سمة بارزة في بناء النصوص، كما أن الثيمات التي يتوسلها الشاعر هي ثيمات حياتية بامتياز كالمدرسة والبيئة ممثلة بالشارع والأصدقاء، كما أن بوجمهور يشعرن بعض الظواهر التي يعج بها المجتمع من كذب ونفاق أو ما يفتقر إليه المجتمع من عدالة ومحبة وعدم تهميش، وكذلك قضايا الكون أو قضايا أنطولوجية مثل الموت والحياة أو بعض القصص التي يجدها مختلفة وتستحق الكتابة عنها لتكون علامة ولتفيض حكمة ومغزى، كل ذلك ويزيد هو ما ينطوي عليه ديوان “رسام الأميرة” لسالم بو جمهور ما يساعد التلقي لكي يكتب نصه المحايث من أوجه عدة وبقراءات مختلفة نأمل بأن تكون قراءتنا هذه واحدة منها .