رذاذ عبدالله
3 - 10 - 2012, 10:15 AM
كاداريه: حصولي على جائزة نوبل يعود الى الالبان!
http://im25.gulfup.com/u66P1.jpg (http://www.gulfup.com/?unVa0P)
في نهاية أيلول وبداية تشرين الأول من كل عام ترتفع حرارة الصحافة الألبانية حول الموضوع المزمن منذ ثلاثين عاما ونيف: هل سيحصل الروائي المعروف عالميا اسماعيل كاداريه على جائزة نوبل هذه المرة؟
هذه المرة بدأت الحرارة في الارتفاع مع شهر “آب اللهاب” حين نشر الصحفي الالباني الامريكي السابق ورجل الاعمال الحالي جيك جون ليكاي مقالة في 25/8/2012 بعنوان “كاداريه ونوبل والالبان” تحدث فيها عن علاقته الشخصية مع كاداريه حتى أن كاداريه اختاره للمشاركة في احتفال قبوله في الاكاديمية الفرنسية قبل 16 سنة. وبحكم هذه العلاقة الشخصية وجّه جون ليكاي سؤالا مباشرا الى كاداريه “متى ستحصل على جائزة نوبل؟” فردّ كاداريه (وهو أهم مافي هذه المقالة) بالقول “سأحصل على جائزة نوبل عندما يقتنع الالبان بذلك”.
ويبدو أن الايام اللاحقة عززت هذا الانطباع أو الاقتناع لدى كاداريه. فجون ليكاي في مقالته المذكورة ينتهي الى أنه “من واجب كل ألباني في الداخل أو في الخارج أن يوجّه نداء الى لجنة الجائزة لمنح الجائزة الى هذا العملاق الالباني”، ولكن الامر لا يسير وفق ما يريده جون ليكاي ولا كاداريه حيث أن الصحافة الالبانية نشرت في الايام اللاحقة وثائق محرجة تتعلق بالعلاقة الحميمة التي كانت لكاداريه مع رأس النظام الشمولي (أنور خوجا وزوجته نجمية خوجا) الذي حكم ألبانيا بيد من حديد خلال 1945-1990، وهو ما يؤخذ على كاداريه في معايير منح مثل هذه الجائزة.
ويلاحظ هنا أنه كلما نجح كاداريه في تلميع صورته أو تمييز نفسه عن النظام الشمولي السابق في ألبانيا يأتي من يعيد الوضع الى الوراء من خلال نشر بعض الوثائق التي توضح علاقة كاداريه بالنظام الشمولي السابق. فقد نشرت الجريدة البريطانية المعروفة “الغارديان” في نهاية شهر آب (اغسطس) مقالة حول المرشحين لجائزة نوبل هذا العام ووضعت كاداريه ضمن الاربع الاوئل (الياباني هاروكي موراكامي والصيني مو يان و الهولندي تيس نوتبوم والالباني اسماعيل كاداريه) مع أنها أعطت الأفضلية هذه المرة للياباني هاروكي موراكامي. وتجدر الاشارة هنا الى أن موراكامي كان قد تنافس مع كاداريه في 2009 للحصول على جائزة “أمير اوستورياس” الاسبانية المرموقة التي آلت حينذاك الى كاداريه، وقيل آنذاك انه لم يبق أمام كاداريه الا جائزة نوبل.
ولكن من سوء حظ كاداريه انه بعد نشر “الغارديان” لقائمة المرشحين لجائزة نوبل (27/8/2012) نشرت في الصحافة الالبانية رسالتان لكاداريه كان قد كتبهما في 1973 الى نجمية خوجا التي لم تكن مجرد زوجة للديكتاتور أنور خوجا بل من الشخصيات القوية في النظام والتي لاتزال تجسد هذا النظام بعد وفاة زوجها في 1985.
وقد جاء نشر هاتين الرسالتين (إحداهما كتبها كاداريه بالالة الكاتبة ووقع عليها والثانية بخط يده) في سياق القضية الموجودة في القضاء الالباني بين اسماعيل كاداريه ونجمية خوجا لاسترداد المخطوطة الاصلية لروايته “”شتاء العزلة الكبيرة” (نشرت في 1973) التي كال فيها المديح لانور خوجا، حيث أن كاداريه يطالب فيها بالاستناد الى حقوق الملكية الفكرية باعتبارها مؤلفا لها، بينما ترد نجمية خوجا على ذلك بالقول انها تلقتها كهدية من كاداريه في ذلك الحين. ولاجل أن تثبت العلاقة الحميمية (وبالتحديد التبعية) التي كانت لكاداريه معها قامت بتقديم رسالتين كتبهما كاداريه لها في 1973، وسارعت الصحافة الالبانية اليسارية (المناكفة لكاداريه) الى نشرهما.
وتعود الرسالة الاولى الى 26 نيسان (ابريل) 1973، وبالتحديد الى الفترة التي تميزت بتشدد النظام الشمولي ضد الكتّاب بعد الاجتماع الموسع الرابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الالباني الذي أدان فيه “الانحرافات الايديولوجية” للكتّاب، وهو ما فسح المجال في الاجتماعات الحزبية وفي اتحاد الكتّاب الى تناول كاداريه بالنقد الصريح ضمن لعبة المزاودة الحزبية. فقد كان لكادريه منافسون ورأوا في ذلك فرصة للتشهير بكاداريه وروايته الجديدة “شتاء العزلة الكبيرة” باسم الاخلاص للحزب والواقعية الاشتراكية التي كانت كالسيف المسلط على الكتّاب. ولخشيته من تصاعد هذه الانتقادات ضده لجأ كاداريه الى كتابة هذه الرسالة الطويلة الى نجمية خوجا يشرح فيها بالتفصيل الممل مايتعرض له من مضايقات ويوضح فيها انشغالاته بجمع المادة الاولية عن سنوات 1945-1947 لكتابة رواية جديدة عن “نشوء الدولة الشيوعية الجديدة” الخ. ومع أن كاداريه لا يطلب في هذه الرسالة بشكل صريح تدخل نجمية خوجا لحمايته إلا أن الرسالة بشكل عام توحي بتمنى كاداريه أن تتدخل لحمايته وهي التي كانت القادرة على ذلك. ومن المعتقد بشكل عام ان كاداريه نجا في 1973 من موجة التطهير الايديولوجي بفضل تدخل نجمية خوجا لحمايته. ويكفى هنا نقل السطور الاخيرة من هذه الرسالة لفهم العلاقة بين الكاتب ورأس السلطة في ذلك الحين: “ليس لي من هدف آخر سوى أن أكتب أكثر وأفضل عن هذا الشعب وعن هذا البلد. لم أعتبر أبدا عملي كاملا واستثنائيا، ولكن هذا لا ينفي مصارحتي لكم بأنني لن أكون مرتاحا فيما لو أسيء الى عملي بدون حق. وفي نهاية الرسالة أعتذر مرة أخرى عن إزعاجكم”.
وتعود الرسالة الثانية الى 26 تموز (يوليو) 1973، أي بعدما نجا كاداريه من الانتقادات التي وجهت اليه، وهي تشرح أيضا بالتفصيل الممل مايتعرض له كاداريه من مضايقات لمنعه من الحصول على شقة أكبر من تلك التي يسكنها. فقد كان النظام الشمولي آنذاك يوزع الشقق في العمارات الجديدة التي يبنيها في تيرانا وفق معايير معينة في الهرمية الحزبية وموقع أو موقف الكتّاب في النظام. وفي هذه الرسالة يشكو كاداريه كيف أنه وعد بشقة أكبر يكون فيها مكتب خاص له وكيف انه بدأ يعد الاثاث لذلك ثم أنه شعر بمضايقات أو مؤامرات لحرمانه من تلك الشقة، ولذلك يلجأ الى نجمية كاداريه لكي تتدخل ويتمكن من الحصول على الشقة التي وعد بها، وهو ما تحقق بعد ذلك.
ومن المفارقات الان أن يتواجه في القضاء الالباني اسماعيل كاداريه ونجمية خوجا حول ملكية رواية “شتاء العزلة الكبيرة”، التي يقول عنها كاداريه تملقا لنجمية خوجا في رسالته الاولى انها تُنتقد لكونها “كتبت لاجل البلاط”، حيث أن كل جلسة للمحاكمة تكشف عن وثائق ليست في صالح كاداريه الان، أي في الوقت الذي تتسرب الترشيحات لجائزة نوبل.
أن ما ينشر الان في الصحافة الالبانية يؤكد ما قاله كاداريه لجون ليكاي من أن حصوله على جائزة نوبل يرتبط بالالبان قبل غيرهم. ففي الوقت الذي لايختلف فيه الالبان حول الموهبة الادبية لكاداريه وابداعاته المهمة، مع أن جون ليكاي يذهب بعيدا في مقالته المذكورة الى حد القول أن كاداريه أعظم مبدع في البلقان بعد هوميروس، إلا انهم ينقسمون حول علاقة كاداريه مع النظام الشمولي السابق الذي كان قد روّج لكاداريه داخل وخارج ألبانيا ومنح كاداريه “امتيازات” لم تكن لغيره من الكتّاب في ألبانيا: حق السفر الى الخارج وشراء مايريده من الكتب!
http://im25.gulfup.com/u66P1.jpg (http://www.gulfup.com/?unVa0P)
في نهاية أيلول وبداية تشرين الأول من كل عام ترتفع حرارة الصحافة الألبانية حول الموضوع المزمن منذ ثلاثين عاما ونيف: هل سيحصل الروائي المعروف عالميا اسماعيل كاداريه على جائزة نوبل هذه المرة؟
هذه المرة بدأت الحرارة في الارتفاع مع شهر “آب اللهاب” حين نشر الصحفي الالباني الامريكي السابق ورجل الاعمال الحالي جيك جون ليكاي مقالة في 25/8/2012 بعنوان “كاداريه ونوبل والالبان” تحدث فيها عن علاقته الشخصية مع كاداريه حتى أن كاداريه اختاره للمشاركة في احتفال قبوله في الاكاديمية الفرنسية قبل 16 سنة. وبحكم هذه العلاقة الشخصية وجّه جون ليكاي سؤالا مباشرا الى كاداريه “متى ستحصل على جائزة نوبل؟” فردّ كاداريه (وهو أهم مافي هذه المقالة) بالقول “سأحصل على جائزة نوبل عندما يقتنع الالبان بذلك”.
ويبدو أن الايام اللاحقة عززت هذا الانطباع أو الاقتناع لدى كاداريه. فجون ليكاي في مقالته المذكورة ينتهي الى أنه “من واجب كل ألباني في الداخل أو في الخارج أن يوجّه نداء الى لجنة الجائزة لمنح الجائزة الى هذا العملاق الالباني”، ولكن الامر لا يسير وفق ما يريده جون ليكاي ولا كاداريه حيث أن الصحافة الالبانية نشرت في الايام اللاحقة وثائق محرجة تتعلق بالعلاقة الحميمة التي كانت لكاداريه مع رأس النظام الشمولي (أنور خوجا وزوجته نجمية خوجا) الذي حكم ألبانيا بيد من حديد خلال 1945-1990، وهو ما يؤخذ على كاداريه في معايير منح مثل هذه الجائزة.
ويلاحظ هنا أنه كلما نجح كاداريه في تلميع صورته أو تمييز نفسه عن النظام الشمولي السابق في ألبانيا يأتي من يعيد الوضع الى الوراء من خلال نشر بعض الوثائق التي توضح علاقة كاداريه بالنظام الشمولي السابق. فقد نشرت الجريدة البريطانية المعروفة “الغارديان” في نهاية شهر آب (اغسطس) مقالة حول المرشحين لجائزة نوبل هذا العام ووضعت كاداريه ضمن الاربع الاوئل (الياباني هاروكي موراكامي والصيني مو يان و الهولندي تيس نوتبوم والالباني اسماعيل كاداريه) مع أنها أعطت الأفضلية هذه المرة للياباني هاروكي موراكامي. وتجدر الاشارة هنا الى أن موراكامي كان قد تنافس مع كاداريه في 2009 للحصول على جائزة “أمير اوستورياس” الاسبانية المرموقة التي آلت حينذاك الى كاداريه، وقيل آنذاك انه لم يبق أمام كاداريه الا جائزة نوبل.
ولكن من سوء حظ كاداريه انه بعد نشر “الغارديان” لقائمة المرشحين لجائزة نوبل (27/8/2012) نشرت في الصحافة الالبانية رسالتان لكاداريه كان قد كتبهما في 1973 الى نجمية خوجا التي لم تكن مجرد زوجة للديكتاتور أنور خوجا بل من الشخصيات القوية في النظام والتي لاتزال تجسد هذا النظام بعد وفاة زوجها في 1985.
وقد جاء نشر هاتين الرسالتين (إحداهما كتبها كاداريه بالالة الكاتبة ووقع عليها والثانية بخط يده) في سياق القضية الموجودة في القضاء الالباني بين اسماعيل كاداريه ونجمية خوجا لاسترداد المخطوطة الاصلية لروايته “”شتاء العزلة الكبيرة” (نشرت في 1973) التي كال فيها المديح لانور خوجا، حيث أن كاداريه يطالب فيها بالاستناد الى حقوق الملكية الفكرية باعتبارها مؤلفا لها، بينما ترد نجمية خوجا على ذلك بالقول انها تلقتها كهدية من كاداريه في ذلك الحين. ولاجل أن تثبت العلاقة الحميمية (وبالتحديد التبعية) التي كانت لكاداريه معها قامت بتقديم رسالتين كتبهما كاداريه لها في 1973، وسارعت الصحافة الالبانية اليسارية (المناكفة لكاداريه) الى نشرهما.
وتعود الرسالة الاولى الى 26 نيسان (ابريل) 1973، وبالتحديد الى الفترة التي تميزت بتشدد النظام الشمولي ضد الكتّاب بعد الاجتماع الموسع الرابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الالباني الذي أدان فيه “الانحرافات الايديولوجية” للكتّاب، وهو ما فسح المجال في الاجتماعات الحزبية وفي اتحاد الكتّاب الى تناول كاداريه بالنقد الصريح ضمن لعبة المزاودة الحزبية. فقد كان لكادريه منافسون ورأوا في ذلك فرصة للتشهير بكاداريه وروايته الجديدة “شتاء العزلة الكبيرة” باسم الاخلاص للحزب والواقعية الاشتراكية التي كانت كالسيف المسلط على الكتّاب. ولخشيته من تصاعد هذه الانتقادات ضده لجأ كاداريه الى كتابة هذه الرسالة الطويلة الى نجمية خوجا يشرح فيها بالتفصيل الممل مايتعرض له من مضايقات ويوضح فيها انشغالاته بجمع المادة الاولية عن سنوات 1945-1947 لكتابة رواية جديدة عن “نشوء الدولة الشيوعية الجديدة” الخ. ومع أن كاداريه لا يطلب في هذه الرسالة بشكل صريح تدخل نجمية خوجا لحمايته إلا أن الرسالة بشكل عام توحي بتمنى كاداريه أن تتدخل لحمايته وهي التي كانت القادرة على ذلك. ومن المعتقد بشكل عام ان كاداريه نجا في 1973 من موجة التطهير الايديولوجي بفضل تدخل نجمية خوجا لحمايته. ويكفى هنا نقل السطور الاخيرة من هذه الرسالة لفهم العلاقة بين الكاتب ورأس السلطة في ذلك الحين: “ليس لي من هدف آخر سوى أن أكتب أكثر وأفضل عن هذا الشعب وعن هذا البلد. لم أعتبر أبدا عملي كاملا واستثنائيا، ولكن هذا لا ينفي مصارحتي لكم بأنني لن أكون مرتاحا فيما لو أسيء الى عملي بدون حق. وفي نهاية الرسالة أعتذر مرة أخرى عن إزعاجكم”.
وتعود الرسالة الثانية الى 26 تموز (يوليو) 1973، أي بعدما نجا كاداريه من الانتقادات التي وجهت اليه، وهي تشرح أيضا بالتفصيل الممل مايتعرض له كاداريه من مضايقات لمنعه من الحصول على شقة أكبر من تلك التي يسكنها. فقد كان النظام الشمولي آنذاك يوزع الشقق في العمارات الجديدة التي يبنيها في تيرانا وفق معايير معينة في الهرمية الحزبية وموقع أو موقف الكتّاب في النظام. وفي هذه الرسالة يشكو كاداريه كيف أنه وعد بشقة أكبر يكون فيها مكتب خاص له وكيف انه بدأ يعد الاثاث لذلك ثم أنه شعر بمضايقات أو مؤامرات لحرمانه من تلك الشقة، ولذلك يلجأ الى نجمية كاداريه لكي تتدخل ويتمكن من الحصول على الشقة التي وعد بها، وهو ما تحقق بعد ذلك.
ومن المفارقات الان أن يتواجه في القضاء الالباني اسماعيل كاداريه ونجمية خوجا حول ملكية رواية “شتاء العزلة الكبيرة”، التي يقول عنها كاداريه تملقا لنجمية خوجا في رسالته الاولى انها تُنتقد لكونها “كتبت لاجل البلاط”، حيث أن كل جلسة للمحاكمة تكشف عن وثائق ليست في صالح كاداريه الان، أي في الوقت الذي تتسرب الترشيحات لجائزة نوبل.
أن ما ينشر الان في الصحافة الالبانية يؤكد ما قاله كاداريه لجون ليكاي من أن حصوله على جائزة نوبل يرتبط بالالبان قبل غيرهم. ففي الوقت الذي لايختلف فيه الالبان حول الموهبة الادبية لكاداريه وابداعاته المهمة، مع أن جون ليكاي يذهب بعيدا في مقالته المذكورة الى حد القول أن كاداريه أعظم مبدع في البلقان بعد هوميروس، إلا انهم ينقسمون حول علاقة كاداريه مع النظام الشمولي السابق الذي كان قد روّج لكاداريه داخل وخارج ألبانيا ومنح كاداريه “امتيازات” لم تكن لغيره من الكتّاب في ألبانيا: حق السفر الى الخارج وشراء مايريده من الكتب!