رذاذ عبدالله
14 - 2 - 2013, 08:07 AM
حذار من النسيان
حسن مدن
* دار الخليج
يقول فرويد “الذاكرة خوانة”، فهي لا تسعف صاحبها على تذكر ما يريد، ولا تحتفظ بكل التفاصيل التي مرت في حياته .
مهما كان مقدار الصحة في هذا القول، يبدو من المناسب أن نتأمل في ملاحظة أخرى تؤكد أن الناس ينسون فقط الأشياء التي لايريدون تذكرها: الأشياء الحزينة، المحبطة، فلا أحد يريد أن ينسى اللحظات السعيدة في حياته، ولا الأشخاص الرائعين الذين قابلهم يوماً ولا الأماكن الجميلة التي له فيها ذكرى .
يحدث أن تثير ذكرى جميلة غصة في النفس، لأنها أصبحت ذكرى فقط ولم تعد واقعاً . هنا قد يصبح النسيان سلوى، ووسيلة للانسلاخ من ذكرى ومن أماكن وأشخاص، ولكن الأمور ليست بهذه البساطة والإرادية، كأن يقرر الشخص النسيان فيكون له ما يريد، فالحادثة أو الشخص حين يستوليان على الجوارح لا يفلت من ذكراهما أبداً، حتى إن كانت هذه الذكرى باعثاً على الألم .
هناك صنف من البشر جُبلوا على نسيان “الأسية”، أي الغفران عن أشخاص أساءوا إليهم أو سببوا لهم أذى أو جرحوا إحساساً .
هذا النوع من النسيان هو دلالة النبل وسمو الروح ونقاء السريرة، ولولا هذا الصنف من البشر لتحولت حياتنا إلى غابةٍ من الأحقاد والضغائن والثارات والحسد، وصارت خالية من النبل .
الزعيم الوطني الإفريقي نيلسون مانديلا هو النموذج الإنساني الأرقى في هذا المجال، الذي رغم ما عاناه شعبه من مرارات من قبل نظام الفصل العنصري البغيض، وما عاناه هو شخصياً من قساوة السجن المؤبد، قال قولته الشهيرة: “نغفر ولكننا لن ننسى” .
في إحدى قصائده يقول بابلو نيرودا: “كثيرون قد نسوا/ وكثيرون قد ماتوا/ وآخرون لم يكونوا قد وُلدوا بعد/ أما أنا فلم أنس ولم أمت” .
النسيان الذي يعنيه الشاعر هنا، وهو نفسه الذي عناه مانديلا على الأرجح، هو نوع آخر من النسيان، إنه نسيان من النوع الفتاك، حين يُصبح المطلوب هو تغييب الذاكرة الجمعية للناس، وسلخهم من تاريخهم وحملهم على نسيانه .
“إذا أردت أن تُطوع أمة ما، فاسلب تاريخها من ذاكرتها” . لا أعلم إذا كان أحد من طغاة التاريخ أو جبابرته قد قال هذا الكلام أو ما يشابهه أم لا، لكن اليقين أنهم جميعاً فكروا فيه وسعوا إليه .
في هذه الحال: حذار من النسيان .
حسن مدن
* دار الخليج
يقول فرويد “الذاكرة خوانة”، فهي لا تسعف صاحبها على تذكر ما يريد، ولا تحتفظ بكل التفاصيل التي مرت في حياته .
مهما كان مقدار الصحة في هذا القول، يبدو من المناسب أن نتأمل في ملاحظة أخرى تؤكد أن الناس ينسون فقط الأشياء التي لايريدون تذكرها: الأشياء الحزينة، المحبطة، فلا أحد يريد أن ينسى اللحظات السعيدة في حياته، ولا الأشخاص الرائعين الذين قابلهم يوماً ولا الأماكن الجميلة التي له فيها ذكرى .
يحدث أن تثير ذكرى جميلة غصة في النفس، لأنها أصبحت ذكرى فقط ولم تعد واقعاً . هنا قد يصبح النسيان سلوى، ووسيلة للانسلاخ من ذكرى ومن أماكن وأشخاص، ولكن الأمور ليست بهذه البساطة والإرادية، كأن يقرر الشخص النسيان فيكون له ما يريد، فالحادثة أو الشخص حين يستوليان على الجوارح لا يفلت من ذكراهما أبداً، حتى إن كانت هذه الذكرى باعثاً على الألم .
هناك صنف من البشر جُبلوا على نسيان “الأسية”، أي الغفران عن أشخاص أساءوا إليهم أو سببوا لهم أذى أو جرحوا إحساساً .
هذا النوع من النسيان هو دلالة النبل وسمو الروح ونقاء السريرة، ولولا هذا الصنف من البشر لتحولت حياتنا إلى غابةٍ من الأحقاد والضغائن والثارات والحسد، وصارت خالية من النبل .
الزعيم الوطني الإفريقي نيلسون مانديلا هو النموذج الإنساني الأرقى في هذا المجال، الذي رغم ما عاناه شعبه من مرارات من قبل نظام الفصل العنصري البغيض، وما عاناه هو شخصياً من قساوة السجن المؤبد، قال قولته الشهيرة: “نغفر ولكننا لن ننسى” .
في إحدى قصائده يقول بابلو نيرودا: “كثيرون قد نسوا/ وكثيرون قد ماتوا/ وآخرون لم يكونوا قد وُلدوا بعد/ أما أنا فلم أنس ولم أمت” .
النسيان الذي يعنيه الشاعر هنا، وهو نفسه الذي عناه مانديلا على الأرجح، هو نوع آخر من النسيان، إنه نسيان من النوع الفتاك، حين يُصبح المطلوب هو تغييب الذاكرة الجمعية للناس، وسلخهم من تاريخهم وحملهم على نسيانه .
“إذا أردت أن تُطوع أمة ما، فاسلب تاريخها من ذاكرتها” . لا أعلم إذا كان أحد من طغاة التاريخ أو جبابرته قد قال هذا الكلام أو ما يشابهه أم لا، لكن اليقين أنهم جميعاً فكروا فيه وسعوا إليه .
في هذه الحال: حذار من النسيان .