المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) نجوم الغانم . . شعرية اليومي التي لا تنضب



رذاذ عبدالله
6 - 5 - 2013, 05:29 PM
نجوم الغانم . . شعرية اليومي التي لا تنضب




http://im39.gulfup.com/mO043.jpg (http://www.gulfup.com/?iOtcGm)




كمن يدخل عالماً سحرياً مملوءاً بالكائنات، والنباتات الغريبة التي تقع عليها العين للمرة الأولى، كانت الفتاة ذات الثالثة عشرة ربيعاً من عمرها تقّلبُ صفحات كتابٍ بيديها الصغيرتين، وتجهد في قراءة الشروح، واستيعاب الصوّر، لتكتمل في ذهنها الطري حكاية أو حكمة أو مشهد يعلق في بالها، وينقلها من البيت الذي تقطنه برفقة عائلتها إلى مساحة ظلت تجهلها إلى أن مضى أكثر من عقدين من عمرها .

كانت مشدودة بالحواس الخمس إلى الوزن في القصيدة، والصورة الشعرية، والجزالة في اللفظ، والدهشة في المعنى، إذ ذلك بالضرورة ما يصيب طفلةً تقرأ قصيدة لأبي الطيب لمتنبي، أو لأبي فراس الحمداني، أو أبي العلاء المعري، أو غيرهم من كبار الشعر العربي . ومنذ حينها باتت الفتاة ممسوسة بجن القصيدة، لكأنما المتنبي بثوبه المسدول والعمامة التي تعلو رأسه، أشعل في قلبها فتيلاً، ومضى، بعد أن همس في أذنها تعويذة، إلى الغياب .

اشتعل الفتيل في قلب الفتاة وظل إلى اليوم ينير ويشع قصائد، جعلت منها واحدةً من الشاعرات الأكثر حضوراً في المشهد الشعري الإماراتي، وفتحت أمامها شعرية الحياة بتجليات عدة، إذ إلى جانب القصيدة ولدت اللوحة، وقادت كلتاهما الفتاة إلى المشهد البصري المتمثل في الفيلم السينمائي، ذلك إضافة لأذن مرهفة دربتها مئات الأسطوانات وشحذت ذائقة موسيقية رفيعة نسجت خيطاً مشعاً بين القصيدة واللوحة، والمشهد السينمائي، والحياة كلها .

موسيقية جعلت من حياتها أشبه بقصيدة تتوالد يوماً بعد يوم، وتعيش صورها واحدة تلو الأخرى، فاليوم لم تعد الأشياء في عينها المرهفة المشغولة بالتفاصيل صوراً صامتة، بل أرواح تبوح لها بأسرار الكون، إذ تروي عن طفلتها ذات الشعر المنسكب والعينين البراقتين، “طفلتي تعرف تعلقي بالأشجار في بيتي، وعنايتي بها، حتى إنها تقول لي حين تريد مشاغبتي: أنتِ تحبين أشجارك أكثر منا”، وتتساءل متفكرة بحديث طفلتها: “كيف أستطيع العيش من دون أشجاري؟ وكيف أكتب وهي ليست هناك؟ كيف يمكنني أن أتذكر قصائد الحب وقد كتبت كل واحدة منها وأنا أتأملها؟” .

إنها شعرية الحياة، شعرية اليومي التي لا تنضب، كأن كل صوت موسيقا، وكل صورة مشهد في فيلم رومانسي، وكل نص هو قصيدة، حتى الصمت يصبح سكوناً روحانياً ينضج الشعر، فتقول: “لا بد أن أبدأ الكتابة وحدي حيث يمكنني أن أسمع صوت الصمت والأصداء البعيدة لحركة الأشياء جيداً كأنها تهتّز أمامي قبل أن تغيب أو تتبدد” .

ما هي عليه اليوم الشاعرة -قبل كل شيء- والمخرجة السينمائية نجوم الغانم ما هو إلا سلسلة من الأقدار التي تحالف الكون معها لتكون اسماً لا يمكن استثناؤه من الحركة الثقافية الإماراتية، فكان حظها أن تكون ابنة عائلة لم تبخل عليها في شيء؛ توفر لها الألوان، والورق، والكتاب، والدفتر، وتدفئها، لتنمو الموهبة فيها، وتشع، وتعلو نارها التي تضيئها اليوم .

كان توقيت اختيارها الكتابة لتكرس لها جلّ حياتها موفقاً، إذ تزامن مع تمردٍ، وحماسٍ نحوَ القصيدةِ الحديثة -حينها- قصيدة النثر، حيثُ بدأت الكتابة الشعرية في أواخر السبعينات من القرن الماضي عبر قصيدة التفعيلة لتتحوّلَ بعد ذلك إلى قصيدة النثر بعد أن افتتنت بها .

لم تتجه الغانم للنشر إلا في مطلع الثمانينات، حين أدركت أن ما تكتبه صار يمكن له أن يرى النور، فكان إصدارها الأول في عام 1989م، بعنوان “مساء الجنة” .

ولدت نجوم الغانم في دبي في عام 1962 للميلاد، ودرست في مدرسة حي “الفريج”، التي كانت تقطنها . ثم حصلت على شهادة البكالوريوس في الإنتاج والإخراج التلفزيوني في جامعة أوهايو بأمريكا، في عام ،1996 وحصلت على شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي في جامعة غريفيث في أستراليا، في عام 1999 .

بدأت حياة الغانم المهنية في الصحافة، ثم تحولت إلى مجال التدريب، وبعدها إلى الإعلام الإداري، حيث شغلت منصب مدير الإعلام الجديد في مؤسسة الإمارات للإعلام، ثم توجهت إلى الإعلام الالكتروني، لتتفرغ اليوم للكتابة والسينما وللعمل كمستشارة ثقافية وإعلامية .

صدر لها حتى الآن ثمانية دواوين شعرية وإلى جانب القصيدة انشغلت الغانم بالسينما، حيث لمع اسمها كواحدة من أبرز المخرجات الإماراتيات، فمثلت الدولة في عددٍ من المهرجانات السينمائية العالمية، إلا أنها ظلت تؤمن “بأن أهم شيء حدث لها في حياتها هو كتابة الشعر لأنه يجعلها في توازن وتماس شفيف مع الحياة والعالم” .

أخرجت الغانم في المقابل ثمانية أفلام منها الروائية القصيرة، والوثائقية الطويلة، وكان أبرزها: “ما بين ضفتين”، حيث ترصد فيه تجربة (العبرة) ما بين ضفتي خور دبي، كما قامت بإنتاج، وإخراج الشريط الوثائقي الطويل “المريد”، وهو عن تجربة أحد مشاهير المتصوفة الإماراتيين الشيخ عبد الرحيم مريد، وأخرجت فيلماً بعنوان “الحمامة” ولاقي نجاحاً ملحوظاً شغل النقّاد ودفع السينمائي بشار إبراهيم ليطلق عليها لقب “شاعرة السينما الإماراتية”، وحاز الفيلم على الجائزة الأولى عند عرضه الأول في مهرجان دبي السينمائي الدولي في عام ،2011 كما حاز فيلمها “أمل” أيضاً جائزة في مهرجان دبي السينمائي الثامن .