رذاذ عبدالله
15 - 10 - 2012, 08:32 AM
قراءة في مجموعة "وجوه أخرى متعبة" للشاعر علي الشعالي
http://im20.gulfup.com/Vh0j2.jpg (http://www.gulfup.com/?pDSnGI)
http://im20.gulfup.com/xEU01.jpg (http://www.gulfup.com/?mGZSCR)
تأتي المجموعة الشعرية »وجوه وأخرى متعبة« للشاعرالإماراتي علي الشعالي، كأحد النتاجات الإبداعية للشعراء الذين ظهروا في العقد الأول من الألفية الجديدة، كما يصطلح على الجيل الإبداعي الذي ظهرت نتاجاته الأولى في مابعد العام ،2000 والشعالي ينتسب إلى هذا الجيل تحديداً، وتضم المجموعة خمساً وأربعين قصيدة هي: صمود- ابق عندي- أخي نيزك- أشجارالزيتون- إفريقيا-الأم . .الوطن- الحكيم- السمك لا يبالي- الشمس لي- العروبة أرجوحة- الفاروق- قلم- أمة الخيل- أمتي ثم أمي- إيه أهل السمرة- بخ بخ بتمتماته-بل أنتم كثير- تمثيل- جناح بعوضة- خائن- دثرشقوق يدي- رقصة في الضباب- ريش الإوزة ياغاب- سرب بجع- سيف الضحى- على أي جنب نموت؟-عيد ميلاد- فرس شقراء- قرفة وزنجبيل- قطرة في زبد- قوس قزح- كتفاك والحمى-كسوف-لا تغادر-لاشيء يعنيني هنا- لاللعي- مؤتمر- نصيحة- نفثة مصدور- نورالمعركة- هاجس- هاوية- هوية- هويداإبراهيم، وتتراوح هذه القصائد بين ماهومكتوب منها هو تفعيلي ومنها ماهوعمودي، حيث تتراوح المضامين بين ماهوقومي ووطني وإنساني ووجداني ذاتي .
وبدهي، أن العنوان، ليعد بحسب »جيرارجينيت« نصاً آخر، موازياً للنص الأصلي، وقديحيل إليه، مدهشاً، مثيراً، كما يتفق معه في ذلك »رولان بارت«، حيث هناك شبكة علاقات بين عتبة النص، وعلامات العنونة، ولعل العنوان نفسه، باعتباره نصاً آخر، أونصاً متساوقاً مع عالم النص، يعد ستراتيجياً من حيث علاقته بالنص، فقد يخفق الناص في توظيفه، أو ينجح، وذلك تبعاً لمدى خدمة العنوان لعوالم النص، وقدرته على خلق مايلزم من إدهاش، هو-في الأصل-جزء جد مهم في شعرية أي نص .
لقد عنون الشعالي مجموعته ب »وجوه وأخرى متعبة«، وهوكمايبدو غارقاً في إشكاليته، إذ هوليس عنواناً لقصيدة، كما يفعل كثيرون من الشعراء الذي يعنونون مجموعاتهم بعناوين إحدى قصائدها، ولعل الإشكالية تأتي من إيراد المبتدأ الموصوف »وجوه« ج . وجه نكرة، من دون أي صفة ظاهرة، وتضمين جزء منها و»أخرى« من دون التصريح بكلمة وجوه، بيد أن الوجوه الأخرى، المستثناة، متعبة، وهوما يوحي أن الوجوه العامَّة، الكثيرة، ليست كذلك، لذلك فالقصيدة تكون سفيرة الوجوه كلها، المتعبة منها وغيرالمتعبة، الأمرالذي يشكل استفزازاً أول، وإثارة، للمتلقي قبل أن يلج متون النصوص .
وكلمة الوجه معجمياً »مايواجهك من الرأس، وفيه العينان والفم والأنف، والوجه ما يقبل من كل شيء، وهو الشيء ذاته، والوجه »القلب« والدَّهر، والنهار، وصلاة الصبح، وهو الجاه، والقصد، والجهة« وهو سيد القوم، وكل شيء هالك إلا وجهه« .
»ولتسقط عن وجه صديقك
أوراق التوت
لعلك تحيا
بعد الطعنة نهراً
قدراً
في حضرة طاغوت
لم يسأل أحدّ منذ ولدت عن استسلامك
أو عشقك
لا يعلم أحدّ
في أي جيوب الأرض تموت
فأرفض أنّات التابوت
وتنفس . .!
إن مفردة »وجوه« وجه التي ترد في أول نص، خارج السياق الحرفي للعنوان، إنما تتكرر وبصيغ كثيرة، في نصوص عديدة، على امتداد الشريط اللغوي للمجموعة الشعرية، وهذا ما ينم عن سطوة »الوجه« على عالم الشاعر الروحي، وحضوره، لا سيما وأن الوجه اختصار الكائن، وهو عنوان المرء، وجسره نحو الآخرين، به يعرَّف، وبه يميز، بل وإنه نفسه يعكس صورة المرء وصداه في نفس سواه:
»طريقك لم يكن يوماً
حقيقياً
ولا خطاً إلى نقطة
ووجهك منذ أن سافرت
ملتفت
إلى الأعلى
إلى كل الجهات البيض
وحرفك حيثما يممت
ممشوق ومبتلع
تشم الراية العليا
ولا تدري
هل استبقيت راحلة
لتحدو قافلات القوم
أم أزرى بك الهل؟«
يدخل هذا المقطع في عداد الحالات الشعرية العالية، فنية، قياساً إلى عوالم المجموعة، وإن كان الشاعر، وعلى خلاف هالة الغموض الشفيف الذي اكتنف عنوان المجموعة، لا يدخر جهداً لأن يكون واضحاً في إيقاع نصه، كما هو واضح في رؤيته، وفي أفكاره، وفي صوره، حتى وإن تكررت كلمة »الوجه« في المستويات العديدة التي شغلتها، ما بين ما هو عادي - كجزء من الجسد - أو واجهة للإنسان، وما هو رمز، يحمل جرعاته المتباينة من كهرباء الدلالة، ومن بين ذلك ما يكتنفه من دفء إنساني، على اختلاف أنواع الوجوه، من وجه طفل، إلى وجه امرأة جميلة، إلى وجوه يابسة، قاحلة، عجفاً، وكل ذلك إما يتم امتصاصه، ومواربته، أو الإعلان المباشر عنه:
ووجوه من حولي صحار جرد
ووعود أعينهم
سراب
حبل على خصري:
تمهَّل
علقت أوله على جيد السحاب«
وباستثناء الجزء الأخير من الصورة المركبة الأخيرة »علقت أوله على جيد السحاب، الذي يمضي به - على الرغم من استخدام الجيد وهو المشخص - إلى ما هو خيالي »حيث للسحاب جيد«، وهي خطوط عالية، مؤثرة في هذه الصورة، إلا أن مجمل الصور التي تبدو هنا - مثلاً - على درجة واضحة من البساطة، بل إننا لنكتشف أن أعضاء أخرى من جسد الإنسان، تدخل في إطارها، إلى جانب مشخَّصات أخرى واضحة، العصا - القدم - اليد - الكف - الأعين - الخصر . . إلخ، وهذا ما يعطي العين، كرمز، فضاء آخر، في ضوء توظيف الشاعر له، ضمن معادلة تناول الفنان لمفردات عالمه، ومدى انحيازه لما هو محسوس أو ملموس، الأمر الذي يصنف موقع نقاط ارتكاز القصيدة، وكيفية بنائها لفضاءاتها: لغة، وصوراً، وعوالم:
»وجهي ووجهك مشتبهان
محترقان
ولا يشبهان الحقيقة
كلانا يخبئ طناً من الماء والملح والأسئلة
ولكن لماذا؟
لكي تدعينا أباريق كسرى
وجنات روما
أم أن التراب تكلم فينا
لنشرب كوب حروف نقية
ونسقي الرماد قصائدنا الجاهلية
فيعشب هذا الحطام
ويطفو - على مضض - قاع هذا اللهيب«
يذهب الشاعر - هنا - من خلال استخدام كلمة »الوجه« أبعد من استخدامه للوجه، مخاطباً طفلته الصغيرة، أو أنثاه، لأن الوجه يكتسب بعداً جديداً، كي يكون وطناً، يدخل وجه الشاعر جزءاً من معادلته، وهو يتناوله، حيث يهيئ لنفسه تلك الفسحة التي يمكنه من خلالها، التقاط صورة لوجهين، أحدهما هو وجهه، والآخر وجه أنثى، بيد أنه وجه مفتوح على كل الوجوه الأخرى، للمكان، والشخوص،
»صغيرتي
تبسمي
ورددي على المسامع العجاف
قصة اللصوص
والسيوف
والحصان
واللجام
والتشرذم
أيا غزالة تبيع عينها بدرهم
ولا يثير قرنها بجوعه سوى دمي
وجبهتي ومعصمي
تبسمي«
والشاعر إزاء ذلك كله، لا يورد كلمة وجه، على شكل مباشر، فيلجأ إلى القناع، »على مهل/ نزعت قناعك الوردي/ ثم جعلته نعلاً إضافياً«، وإن كان هنا، ثمة استفزاز في استخدام القناع، حين يتحول إلى مجرد نعل، وهو يضع متلقيه، في فضاء فيه أكثر من وجه، إن لم نقل هو »علم من وجوه« حيث هي الحقيقة، لأن الكون والكائنات، إنما هم ليسوا سوى »وجوه«، بيد أن هذه الوجوه مختلفة، في نهاية المطاف، حيث الوجه الأصيل، مقابل الوجه الزائف، الذي يكشفه القناع وهو يصلح أن يستخدم في أكثر من اتجاه:
»على مهل
نرعت قناعك الوردي
ثم جعلته نعلاً إضافياً
وعن بعد
أدرت المسرح الطيني
والجمهوور مسحور
بخلبه
ومقتنع
=وأنت بشهدك المعهود
خفاق
يطاردك الفضول الفظ
تغري كل نرجسة
بلا سبب . . فترتفع«
إن الوجه ومحيطه العام »الرأس«، أو أجزاء من الوجه، أو صفاته، كلها تتكرر في قصائد عديدة، والوجه يستخدم في أكثر من صيغة، وفي هذا ما يشير إلى بلوغ السطوة التي تحدثنا عنها، إلى أعلى درجاتها، ما انسحب على نص الشاعر، كأخد مفردات العالم الأكثر تأثيراً عليه وعلى روحه:
»أستطيع الآن أن أرفع رأسي
إيه يا قلم السماء
قرأت وجهك مرتين
والأرض هامدة
وأرواح الجميع تبيت ظمأى
وعندما اشتعلت
وأنت أنت خلالها مخالب النهر الشجاع
هناك حشرجت الحناجر
واستعدنا نبرة الشمس نهاراً أو ضحاها
إيه يا سيدة الحجارة
يا هزبر المستحيل
ويا وقود المعركة
إيه يا خيط الصباح«
كما أن الوجه، قد يظهر في وجه آخر من معجم اللغة، أو معجم الشاعر، وذلك من خلال لجوئه إلى مرادفات الوجه، حتى وإن كانت هذه المفردات، تكاد لا ترد - الآن - في الحياة اليومية، أو حتى في مستوى استخدامات اللغة الكتابية، بعد أن عرفتها القصيدة التقليدية طويلاً، كما حال مفردة »المحيا« التي تظهر في إحدى قصائد الشعالي .
»بين كفيك أرى عمري ضياء
أرسم الدرب خطوطاً ودوائر
إيه يا أمي الكبيرة
في محياك أصلي
وعلى رأسك أحني هامتي«
مغامرة شعرية
تأسيساً على ما سبق، فإن العنوان لدى الشعالي، لم يأت اعتباطياً، كي يشكل مجرد أداة، لاستدراج المتلقي لقراءة النص، بل إنه - على ما فيه من عنصر تشويق عال - جاء ليتفق مع طقوس قصيدته، في بعض الأحيان، كي يختلف عنها، في أحايين أخرى، ولعل في ورود كلمة وجه، على ضوء ما سبق من أمثلة عديدة، أشير إليها في مواطن عديدة من الشريط اللغوي لدى الشاعر، ما يدل على إعطائها أكثر من بعد، مع أن الوجه لم يأت مكرراً، كأن يكون مجرد وجه، أثير لدى الشاعر، بل إن هناك تنويعات إن جازت التسمية، في طرائق توظيفه، وهذا ما ينم على ثراء الرمز هنا، لدى الشاعر، في لا شعوره - تحديداً - ما يرفع من شأن هذه الثيمة، بل إن الأمر راح أعمق من ذلك، عندما لحظنا ورود توظيفات كثيرة، لأجزاء من الوجه، تحيل إليها، أو يحال الوجه إليها، كما هي كلمة »الرأس« التي توقفنا عندها أيضاً .
ويتضح أن الشاعر، أراد من استخدام عنوان مجموعته »وجوه وأخرى متعبة« من خلال اللجوء إلى شعرية العنوان، فهو لم يقل على نحو تشريحي مدرسي »وجوه سعيدة«، أو »مرتاحة«، وأخرى »متعبة«، حيث سلامة اللغة، بعيداً عن المغامرة اللغوية، والدلالية في الاستخدام الذي تم، وفيه - بالتأكيد - تحدّ للطمأنة اللغوية التقليدية، لا سيما في ما إذا عرفنا أن الشعالي بالرغم من جنوح قصيدته إلى تنفس رياح التجديد، إلا أنها لا تقدم على المغامرة الحداثوية الكاملة، سواء أكان ذلك على صعيد الشكل أو المضمون على حد سواء .
وأمام أية مقارنة، بين ما حققه العنوان »وجوه وأخرى متعبة«، وما ورد في متن المجموعة، فإنه ليظهر أن روح مثل تلك المغامرة المشار إليها، تتقدم في العنوان على مواطن كثيرة من نصوص المجموعة، حيث كانت هذه النصوص، تنوء بالتناقض الذي يبدو بين نسقين جماليين، أحدهما: قديم له صداه في روح الشاعر، ومعجمه اللغوي، وطريقة بناء قصيدته، بل وبنية النص، كاملة، بما في ذلك المضامين المتناولة، إذ يعد العنوان - وهو المخلص - لروح المجموعة، مؤشراً واضحاً على فهم مضمر في ذات الشاعر، لرؤية جديدة، لا بد وستظهر، في أعماله المقبلة، في ما إذا حث الخطا بالروح ذاتها على طريق الشعر .
http://im20.gulfup.com/Vh0j2.jpg (http://www.gulfup.com/?pDSnGI)
http://im20.gulfup.com/xEU01.jpg (http://www.gulfup.com/?mGZSCR)
تأتي المجموعة الشعرية »وجوه وأخرى متعبة« للشاعرالإماراتي علي الشعالي، كأحد النتاجات الإبداعية للشعراء الذين ظهروا في العقد الأول من الألفية الجديدة، كما يصطلح على الجيل الإبداعي الذي ظهرت نتاجاته الأولى في مابعد العام ،2000 والشعالي ينتسب إلى هذا الجيل تحديداً، وتضم المجموعة خمساً وأربعين قصيدة هي: صمود- ابق عندي- أخي نيزك- أشجارالزيتون- إفريقيا-الأم . .الوطن- الحكيم- السمك لا يبالي- الشمس لي- العروبة أرجوحة- الفاروق- قلم- أمة الخيل- أمتي ثم أمي- إيه أهل السمرة- بخ بخ بتمتماته-بل أنتم كثير- تمثيل- جناح بعوضة- خائن- دثرشقوق يدي- رقصة في الضباب- ريش الإوزة ياغاب- سرب بجع- سيف الضحى- على أي جنب نموت؟-عيد ميلاد- فرس شقراء- قرفة وزنجبيل- قطرة في زبد- قوس قزح- كتفاك والحمى-كسوف-لا تغادر-لاشيء يعنيني هنا- لاللعي- مؤتمر- نصيحة- نفثة مصدور- نورالمعركة- هاجس- هاوية- هوية- هويداإبراهيم، وتتراوح هذه القصائد بين ماهومكتوب منها هو تفعيلي ومنها ماهوعمودي، حيث تتراوح المضامين بين ماهوقومي ووطني وإنساني ووجداني ذاتي .
وبدهي، أن العنوان، ليعد بحسب »جيرارجينيت« نصاً آخر، موازياً للنص الأصلي، وقديحيل إليه، مدهشاً، مثيراً، كما يتفق معه في ذلك »رولان بارت«، حيث هناك شبكة علاقات بين عتبة النص، وعلامات العنونة، ولعل العنوان نفسه، باعتباره نصاً آخر، أونصاً متساوقاً مع عالم النص، يعد ستراتيجياً من حيث علاقته بالنص، فقد يخفق الناص في توظيفه، أو ينجح، وذلك تبعاً لمدى خدمة العنوان لعوالم النص، وقدرته على خلق مايلزم من إدهاش، هو-في الأصل-جزء جد مهم في شعرية أي نص .
لقد عنون الشعالي مجموعته ب »وجوه وأخرى متعبة«، وهوكمايبدو غارقاً في إشكاليته، إذ هوليس عنواناً لقصيدة، كما يفعل كثيرون من الشعراء الذي يعنونون مجموعاتهم بعناوين إحدى قصائدها، ولعل الإشكالية تأتي من إيراد المبتدأ الموصوف »وجوه« ج . وجه نكرة، من دون أي صفة ظاهرة، وتضمين جزء منها و»أخرى« من دون التصريح بكلمة وجوه، بيد أن الوجوه الأخرى، المستثناة، متعبة، وهوما يوحي أن الوجوه العامَّة، الكثيرة، ليست كذلك، لذلك فالقصيدة تكون سفيرة الوجوه كلها، المتعبة منها وغيرالمتعبة، الأمرالذي يشكل استفزازاً أول، وإثارة، للمتلقي قبل أن يلج متون النصوص .
وكلمة الوجه معجمياً »مايواجهك من الرأس، وفيه العينان والفم والأنف، والوجه ما يقبل من كل شيء، وهو الشيء ذاته، والوجه »القلب« والدَّهر، والنهار، وصلاة الصبح، وهو الجاه، والقصد، والجهة« وهو سيد القوم، وكل شيء هالك إلا وجهه« .
»ولتسقط عن وجه صديقك
أوراق التوت
لعلك تحيا
بعد الطعنة نهراً
قدراً
في حضرة طاغوت
لم يسأل أحدّ منذ ولدت عن استسلامك
أو عشقك
لا يعلم أحدّ
في أي جيوب الأرض تموت
فأرفض أنّات التابوت
وتنفس . .!
إن مفردة »وجوه« وجه التي ترد في أول نص، خارج السياق الحرفي للعنوان، إنما تتكرر وبصيغ كثيرة، في نصوص عديدة، على امتداد الشريط اللغوي للمجموعة الشعرية، وهذا ما ينم عن سطوة »الوجه« على عالم الشاعر الروحي، وحضوره، لا سيما وأن الوجه اختصار الكائن، وهو عنوان المرء، وجسره نحو الآخرين، به يعرَّف، وبه يميز، بل وإنه نفسه يعكس صورة المرء وصداه في نفس سواه:
»طريقك لم يكن يوماً
حقيقياً
ولا خطاً إلى نقطة
ووجهك منذ أن سافرت
ملتفت
إلى الأعلى
إلى كل الجهات البيض
وحرفك حيثما يممت
ممشوق ومبتلع
تشم الراية العليا
ولا تدري
هل استبقيت راحلة
لتحدو قافلات القوم
أم أزرى بك الهل؟«
يدخل هذا المقطع في عداد الحالات الشعرية العالية، فنية، قياساً إلى عوالم المجموعة، وإن كان الشاعر، وعلى خلاف هالة الغموض الشفيف الذي اكتنف عنوان المجموعة، لا يدخر جهداً لأن يكون واضحاً في إيقاع نصه، كما هو واضح في رؤيته، وفي أفكاره، وفي صوره، حتى وإن تكررت كلمة »الوجه« في المستويات العديدة التي شغلتها، ما بين ما هو عادي - كجزء من الجسد - أو واجهة للإنسان، وما هو رمز، يحمل جرعاته المتباينة من كهرباء الدلالة، ومن بين ذلك ما يكتنفه من دفء إنساني، على اختلاف أنواع الوجوه، من وجه طفل، إلى وجه امرأة جميلة، إلى وجوه يابسة، قاحلة، عجفاً، وكل ذلك إما يتم امتصاصه، ومواربته، أو الإعلان المباشر عنه:
ووجوه من حولي صحار جرد
ووعود أعينهم
سراب
حبل على خصري:
تمهَّل
علقت أوله على جيد السحاب«
وباستثناء الجزء الأخير من الصورة المركبة الأخيرة »علقت أوله على جيد السحاب، الذي يمضي به - على الرغم من استخدام الجيد وهو المشخص - إلى ما هو خيالي »حيث للسحاب جيد«، وهي خطوط عالية، مؤثرة في هذه الصورة، إلا أن مجمل الصور التي تبدو هنا - مثلاً - على درجة واضحة من البساطة، بل إننا لنكتشف أن أعضاء أخرى من جسد الإنسان، تدخل في إطارها، إلى جانب مشخَّصات أخرى واضحة، العصا - القدم - اليد - الكف - الأعين - الخصر . . إلخ، وهذا ما يعطي العين، كرمز، فضاء آخر، في ضوء توظيف الشاعر له، ضمن معادلة تناول الفنان لمفردات عالمه، ومدى انحيازه لما هو محسوس أو ملموس، الأمر الذي يصنف موقع نقاط ارتكاز القصيدة، وكيفية بنائها لفضاءاتها: لغة، وصوراً، وعوالم:
»وجهي ووجهك مشتبهان
محترقان
ولا يشبهان الحقيقة
كلانا يخبئ طناً من الماء والملح والأسئلة
ولكن لماذا؟
لكي تدعينا أباريق كسرى
وجنات روما
أم أن التراب تكلم فينا
لنشرب كوب حروف نقية
ونسقي الرماد قصائدنا الجاهلية
فيعشب هذا الحطام
ويطفو - على مضض - قاع هذا اللهيب«
يذهب الشاعر - هنا - من خلال استخدام كلمة »الوجه« أبعد من استخدامه للوجه، مخاطباً طفلته الصغيرة، أو أنثاه، لأن الوجه يكتسب بعداً جديداً، كي يكون وطناً، يدخل وجه الشاعر جزءاً من معادلته، وهو يتناوله، حيث يهيئ لنفسه تلك الفسحة التي يمكنه من خلالها، التقاط صورة لوجهين، أحدهما هو وجهه، والآخر وجه أنثى، بيد أنه وجه مفتوح على كل الوجوه الأخرى، للمكان، والشخوص،
»صغيرتي
تبسمي
ورددي على المسامع العجاف
قصة اللصوص
والسيوف
والحصان
واللجام
والتشرذم
أيا غزالة تبيع عينها بدرهم
ولا يثير قرنها بجوعه سوى دمي
وجبهتي ومعصمي
تبسمي«
والشاعر إزاء ذلك كله، لا يورد كلمة وجه، على شكل مباشر، فيلجأ إلى القناع، »على مهل/ نزعت قناعك الوردي/ ثم جعلته نعلاً إضافياً«، وإن كان هنا، ثمة استفزاز في استخدام القناع، حين يتحول إلى مجرد نعل، وهو يضع متلقيه، في فضاء فيه أكثر من وجه، إن لم نقل هو »علم من وجوه« حيث هي الحقيقة، لأن الكون والكائنات، إنما هم ليسوا سوى »وجوه«، بيد أن هذه الوجوه مختلفة، في نهاية المطاف، حيث الوجه الأصيل، مقابل الوجه الزائف، الذي يكشفه القناع وهو يصلح أن يستخدم في أكثر من اتجاه:
»على مهل
نرعت قناعك الوردي
ثم جعلته نعلاً إضافياً
وعن بعد
أدرت المسرح الطيني
والجمهوور مسحور
بخلبه
ومقتنع
=وأنت بشهدك المعهود
خفاق
يطاردك الفضول الفظ
تغري كل نرجسة
بلا سبب . . فترتفع«
إن الوجه ومحيطه العام »الرأس«، أو أجزاء من الوجه، أو صفاته، كلها تتكرر في قصائد عديدة، والوجه يستخدم في أكثر من صيغة، وفي هذا ما يشير إلى بلوغ السطوة التي تحدثنا عنها، إلى أعلى درجاتها، ما انسحب على نص الشاعر، كأخد مفردات العالم الأكثر تأثيراً عليه وعلى روحه:
»أستطيع الآن أن أرفع رأسي
إيه يا قلم السماء
قرأت وجهك مرتين
والأرض هامدة
وأرواح الجميع تبيت ظمأى
وعندما اشتعلت
وأنت أنت خلالها مخالب النهر الشجاع
هناك حشرجت الحناجر
واستعدنا نبرة الشمس نهاراً أو ضحاها
إيه يا سيدة الحجارة
يا هزبر المستحيل
ويا وقود المعركة
إيه يا خيط الصباح«
كما أن الوجه، قد يظهر في وجه آخر من معجم اللغة، أو معجم الشاعر، وذلك من خلال لجوئه إلى مرادفات الوجه، حتى وإن كانت هذه المفردات، تكاد لا ترد - الآن - في الحياة اليومية، أو حتى في مستوى استخدامات اللغة الكتابية، بعد أن عرفتها القصيدة التقليدية طويلاً، كما حال مفردة »المحيا« التي تظهر في إحدى قصائد الشعالي .
»بين كفيك أرى عمري ضياء
أرسم الدرب خطوطاً ودوائر
إيه يا أمي الكبيرة
في محياك أصلي
وعلى رأسك أحني هامتي«
مغامرة شعرية
تأسيساً على ما سبق، فإن العنوان لدى الشعالي، لم يأت اعتباطياً، كي يشكل مجرد أداة، لاستدراج المتلقي لقراءة النص، بل إنه - على ما فيه من عنصر تشويق عال - جاء ليتفق مع طقوس قصيدته، في بعض الأحيان، كي يختلف عنها، في أحايين أخرى، ولعل في ورود كلمة وجه، على ضوء ما سبق من أمثلة عديدة، أشير إليها في مواطن عديدة من الشريط اللغوي لدى الشاعر، ما يدل على إعطائها أكثر من بعد، مع أن الوجه لم يأت مكرراً، كأن يكون مجرد وجه، أثير لدى الشاعر، بل إن هناك تنويعات إن جازت التسمية، في طرائق توظيفه، وهذا ما ينم على ثراء الرمز هنا، لدى الشاعر، في لا شعوره - تحديداً - ما يرفع من شأن هذه الثيمة، بل إن الأمر راح أعمق من ذلك، عندما لحظنا ورود توظيفات كثيرة، لأجزاء من الوجه، تحيل إليها، أو يحال الوجه إليها، كما هي كلمة »الرأس« التي توقفنا عندها أيضاً .
ويتضح أن الشاعر، أراد من استخدام عنوان مجموعته »وجوه وأخرى متعبة« من خلال اللجوء إلى شعرية العنوان، فهو لم يقل على نحو تشريحي مدرسي »وجوه سعيدة«، أو »مرتاحة«، وأخرى »متعبة«، حيث سلامة اللغة، بعيداً عن المغامرة اللغوية، والدلالية في الاستخدام الذي تم، وفيه - بالتأكيد - تحدّ للطمأنة اللغوية التقليدية، لا سيما في ما إذا عرفنا أن الشعالي بالرغم من جنوح قصيدته إلى تنفس رياح التجديد، إلا أنها لا تقدم على المغامرة الحداثوية الكاملة، سواء أكان ذلك على صعيد الشكل أو المضمون على حد سواء .
وأمام أية مقارنة، بين ما حققه العنوان »وجوه وأخرى متعبة«، وما ورد في متن المجموعة، فإنه ليظهر أن روح مثل تلك المغامرة المشار إليها، تتقدم في العنوان على مواطن كثيرة من نصوص المجموعة، حيث كانت هذه النصوص، تنوء بالتناقض الذي يبدو بين نسقين جماليين، أحدهما: قديم له صداه في روح الشاعر، ومعجمه اللغوي، وطريقة بناء قصيدته، بل وبنية النص، كاملة، بما في ذلك المضامين المتناولة، إذ يعد العنوان - وهو المخلص - لروح المجموعة، مؤشراً واضحاً على فهم مضمر في ذات الشاعر، لرؤية جديدة، لا بد وستظهر، في أعماله المقبلة، في ما إذا حث الخطا بالروح ذاتها على طريق الشعر .