رذاذ عبدالله
24 - 4 - 2013, 08:28 AM
عبد القادر الريس . . انتصار الفن
http://im36.gulfup.com/mc84X.jpg (http://www.gulfup.com/?51fAcP)
في إحدى الليالي من عام 1974م وبعد أن أقام الفنان الإماراتي عبدالقادر محمد الريس معرضه الشخصي الأول، توقف أمام أعماله في غرفة مرسمه، جال ببصره عليها الواحد تلو الآخر، وراح يرمي بها خارج الغرفة مسائلاً نفسه ما هذا الهباء الذي كنت أفعله؟ ما الذي أنغمس فيه؟ ماذا تعني هذه اللوحات؟ وقرر حينها أن يترك الرسم ويمارس حياته بعيداً عن الموهبة التي ولدت معه وصارت توجه مسيرة حياته .
مضت الليلة بصورة غريبة على ذهن الريس، كان يصارع نفسه، ويكبح شيئاً ما يعيده للوحة، وآخر يدفعه بعيداً عنها، وفي نهاية المطاف انتصر الآخر، وقرر أن يترك الفن، ومنذ تلك الليلة هجر الريس الفرشاة والألوان والقماش لمدة اثني عشر عاماً، لكن في العام 1986 استفاقت الموهبة في نفس الريس وراحت تدفع به نحو مساحة اللون فعاد متلهفاً إلى اللون وليونة الفرشاة على سطح القماش، فاقتحم بقوة المدرسة التجريدية .
جاءت عودة الريس بأعمال تجريدية، أشبه برد على من قالوا “إن عبدالقادر الريس لا يجيد غير رسم الأبواب والمباني الآيلة للسقوط والأشجار الذابلة”، وفي الوقت نفسه انتصاراً للموهبة التي ظلت تشده كمن تقول له: “هناك مساحتك، أنت فنان بكامل ما تحمل الكلمة من معنى” .
تبدت ملامح موهبة الريس منذ طفولته التي شهدتها حارات دبي، وشحذت علاقته باللون عبر أزرق البحر وأصفر الرمل، وتلك الزخرفات التي تثري البيوت بها، فكانت ولادته في دبي في عام ،1951 وعاش في أسرة محافظة تأكل من البحر وتفترش الرمل وسعف النخيل، وهناك أنهى مرحلة الدراسة الابتدائية والثانوية، ليختار تخصص الشريعة في جامعة الإمارات ويتخرج فيها حاملاً شهادة الباكالوريس في عام 1982م .
كان عبدالقادر الريس خلال تلك الفترة يشتغل على موهبته التي اتضحت في أعمال الزيت على القماش، وبعض لوحات مشغولة بالألوان المائية، وظهرت في مجموعة من المعارض التي كان يشارك فيها، فلفت المتابعين لما كان يقدمه من أعمال تكشف عن فنان يجيد مزج اللون ويتحرك بحرية عالية، فكانت أعماله تحاكي البيئة الإماراتية وتظهر التكوينات المعمارية التراثية والطبيعة الشاسعة التي نقلها بحرفية عالية .
بعد عدد من المشاركات والنشاط الفني التي كان أولها في معرض الربيع في الكويت في عام ،1965 أقدم الريس على أول معرض شخصي له في عام ،1974 ولاقى المعرض حينها نجاحاً كبيراً، صار فيه الريس واحداً من أسماء الحركة التشكيلية التي لا يمكن تغيبها عند الحديث عن المشهد التشكيلي الإماراتي، حيث اشتغل فيه على موضوع أعماله الذي افرد له مساحته المميزة بين الفنانين؛ البيئة الإماراتية، فتبدت الصحراء والبيوت القديمة بجماليات عالية في لوحاته، وافتتن بتكوينات الشجر المنتصب في الفلاة والنباتات والأزهار البرية، حتى صارت البراجيل، والأقواس، والنوافذ، والنخيل، والأبواب تشكل مفردات لوحة الريس .
بعد عودة الريس عن فكرة اعتزاله بدأ مشواراً جديداً يواصل فيه الفن بتقنيات جديدة، ويكمل مشواره مع البيئة الإماراتية، ليمنح بذلك - بعد جهد سنوات - خصوصية لحركة الفن التشكيلي في الإمارات ويؤسس لاتجاهات جديدة في التشكيل الإماراتي كاتجاه “ما بعد التأثيرية” القائم على كثافة وثقل وحجم اللون على سطح اللوحة .
مرت لوحة عبدالقادر الريس بمراحل عدة منذ تشكلها، فاستخدم في بداياته الألوان الزيتية،ثم انتقل إلى التصوير بالألوان المائية، وحالياً يمزج الألوان الزيتية بالمائية وترتبط درجات الألوان عنده حسب الأحوال النفسية وطبيعة العمل، فظهر في البداية تأثره بالمدرسة الرومانسية حيث كان يستخدم الألوان الداكنة المعروفة في عصر النهضة، البني بدرجاته، ثم تحول تأثره إلى المدرسة الانطباعية نحو اللون الأزرق الممزوج بالأخضر “المرحلة الزرقاء”، ثم إلى ألوان الطبيعة المحلية “مجموعة الزعفران” .
اللون يرتبط بالحالة الانفعالية فالألوان القاتمة لحالات الكآبة، والألوان للفرح، حتى بات اليوم واحداً من أسماء الحركة التشكيلية العربية الذين يحضرون عالمياً فكان أكثر ما يميزه أن له السبق والريادة في نقل الفن التشكيلي في الإمارات من المحلية إلى العالمية .
أسهم الفنان عبدالقادر الريس في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وتولى منصب نائب الرئيس في إحدى دوراتها وكثف من مشاركته في معارض الجمعية كافة خلال الفترة من 1980 إلى ،1995 كما شارك في أكثر من 50 معرضا فنيا شخصيا وجماعيا خارج الدولة . ونظم مجموعة من المعارض الشخصية في كل من بيروت، وواشنطن، وألمانيا، وتشيكوسلوفاكيا . ومثّل الإمارات في سلسلة من المعارض الفنية التشكيلية في الدار البيضاء، والكويت، والرياض ولندن، ومدريد، وجنيف، وفيينا، وسيئول، وبولونيا، وباريس، وأثينا .
تقديرا لمسيرته الفنية المستمرة والمتجددة ومشاركاته الدائمة في اللجان التحكيمية المحلية والعربية والعالمية حصل عبدالقادر الريس على مجموعة من الجوائز الذهبية والفضية والتقديرية العربية والعالمية . لذلك كله منحته الإمارات جائزة الدولة التقديرية للعلوم والفنون والآداب في مجال التصوير والرسم في دورتها الأولى في عام 2006 م .
http://im36.gulfup.com/mc84X.jpg (http://www.gulfup.com/?51fAcP)
في إحدى الليالي من عام 1974م وبعد أن أقام الفنان الإماراتي عبدالقادر محمد الريس معرضه الشخصي الأول، توقف أمام أعماله في غرفة مرسمه، جال ببصره عليها الواحد تلو الآخر، وراح يرمي بها خارج الغرفة مسائلاً نفسه ما هذا الهباء الذي كنت أفعله؟ ما الذي أنغمس فيه؟ ماذا تعني هذه اللوحات؟ وقرر حينها أن يترك الرسم ويمارس حياته بعيداً عن الموهبة التي ولدت معه وصارت توجه مسيرة حياته .
مضت الليلة بصورة غريبة على ذهن الريس، كان يصارع نفسه، ويكبح شيئاً ما يعيده للوحة، وآخر يدفعه بعيداً عنها، وفي نهاية المطاف انتصر الآخر، وقرر أن يترك الفن، ومنذ تلك الليلة هجر الريس الفرشاة والألوان والقماش لمدة اثني عشر عاماً، لكن في العام 1986 استفاقت الموهبة في نفس الريس وراحت تدفع به نحو مساحة اللون فعاد متلهفاً إلى اللون وليونة الفرشاة على سطح القماش، فاقتحم بقوة المدرسة التجريدية .
جاءت عودة الريس بأعمال تجريدية، أشبه برد على من قالوا “إن عبدالقادر الريس لا يجيد غير رسم الأبواب والمباني الآيلة للسقوط والأشجار الذابلة”، وفي الوقت نفسه انتصاراً للموهبة التي ظلت تشده كمن تقول له: “هناك مساحتك، أنت فنان بكامل ما تحمل الكلمة من معنى” .
تبدت ملامح موهبة الريس منذ طفولته التي شهدتها حارات دبي، وشحذت علاقته باللون عبر أزرق البحر وأصفر الرمل، وتلك الزخرفات التي تثري البيوت بها، فكانت ولادته في دبي في عام ،1951 وعاش في أسرة محافظة تأكل من البحر وتفترش الرمل وسعف النخيل، وهناك أنهى مرحلة الدراسة الابتدائية والثانوية، ليختار تخصص الشريعة في جامعة الإمارات ويتخرج فيها حاملاً شهادة الباكالوريس في عام 1982م .
كان عبدالقادر الريس خلال تلك الفترة يشتغل على موهبته التي اتضحت في أعمال الزيت على القماش، وبعض لوحات مشغولة بالألوان المائية، وظهرت في مجموعة من المعارض التي كان يشارك فيها، فلفت المتابعين لما كان يقدمه من أعمال تكشف عن فنان يجيد مزج اللون ويتحرك بحرية عالية، فكانت أعماله تحاكي البيئة الإماراتية وتظهر التكوينات المعمارية التراثية والطبيعة الشاسعة التي نقلها بحرفية عالية .
بعد عدد من المشاركات والنشاط الفني التي كان أولها في معرض الربيع في الكويت في عام ،1965 أقدم الريس على أول معرض شخصي له في عام ،1974 ولاقى المعرض حينها نجاحاً كبيراً، صار فيه الريس واحداً من أسماء الحركة التشكيلية التي لا يمكن تغيبها عند الحديث عن المشهد التشكيلي الإماراتي، حيث اشتغل فيه على موضوع أعماله الذي افرد له مساحته المميزة بين الفنانين؛ البيئة الإماراتية، فتبدت الصحراء والبيوت القديمة بجماليات عالية في لوحاته، وافتتن بتكوينات الشجر المنتصب في الفلاة والنباتات والأزهار البرية، حتى صارت البراجيل، والأقواس، والنوافذ، والنخيل، والأبواب تشكل مفردات لوحة الريس .
بعد عودة الريس عن فكرة اعتزاله بدأ مشواراً جديداً يواصل فيه الفن بتقنيات جديدة، ويكمل مشواره مع البيئة الإماراتية، ليمنح بذلك - بعد جهد سنوات - خصوصية لحركة الفن التشكيلي في الإمارات ويؤسس لاتجاهات جديدة في التشكيل الإماراتي كاتجاه “ما بعد التأثيرية” القائم على كثافة وثقل وحجم اللون على سطح اللوحة .
مرت لوحة عبدالقادر الريس بمراحل عدة منذ تشكلها، فاستخدم في بداياته الألوان الزيتية،ثم انتقل إلى التصوير بالألوان المائية، وحالياً يمزج الألوان الزيتية بالمائية وترتبط درجات الألوان عنده حسب الأحوال النفسية وطبيعة العمل، فظهر في البداية تأثره بالمدرسة الرومانسية حيث كان يستخدم الألوان الداكنة المعروفة في عصر النهضة، البني بدرجاته، ثم تحول تأثره إلى المدرسة الانطباعية نحو اللون الأزرق الممزوج بالأخضر “المرحلة الزرقاء”، ثم إلى ألوان الطبيعة المحلية “مجموعة الزعفران” .
اللون يرتبط بالحالة الانفعالية فالألوان القاتمة لحالات الكآبة، والألوان للفرح، حتى بات اليوم واحداً من أسماء الحركة التشكيلية العربية الذين يحضرون عالمياً فكان أكثر ما يميزه أن له السبق والريادة في نقل الفن التشكيلي في الإمارات من المحلية إلى العالمية .
أسهم الفنان عبدالقادر الريس في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وتولى منصب نائب الرئيس في إحدى دوراتها وكثف من مشاركته في معارض الجمعية كافة خلال الفترة من 1980 إلى ،1995 كما شارك في أكثر من 50 معرضا فنيا شخصيا وجماعيا خارج الدولة . ونظم مجموعة من المعارض الشخصية في كل من بيروت، وواشنطن، وألمانيا، وتشيكوسلوفاكيا . ومثّل الإمارات في سلسلة من المعارض الفنية التشكيلية في الدار البيضاء، والكويت، والرياض ولندن، ومدريد، وجنيف، وفيينا، وسيئول، وبولونيا، وباريس، وأثينا .
تقديرا لمسيرته الفنية المستمرة والمتجددة ومشاركاته الدائمة في اللجان التحكيمية المحلية والعربية والعالمية حصل عبدالقادر الريس على مجموعة من الجوائز الذهبية والفضية والتقديرية العربية والعالمية . لذلك كله منحته الإمارات جائزة الدولة التقديرية للعلوم والفنون والآداب في مجال التصوير والرسم في دورتها الأولى في عام 2006 م .