المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) كبرياء السياب أقوى من الجوع والمرض



رذاذ عبدالله
15 - 10 - 2012, 08:34 AM
كبرياء السياب أقوى من الجوع والمرض





ولد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في قرية جيكور جنوب شرق البصرة في عام 1924وتوفي في المستشفى الأميري في الكويت ولم يتجاوز العقد الرابع من عمره المفعم بالحزن والمرض والأسى .

ينحدر السياب من عائلة عربية ثرية لكن ما مر بالعراق من ظروف اقتصادية صعبة بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917م وهيمنة الشركات الأجنبية على نفط العراق جعل الأغلبية العظمى من أبناء العراق يعيشون في فقر مدقع، ومنهم أسرة السياب .

ولم يحل الفقر دون أن يواصل شاعرنا تعليمه في دار المعلمين العليا ببغداد ليتخرج منها ويعيش أجواءها الثقافية والسياسية ويواصل كذلك تدفقه الشعري بقصائد ودواوين ما كانت تنشر حتى يصل صداها مسامع العرب في شرق أمتنا العربية وغربها .

ولم تشأ الأقدار أن ترحم هذا الشاعر فقد أصيب بمرض السل وهو لا يزال في ريعان شبابه فسافر للعلاج في لندن ومدن أخرى كان آخرها الكويت وكانت غربته عن العراق قد يتمت قلبه وجعلته يكتب أروع القصائد وأعذبها .

»لو جئت في البلد الغريب إلي

ما كمل اللقاء

الملتقى بك والعراق على يدي

هو اللقاء . .«

ما أردت من خلال هذا الموضوع أن أستعرض حياة السياب أو شعره، فحياته على قصرها زاخرة بالمواقف الوطنية والقومية والإنسانية الكبيرة، وشعره يحتاج إلى المئات من الدراسات والأطروحات ولا تفيه حقه، لكني أردت من خلال المقدمة أعلاه أن أدخلكم إلى عالم السياب، وأصطحبكم معي لسماع قصة رويت حول أحد المواقف المبدئية المشهودة لهذا الشاعر، وخلاصتها أنه في أواخر مراحل مرضه ذهب للعلاج في المستشفى الأميري في الكويت وقبل عودته إلى العراق طلب منه أصدقاؤه في مجلة (العربي) المعروفة أن يزودهم بقصائده الجديدة لنشرها، فأعطاهم آخر ما كتب، وبعد عودته إلى العراق بأيام وصلته حوالة من مجلة العربي عن تلك القصيدة، فذهب إلى أقرب مكتبة واشترى آخر عدد منها، وحين طالعها لم يجد قصيدته منشورة فيها فاستغرب الأمر وتساءل: كيف آخذ أجراً عن قصيدة لم تنشر؟ ولم يفتأ حتى ذهب إلى أقرب مركز للبريد وأرجع الحوالة إلى مجلة العربي بعد أن كتب عليها (إن صاحب الحوالة قد توفى)!

لما عادت الحوالة إلى مجلة العربي تفاجأ أصدقاء السياب ومحبوه لهذا الخبر، وحين دققوا في ما بعد اكتشفوا أن شاعرهم لا يزال حيا يرزق وأنه أعاد الحوالة لأن كبرياءه منعته من تسلّم مال ظنه السياب في حينها بمنزله (صدقة)! وحين نشرت القصيدة في العدد التالي أرسلوا له الحوالة مع نسخة من المجلة، واعتذار لما حصل معتزين بكبريائه العالي مثلما هو اعتزازهم بعبقريته الشعرية الفذة .

وفي شتاء مطير من عام 1964 تم تشييع السياب في موكب بسيط ليدفن في ثرى وطنه العراق تاركا أروع وأجمل ما يكتبه عراقي أصيل عن وطنه . .

»الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام

حتى الظلام هناك أجمل

فهو يحتضن العراق«

لقد خلد العراقيون السياب بتمثال جميل وضع على منصة عالية تطل على شط العرب في البصرة الفيحاء، مدينته التي عشقها

ولست هنا في مجال استعراض كبرياء السياب، أتذكرها اليوم لتكون شاهدا على أصالة وشرف شاعر فذ رفض أن يأخذ ( الأجر مقدماً) عن قصيدة أعطاها لمجلة واعتبر ذلك جرحاً لكبريائه بل ظنها صدقة من الآخرين على غير ما يستحق، وهو الفقير المريض ذو الأسرة التي تحتاج كل فلس يعينها على الحياة، في ما نجد اليوم من باعوا الوطن عندما ارتضوا أن يسايروا المحتل طمعاً في الكرسي الزائل والمال!

يقول السياب عن هؤلاء وكأنه عالم بما سيحدث في العراق . . .

»إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون؟

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون

فكيف يمكن أن يكون؟«

وفي قصيدة أخرى يقول ما يذكرنا بما جرى للعراق من احتلال أجنبي وظهور للمقاومة الوطنية التي أذلت الغزاة الطامعين

»أكاد أسمع العراق يزخر الرعود

ويخزن البروق في السهول والجبال

حتى إذا ما فض عنها ختمها الرجال

لم تترك الرياح من ثمود

في العراق من أثر«

إن تمثال السياب ما يزال يقف شامخاً على منصته العالية عند شط العرب في البصرة الفيحاء ينظر إلى الأفق البعيد وقلوب العراقيين تتأمله باعتزاز وإكبار مثلما يستحق، وما يزال شعره يملأ ذاكرة ووجدان القارئ بأروع الشعر وأعذبه وما يزال موضع درس وبحث لا ينتهي من قبل النقاد والباحثين .

الاثري
15 - 10 - 2012, 11:51 AM
ولم تشأ الأقدار أن ترحمل

عفوا" لا يجوز قول تشاء الاقدر لان القدر مخلوق من مخلوقات الله تعالى والمشيئة بيد الله وحده وليس للقدر مشيئة .فوجب التنبيه

رذاذ عبدالله
15 - 10 - 2012, 06:51 PM
شاكــرة تعقيبكـ الرفيع للمقال الذي حولته لخبر أدبي للإضاءه الرائعة للعنوان الادبي،،
في انتظار هطول آخر،
دمت برقي،،