رذاذ عبدالله
23 - 2 - 2013, 09:53 AM
ملحمة "حلم السلتي"
محمد إسماعيل زاهر
* دار الخليج
بين الكونغو في إفريقيا وغابات الأمازون في أمريكا اللاتينية وأيرلندا الشمالية تدور أحداث رواية “حلم السلتي” للبيروفي ماريو بارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2010 . الرواية تؤرخ لحياة السير روجر كيسمنت المولود في عام 1864 في دبلن، وحلُم دوماً بالعمل في خدمة الإمبراطورية البريطانية وخاصة في مستعمراتها الإفريقية لنشر قيم التحضر بين “البرابرة”، وأعدم في عام 1916 بتهمة التعاون مع الألمان في هجومهم على أيرلندا الشمالية لتحريرها من الاستعمار الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى .
الرواية تقع في 530 صفحة من القطع المتوسط، يسردها يوسا طوال فترة بقاء كيسمنت في السجن انتظاراً لتنفيذ حكم الإعدام، والشخصية الرئيسة، كيسمنت، شديدة البراءة، والأحداث تمتلئ بالكثير من الوقائع التاريخية، وإفريقيا القرن التاسع عشر مصورة ببراعة، والوعي بتشابك الرأسمالية والاستعمار يهيمن على السارد طوال الحدوتة، والوعي أيضاً بأن الاستعمار هو نفسه سواء في الكونغو أو غابات الأمازون يشعر القارئ بأنه أمام روائي ينبش في الأفكار الكبرى، يضع فرضياته ويختبرها من خلال تقنيات القص، الأمر الذي يذكرنا بمناقشة يوسا لثيمة الطغيان في “حفلة اليتس”، والنزوع البشري نحو الشر في “ليتوما في جبال الإنديز” .
في مؤتمر برلين عام 1885 قُدمت الكونغو هدية إلى ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، ولأن الملك “ذو اللحية الممشطة” لم يكن يعرف كيف سيتعامل مع بلد تزيد مساحته على مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع، أكبر بخمس وثمانين مرة من مساحة بلجيكا، فقد عهد إلى المستكشف الشهير هنري مورتون ستانلي بقيادة حملة تقنع العشرين مليون كونغولي الفقراء والمرضى بنوايا الأوروبيين الخيرة الذين سيساعدونهم على تحسين ظروف حياتهم وتخلصهم من الأوبئة والانخراط في الحياة الحديثة المحترمة .
انضم كيسمنت إلى الحملة ولم تمر فترة طويلة حتى اكتشف أن ستانلي كان أحد أشد المحتالين الذين بلا وازع من ضمير، وأن الهدف من الحملة فتح تلك الأراضي، الكونغو، للتجارة، وأن شعار الاستعمار في إفريقيا هو “السوط”، وأن الأوروبيين لا يعاملون الزنوج إلا كحيوانات يموتون كالذباب .
عند هذا الاكتشاف يدخلنا يوسا وطوال السرد في لعبة التماثلات، فالقسم الأول من الرواية المخصص للكونغو لا يختلف في مشاهد التعذيب والقمع واختطاف الرجال للعمل بالسخرة والقتل أيضاً عن القسم الثاني المعنون ب”الأمازون”، فالهنود الحمر أو سكان أمريكا اللاتينية الأصليون يتعرضون: “للجلد بالسوط، الحبس في قفص التعذيب، صلم الآذان، جذع الأنوف، بتر الأيدي والأقدام، حتى القتل بالشنق أو الرجم أو الحرق أو الإغراق في النهر” والإبادات الجماعية في الكونغو لا تختلف بدورها كثيراً عن نظيرتها في البيرو .
إن الوجوه التعسة للأفارقة يستنسخها يوسا وهو يرسم وجوه سكان الأمازون، وشخصيات الإدارة الاستعمارية تتكرر حاملة لساديتها وحبها للهيمنة والسيطرة واحتقارها للآخرين، ولا نستغرب في هذا التماهي أن يكون هدف النهب الاستعماري في الحالتين هو المطاط . ويكتمل التماثل المأساوي في اللوحات المتطابقة لطبيعة نهري الكونغو والأمازون . فالمكان ثابت والبشر أيضاً .
في إفريقيا يعرف كيسمنت الحالم نصف الحقيقة فيترك حملة ستانلي لينضم إلى جمعية حماية السكان الأصليين في لندن التي تدعمها بعض الكنائس والبعثات التبشيرية الكاثوليكية في أوروبا والولايات المتحدة، وتسعى إلى فضح الممارسات البلجيكية في الكونغو، ولكنها في الحقيقة جزء من اللعبة الاستعمارية للصراع على الثروات الإفريقية، حيث يكشف كيسمنت الفظاعات البلجيكية في الكونغو أمام الرأي العام البريطاني، ولذلك يرقى إلى قنصل عام مهمته القيام بالتحقيق نفسه في مزارع المطاط في بيرو، ولكنه هذه المرة يواجه شركات استثمارية إنجليزية يكلفه قول الحقيقة عنها تهديد حياته نفسها وفراره إلى واشنطن .
يتحول كيسمنت رويداً رويداً إلى زعيم قومي أيرلندي راديكالي تنتهي به الأحوال ليسجن ويعذب ويعدم في النهاية، ويعيش ما كان يشاهده في إفريقيا وبلاد حوض الأمازون، بل لقد سمحت السلطات الإنجليزية بالكشف الطبي على جثته لتأكيد ميوله المنحرفة ومن ثم تشويه صورته أمام أنصاره “وتم دفن رفات كيسمنت بلا لوحة، ولا صليب، ولا كتابة الحرفين الأولين من اسمه، وكان الدفن بجوار قبر بلا علامات أيضاً، للدكتور كريبين وهو قاتل مشهور” .
“حلم السلتي” رواية وثائقية فكرية، تناقش تجليات الهيمنة المختلفة من خلال اتجاه يحاول تجاوز جوزيف كونراد في “قلب الظلام” الذي يتكرر اسمه أكثر من مرة في القسم المخصص للكونغو، بل يعقد يوسا بينه وبين كيسمنت لقاءات عدة يعترف فيها كونراد للأول باستفادته من تقاريره عن الكونغو في “قلب الظلام” .
إن “قلب الظلام” بالنسبة إلى يوسا رواية تحلل الفساد الأخلاقي بسلبية لدى البيض والسود على السواء، وتخرجه إلى السطح وتحتفي به . يقول يوسا: “أنا أظن أنها لا تصف الكونغو، ولا الواقع، ولا التاريخ، وإنما تصف الجحيم . الكونغو مجرد ذريعة لتقديم هذه الرواية الفظيعة التي ينظر بها بعض الكاثوليكيين إلى الشر المطلق”، إن كونراد، وفق الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، نظر إلى إفريقيا باعتبارها عالم الآخر نقيض أوروبا، نقيض الحضارة، بينما تقول إحدى الشخصيات لكيسمنت “إننا نحن الأوروبيين من حملنا إلى هناك، إفريقيا، أسوأ الفظائع، إنك أقمت عشرين عاماً في الكونغو من دون أن تتحول إلى متوحش . بل إنك رجعت أكثر تحضراً مما كنت عليه” .
“قلب الظلام” مهجوسة بالذات وتأملها واختبارها في عالم مغاير، بينما تهتم “حلم السلتي” بالمجموع والمشترك الإنساني، وتدعو أحياناً إلى المقاومة وتشيع الأمل بالتغيير حيث أوضاع الهيمنة/ التبعية متماثلة جغرافياً وممتدة زمنياً، ولذلك فيوسا لا يلقي اهتماماً كبيراً بتفصيل شخصية روجر كيسمنت، وأبطاله في الحقيقة هم العراة والمرضى والفقراء ضحايا تحالف الاستعمار والرأسمالية، أما شخصية كيسمنت، فيستفيد يوسا من تاريخيتها وموقعها، فضحايا هذا التحالف يتواجدون حتى في قلب الغرب نفسه، المهم الوعي ورمزية لحظة الكشف التي ربما يمر بها أي إنسان، يقول روجر كيسمنت لابن عمه عن الكونغو “في هذه الأحراش وجدت ليس فقط الوجه الحقيقي للملك ليوبولد الثاني . لقد وجدت أيضاً نفسي الحقيقية: الأيرلندي الشموس” .
محمد إسماعيل زاهر
* دار الخليج
بين الكونغو في إفريقيا وغابات الأمازون في أمريكا اللاتينية وأيرلندا الشمالية تدور أحداث رواية “حلم السلتي” للبيروفي ماريو بارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 2010 . الرواية تؤرخ لحياة السير روجر كيسمنت المولود في عام 1864 في دبلن، وحلُم دوماً بالعمل في خدمة الإمبراطورية البريطانية وخاصة في مستعمراتها الإفريقية لنشر قيم التحضر بين “البرابرة”، وأعدم في عام 1916 بتهمة التعاون مع الألمان في هجومهم على أيرلندا الشمالية لتحريرها من الاستعمار الإنجليزي خلال الحرب العالمية الأولى .
الرواية تقع في 530 صفحة من القطع المتوسط، يسردها يوسا طوال فترة بقاء كيسمنت في السجن انتظاراً لتنفيذ حكم الإعدام، والشخصية الرئيسة، كيسمنت، شديدة البراءة، والأحداث تمتلئ بالكثير من الوقائع التاريخية، وإفريقيا القرن التاسع عشر مصورة ببراعة، والوعي بتشابك الرأسمالية والاستعمار يهيمن على السارد طوال الحدوتة، والوعي أيضاً بأن الاستعمار هو نفسه سواء في الكونغو أو غابات الأمازون يشعر القارئ بأنه أمام روائي ينبش في الأفكار الكبرى، يضع فرضياته ويختبرها من خلال تقنيات القص، الأمر الذي يذكرنا بمناقشة يوسا لثيمة الطغيان في “حفلة اليتس”، والنزوع البشري نحو الشر في “ليتوما في جبال الإنديز” .
في مؤتمر برلين عام 1885 قُدمت الكونغو هدية إلى ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، ولأن الملك “ذو اللحية الممشطة” لم يكن يعرف كيف سيتعامل مع بلد تزيد مساحته على مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع، أكبر بخمس وثمانين مرة من مساحة بلجيكا، فقد عهد إلى المستكشف الشهير هنري مورتون ستانلي بقيادة حملة تقنع العشرين مليون كونغولي الفقراء والمرضى بنوايا الأوروبيين الخيرة الذين سيساعدونهم على تحسين ظروف حياتهم وتخلصهم من الأوبئة والانخراط في الحياة الحديثة المحترمة .
انضم كيسمنت إلى الحملة ولم تمر فترة طويلة حتى اكتشف أن ستانلي كان أحد أشد المحتالين الذين بلا وازع من ضمير، وأن الهدف من الحملة فتح تلك الأراضي، الكونغو، للتجارة، وأن شعار الاستعمار في إفريقيا هو “السوط”، وأن الأوروبيين لا يعاملون الزنوج إلا كحيوانات يموتون كالذباب .
عند هذا الاكتشاف يدخلنا يوسا وطوال السرد في لعبة التماثلات، فالقسم الأول من الرواية المخصص للكونغو لا يختلف في مشاهد التعذيب والقمع واختطاف الرجال للعمل بالسخرة والقتل أيضاً عن القسم الثاني المعنون ب”الأمازون”، فالهنود الحمر أو سكان أمريكا اللاتينية الأصليون يتعرضون: “للجلد بالسوط، الحبس في قفص التعذيب، صلم الآذان، جذع الأنوف، بتر الأيدي والأقدام، حتى القتل بالشنق أو الرجم أو الحرق أو الإغراق في النهر” والإبادات الجماعية في الكونغو لا تختلف بدورها كثيراً عن نظيرتها في البيرو .
إن الوجوه التعسة للأفارقة يستنسخها يوسا وهو يرسم وجوه سكان الأمازون، وشخصيات الإدارة الاستعمارية تتكرر حاملة لساديتها وحبها للهيمنة والسيطرة واحتقارها للآخرين، ولا نستغرب في هذا التماهي أن يكون هدف النهب الاستعماري في الحالتين هو المطاط . ويكتمل التماثل المأساوي في اللوحات المتطابقة لطبيعة نهري الكونغو والأمازون . فالمكان ثابت والبشر أيضاً .
في إفريقيا يعرف كيسمنت الحالم نصف الحقيقة فيترك حملة ستانلي لينضم إلى جمعية حماية السكان الأصليين في لندن التي تدعمها بعض الكنائس والبعثات التبشيرية الكاثوليكية في أوروبا والولايات المتحدة، وتسعى إلى فضح الممارسات البلجيكية في الكونغو، ولكنها في الحقيقة جزء من اللعبة الاستعمارية للصراع على الثروات الإفريقية، حيث يكشف كيسمنت الفظاعات البلجيكية في الكونغو أمام الرأي العام البريطاني، ولذلك يرقى إلى قنصل عام مهمته القيام بالتحقيق نفسه في مزارع المطاط في بيرو، ولكنه هذه المرة يواجه شركات استثمارية إنجليزية يكلفه قول الحقيقة عنها تهديد حياته نفسها وفراره إلى واشنطن .
يتحول كيسمنت رويداً رويداً إلى زعيم قومي أيرلندي راديكالي تنتهي به الأحوال ليسجن ويعذب ويعدم في النهاية، ويعيش ما كان يشاهده في إفريقيا وبلاد حوض الأمازون، بل لقد سمحت السلطات الإنجليزية بالكشف الطبي على جثته لتأكيد ميوله المنحرفة ومن ثم تشويه صورته أمام أنصاره “وتم دفن رفات كيسمنت بلا لوحة، ولا صليب، ولا كتابة الحرفين الأولين من اسمه، وكان الدفن بجوار قبر بلا علامات أيضاً، للدكتور كريبين وهو قاتل مشهور” .
“حلم السلتي” رواية وثائقية فكرية، تناقش تجليات الهيمنة المختلفة من خلال اتجاه يحاول تجاوز جوزيف كونراد في “قلب الظلام” الذي يتكرر اسمه أكثر من مرة في القسم المخصص للكونغو، بل يعقد يوسا بينه وبين كيسمنت لقاءات عدة يعترف فيها كونراد للأول باستفادته من تقاريره عن الكونغو في “قلب الظلام” .
إن “قلب الظلام” بالنسبة إلى يوسا رواية تحلل الفساد الأخلاقي بسلبية لدى البيض والسود على السواء، وتخرجه إلى السطح وتحتفي به . يقول يوسا: “أنا أظن أنها لا تصف الكونغو، ولا الواقع، ولا التاريخ، وإنما تصف الجحيم . الكونغو مجرد ذريعة لتقديم هذه الرواية الفظيعة التي ينظر بها بعض الكاثوليكيين إلى الشر المطلق”، إن كونراد، وفق الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي، نظر إلى إفريقيا باعتبارها عالم الآخر نقيض أوروبا، نقيض الحضارة، بينما تقول إحدى الشخصيات لكيسمنت “إننا نحن الأوروبيين من حملنا إلى هناك، إفريقيا، أسوأ الفظائع، إنك أقمت عشرين عاماً في الكونغو من دون أن تتحول إلى متوحش . بل إنك رجعت أكثر تحضراً مما كنت عليه” .
“قلب الظلام” مهجوسة بالذات وتأملها واختبارها في عالم مغاير، بينما تهتم “حلم السلتي” بالمجموع والمشترك الإنساني، وتدعو أحياناً إلى المقاومة وتشيع الأمل بالتغيير حيث أوضاع الهيمنة/ التبعية متماثلة جغرافياً وممتدة زمنياً، ولذلك فيوسا لا يلقي اهتماماً كبيراً بتفصيل شخصية روجر كيسمنت، وأبطاله في الحقيقة هم العراة والمرضى والفقراء ضحايا تحالف الاستعمار والرأسمالية، أما شخصية كيسمنت، فيستفيد يوسا من تاريخيتها وموقعها، فضحايا هذا التحالف يتواجدون حتى في قلب الغرب نفسه، المهم الوعي ورمزية لحظة الكشف التي ربما يمر بها أي إنسان، يقول روجر كيسمنت لابن عمه عن الكونغو “في هذه الأحراش وجدت ليس فقط الوجه الحقيقي للملك ليوبولد الثاني . لقد وجدت أيضاً نفسي الحقيقية: الأيرلندي الشموس” .