تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) قراءة في مجموعة "طفلتان والمساء" للشاعر طالب غلوم



رذاذ عبدالله
7 - 10 - 2012, 08:58 AM
قراءة في مجموعة "طفلتان والمساء" للشاعر طالب غلوم

يتغنى بالإمارات بلغة شفافة



http://im25.gulfup.com/hhik1.jpg (http://www.gulfup.com/?uMYn5A)




المجموعة الشعرية »طفلتان والمساء« للشاعر طالب غلوم، صدرت بالتعاون بين وزارة الثقافة والشباب والمجتمع واتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وتضم مقدمة كتبها عبدالله السبب بالإضافة إلى سبع عشرة قصيدة نثرية هي: إمارات-طفلتان والمساء- خيول هرمة-سبات عريق-قمحة المواسم-أفول-يدالماء- عيون الصقر ملحمة- جالس بظله-مواسم-شتات اليباب-ترمي دمها لليل - وجه ضائع - مرثية تائه - حريق الكف - أم الخلود - إمارات العصور، وكتبت المجموعة بتقنيات فنية مختلفة، في حقل قصيدة النثر تحديداً، وسيتم الحديث عن كل ذلك، لاحقاً .

وما خلا قصيدة واحدة هي »طفلتان والمساء« التي أشير إليها في هامش القصيدة أنها فازت بإحدى جوائز اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ،1991فإن سواها من النصوص لم يؤرَّخ له، وماكان في وسع القارئ معرفة فضاء زمان كتابتها، لولا المقدمة الوجدانية التي كتبها السبب، ويومئ فيها إلى أن طالب من شعراء ثمانينيات القرن الماضي، زد على ذلك أنه نشر بواكير نصوصه، باسم مستعار إلى أن استقر على اسمه الذي وقع به على الغلاف الأول لباكورته هذه، حسب المقدمة ذاتها .

يستهل طالب مجموعته الشعرية التي يهديها إلى والديه، وكل من قدم له العون بإخلاص، بنص »إمارات«، وفي هذا دليل على علاقته بالمكان، وهوما سنأتي على ذكره، بالرغم من أنه لم يعنون المجموعة بعنوان هذا النص-وهوحقه-بل جعل النص الذي وسم به العنوان الثاني ترتيباً، وفي هذا ماينم عن أهمية اعتبارية لهذا النص أيضاً . في نص »إمارات« الذي جاء في أربعة مقاطع، يتناول عبرها الشاعر مكانه هذا، ولايجد إلا في اللجوء إلى الوصف، كاستهلالة للنص، ربما لأنه إزاء اسم الوطن، يترك لصورة - الوطن - كي تتشكل تدريجياً، كما هي منعكسة في خطابه المباشر، دونما أي حائل:

"عروسة الواحد الخدور

تستعذب

تحن لسياحة الحرائر السمر

في السهوب الخضر

تتغنى بوجد شفيف

وبالجمرة الصفراء

لهما عروق تربة مخضرَّة

رطبة معتقة

تتهادى كبارقة الوسمي والندى

تناغي أفياء البخور

نحن هنا، أمام لقطة - إن جاز التعبير - عن بعد، للوطن تقدم لنا تفاصيل جاهزة »عروسة«، وفي هذا وفاء لأدوات البلاغة التقليدية، حيث كان في الإمكان أن يصهر الناص خطوط الصور الكثيرة التي تشكل عمارة النص، في بناء عضوي، دون أن يحتاج إلى إطلاق حكم قيمة مسبَّق، هذا من الناحية الجمالية الفنية، لأن الوطن - هو حقاً - عروس في نظر ابن مكانه-أياً كان وأياً كان وطنه هذا - لاسيما عندما تتوافر فيه تلك الخصال التي يترجمها الواقع على نحو فعلي .

يبدو أن الجملة في السطر، تنزع إلى أن ترد كما هي في استخدامها السردي - في حدود النص- ولعل في ذلك ما يدل على مسألة هيمنة الحالة على الشاعر، ورصده ما ينتابه - كما هو - من دون أية إعادة للكتابة، وفاء لهذه الحالة، لاسيما وأن المتناول من قبله، هو مكانه الذي يستحوذ حبه، ويستنفر مشاعره، وأحاسيسه، على أعظم نحو:

عروسة . .

ضفائرها المسك:

وسنبلة موشاة بالعبير والقلائد

ترفض الصحارى البكر

والشفق المرمل بالندى الجمر

عيناها:

جمارتا نخل وأريج ودوحة

عروستي الماء البض

له نفحة المحار والجنائن

تعبقه . .تزينه

تغلفه تراتيل الحسن

وريا السفائن

عروسة . .

عطرإماري جديد منها يفوح

وأشرعة خضرعلى ذرا المدائن تلوح

شماء العينين على أفراحنا تراوح

وجوه عتاق مشرعة اليوم

تدندن مواويل البحر

لايزال الشاعر، يكتب نشيده للوطن، راصداً تفاصيل هذا الوطن، بل والأواصر والوشائج التي تربطه به، من خلال مسافة لايكسرها، البتة، إنه رصد من بعد، رصد يقول أشياء كثيرة عن الوطن، هي ملامحه، بيد أنها تظل في حاجة إلى أن يعيش الحالة من الداخل، كي يكتب الوطن نصه، بلا أية حواجزأو حدود:

عراجين النخلة المدماة

لها تمائم جداتي البائدات

مواويل الغصة الشائخات

تترنم في مآقي الذاكرة

بعبق ماء مندى

وعشق بحر محمي . .

أصبحا دمية خضراء جميلة

لها حب البراري للظل والغمام

والطل والوئام

عروستي البتول

هوادجك الحمر تترى

كسحائب الفرات والرؤى والأنغام

وأكف الفيافي تحنو عليها بالسلام

خلال هذا المقطع - وهوالثالث ترقيماً وترتيباً - لايخرج الشاعر من زاوية تناوله للوطن، بل تتضح علاقته ضمن هذا الإطار معه، بشكل لافت، ليواصل التقفية، معتمداً على الإيقاع الخارجي، من خلال »جمع المؤنث السالم« البائدات - الشائخات - أو من خلال ميمية بعد الأسطر: الغمام -الوئام- الأنغام - السلام - بل اللجوء إلى ما يناسب ذلك من مفردات غارقة في معجميتها مثل: الطل - البتول . . إلخ، هذه المسافة الفنية، إنما هي مسافة تحيل إلى شعرية أخرى، طالما رافقت القصيدة التقليدية، جيلاً بعد جيل، وكأن التغني بالوطن، لايمكن أن ينجز، إلا عبر هاتيك الأساليب والأدوات . .!

ويلاحظ المتلقي أن الخط البياني للنص، يسير على الوتيرة نفسها، في المقطع الرابع، والأخير إذ لايفتأ يضع خطوطه الأخيرة، وهو يرسم صورة وطنه، عبر معادله الإبداعي، وإن كان يبدو أكثر تحكماً بقيادة لحظته الشعرية:

هيام المفاوز . .

أصبح قدراً ظليلاً

العيس العتقية جَنة وميراث

جُنة ومرايا تراث

النور يتضوع في أوبارها

المغسول بلهب هجيرها

رغاؤها يجدد رعشة الحنين

ولهفة السنين

جموع القطاة كثر

تتناسل . . تتسامى

عند هودج العروس

يبدو المقطع الرابع - وهوالأخير في النص- أقرب إلى »الإيماضة«، بيد أنه لا يخرج عن إطار ثنائية الجملتين: الاسمية والفعلية (المقطع يبدأ بجملة اسمية خبر لمبتدأ محذوف أو بمبتدأ كما هوحال هذا المقطع) وتتساوق هاتان الجملتان، لتكونا العمود الفقري للنص، إلى الدرجة التي يكون حضور الناص بادياً، في صياغة الجملة، في محاولة المواءمة بين أدوات بناء النص .

ومن يقرأ نص »طفلتان والمساء« ير أن الأساليب التي يلجأ إليها الناص في كتابة نصه - السابق - إنما ترافقه في هذا النص، وإن كان هذا النص جاء في لوحة واحدة، بيدأن النص ليذكر بدوره بتلك الحداثة التي كانت قصيدة التفعيلة-في بداياتها - تلجأ إليها، مع فارق بسيط، هو أن النص التفعيلي كان يعتمد الإيقاع الخارجي، بيد أن النص هنا، يعتمد الإيقاع الداخلي، ولو افتراضياً، أحياناً، لاسيما حين يظهر الميل الواضح إلى الإيقاع الخارجي، وهي تكاد تكون ظاهرة لدى عدد غير قليل من كتاب قصيدة النثر الإماراتية:

»طفلتان . .

تغزلان الأفق الموشَّى بالحنين

تغرفان منه لوحة عشق سرى فيها الأنين

عيناهما: وطن سليب واغتراب

كأنه جمود الصليب

الزمان غرابة ومزامير لها رنة المكان

خطوة حية إثرنكسة

والدماء النجيعة معاول وقناديل

لكل قنديل قطرة قانية ودمعة سوداء

وحارس أزرق العينين يعشق السيل

وفحيح الليل والكلب الجارح«

يبدوأ ن بداية النص، لما تسلس للشاعر، وأن بناءها يشكل عقبة عرضية أمام بناء النص، وإن كان يتم تجاوزها، رويداً رويداً، وذلك لامتلاك الشاعر معجماً لغوياً، يطوع بين يديه، ما يمكن من تحقيق معادلة البناء، حتى وإن ناشته بعض العثرات هنا أوهناك، إلا أن النص يحافظ على حدود شعريته، من خلال خبرة الشاعرفي أن يوجد لنصه رئات يتنفس بها، كي يحافظ على ذلك الخيط بينه وبين متلقيه:

»طفلتان . .

تأكلان تفاحة العراء

تشربان من نهيرات المقيل

والصدور أمست مزارات وكميناً

والعود النامي في العروق والعيون

بدأ يشيخ

والدفوف تعبق هدوء المساء

لوحة ومأساة وصحراء تلفظ العينين«

يتحاشى الناص الانفلاش في عمارته اللغوية، معتمداً على لغته العالية، كما أنه لايتلكأ عن اكتشافه - دائماً - نقطة ما، ينطلق منها، ليعود إليها، ظافراً بما أمكن من صور، متباينة المعالجة، وتكون عودته عند استهلالة كل مقطع جديد، فها الطفلتان هنا مركز ينطلق من خلال ذكرهما- ولو على نحو إشاري خاطف - لتكونا بوصلة النص، تمضيان به إلى حيث »تفاحة العراء« هذه الصورة التي تعلن عن سورياليتها، السوريالية التي تتعايش إلى جانب ما هو واقعي في أحايين كثيرة:

»طفلتان

تغردان للشفق

والرحيل المرقع بلونه

تشتهيان

خضرة الزيتون

والحنطة المغلولة« .

لايزال مفتاح المقطع- ما قبل الأخير - يجري على شاكلة المقطعين السابقين عليه - وإن كان التقطيع هنا من قبل الدارس - وليس من قبل الناص - إلا أن مجرد تقطيع النص على هذا النحو لايضير القصيدة، ولايسيء إليها، وإن كان الشاعر قد تحاشى ذلك، لاعتبارات تتعلق برؤيته الفنية، وطريقة عمارته لنصه، وإن كانت البداية: طفلتان »تخلخلان أحادية هذه العمارة، وتشيران إلى أثر إشاري، تقطيعي، محذوف، ومقدر وجوبا:

»طفلتان

يداهما ماء فرات

وخبز

وطينة تشرق الصباح

وعلى مداها الفسيح

تنبلج طفلتان

لهما مذقة الاخضرار والبقاء«

المقطع الشعري، يبدأ في أول النص طويلاً نسبياً، بيدأنه يميل إلى الهمود-تدريجياً - بعد أن يتم استنفاد كهربائه، كيف يخفت وهو ما يظهر على نحو بارز، ما يدعونا للتأكيد، أن بداية تنامي النص، ونهايته، تكادان تأخذان ثيمتين معروفتين، نتيجة نمط العلاقة الخاص بين الشاعر ونصه .

في سماء القصيدة

وعند وضع نص ثالث تحت المعاينة، وليكن على سبيل المثال »إمارات العصور«، وهو آخر نصوص المجموعة، ويبدو أنه أراد لمجموعته أن تبدأ وتنتهي بنصين عن مكانه الأثير، وكأن في ذلك رمزية صارخة على رؤيته لدورة الحياة، وهذا ما يتأكد جلياً، عند أية قراءة ل»سيرة المكان«، لنقع على تلك المقارنة، بين ما هو كائن، وماكان، إذ يضج النص التالي الذي نضعه على »طاولة التشريح« بروح جديدة، ولغة جديدة، وصور جديدة، وفي هذا ما يدل على حركة واضحة يمكن تلمسها عميقاً:

»طفلة اليد كبرت

خفرة هي

ريا

تناغي الحرائر السمر

تناجي الصمت والليل والهديل

قطاة الأمس غنت

دوحتها جنات خضر تغني«

هذه الحركة، تبدو فعلياً، ولعل سبب ذلك هوأن الطفلة التي طالما رصد حركتها، وعلاقاتها بما حولها، قد كبرت حقاً، وفي هذا ما يدعو لفتح نوافذ الفرح والحلم على مصاريعها، لاسيما أن المكان قد اشتعل فيه الاخضرار، وتصادى فيها غناء القطا، وهو ما يوتر النص، ويجعله يصدم متلقيه، كما يفعل النص عالي الفنية عادة:

»إمارات الوجود

رمالها الصفر قصيدة

نخيلها البكر ترنيمة

هنا بدأت المرحلة

ونبع الملحمة

طفولة الشمس جاءت هنا

نفحة الليمون جاءت

تدندن أهزوجة الليل ياليل«

بثقة عالية في التعامل مع أدواته، يبدو الشاعر في نصوصه التالية، للمرحلة الأولى التي ضمت بواكيره الأولى »كما حال نصيه الأول والثاني ترتيباً«، لذلك فالصورة الشعرية، وإن ظلت تعاني من هيمنة التوصيف، وبعض المفردات الجاهزة »ترنيمة« »المرحلة« »الملحمة« . . إلخ، إلا أن الفضاء العام للنص يحافظ توهجه، وألقه:

»إمارات الخلود

أعشق الليل الخرافي فيك

وصهيل الصحارى

أتعلم منك أبجدية الطهارة

فالعينان تتموج فيهما خضرة النخل والجداول

وينتشي فيهما رحيق السنابل

سائح أنا فيك

نبضي مداد

وعمري لك فداء«

تؤكد مسألتين مهمتين أولاهما: الوفاء للحالة الواحدة، وفي هذا ما يجلي طريقة خاصة لديه في التعامل مع أدوات مخبره الإبداعي، بيد أنه - من جهة ثانية - ينعكس سلباً، عندما تهيمن الألفة مع هذه الحالة، إلى الدرجة التي تتحول فيه إلى مجرد طوطم فني ذاتي لا يمكن الخروج عليه، وثانيتهما هي: أن عملية تجاوز الذات التي تبدل حصيد الجديد للشاعر .

»الشوارع السوسنية موعد وحصاد

وذئاب تنتظر الرعاة

تقترب

متى يجيء جمر الليل؟

ليحنط الموتى والأجراس والأحياء

وقت وحنطة تشبه الفم

كوة فارغة للفقراء

تلبس ثلاثين قناعاً . . وقانوناً . . وفانوساً

وهناك ذئب أطلس

ينتظر صلوات العصافير« .