رذاذ عبدالله
3 - 6 - 2013, 11:12 AM
محمد بن سلطان: أشعاري وليدة «الموقف» وهات «ملهمة» أُعطيك شعراً
http://im36.gulfup.com/Mb6WE.jpg (http://www.gulfup.com/?WA907u)
الشيخ محمد بن سلطان بن حمدان آل نهيان، شاعر شاب، ذاعت شهرته ـ رغم أنه لا يزال يعتبر نفسه شاعراً نبطياً هاوياً ـ بين أوساط الشباب الذين يحفظون كلماته، ويرددون أشعاره التي تغنى بها أشهر نجوم الغناء الإماراتي والخليجي. أبياته، وليدة الموقف الشعري الذي يأسره ويتفاعل معه، فإذا داهمته الفكرة، وشعر أنه يعيش اللحظة، يتفاعل مع الموقف ـ أي موقف ـ ولو كان بين أناس كثيرين، تجده ينعزل ذاتياً عن كل ما يدور حوله، ويستحضر المعاني، ويغوص في أعماق الكلمات.
(أبوظبي) ـ الشيخ محمد بن سلطان بن حمدان آل نهيان، تفتحت قريحته مبكراً على آفاق واسعة من ينابيع الكلمة والشعر والبلاغة، ورغم أنه لا يقر بتوريث «الملكة الشعرية» إلا أن « السلالة والبيئة الشعرية» تلعبان دوراً كبيراً في صقل موهبة الشاعر وإثراء تجربته، ولمَ لا وهو الذي تعرف على الشعر من خلال أعمال جده الأكبر، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه -، وأشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وأشعار الشاعر السعودي الكبير خالد الفيصل، وأعمال الشعراء حامد زيد، وسعد علوش، وضيدان بن قضعان.
تجولنا معه عبر محطات كثيرة من حياته، ومواقفه، وأشعاره، وأجاب على تساؤلات «الاتحاد» بقدر كبير من الصدق والشفافية والصراحة، في هذا الحوار:
بدايات
◆ لكل شاعر إرهاصات شعرية مبكرة، وبدايات تسهم في بلورة وتحديد معالم مسيرته.. كيف كانت بداياتك الشعرية؟ وكيف اكتشفت هذه الموهبة في ذاتك؟
◆ بداية، يمكنني أن أقول إنني لا أتفق مع من يرى أن «الشعر يُورَّث»، أو أن الملكة الشعرية يمكن أن تورَّث من جيل إلى جيل، رغم ذلك أرى أن «السلالة الشعرية» تلعب دوراً كبيراً في تكوين وتشكيل الموهبة، لكنها ليست العامل الوحيد بكل تأكيد، ومن شأنها أيضاً أن تؤثر وتلعب دوراً كبيراً إذا عايش الشخص وتربى وترعرع في بيئة يعشق أبناؤها الشعر والأدب، فلا أحد ينكر التأثير الثقافي للبيئة إذ تسهم وتساعد في تشكيل اتجاهات الأبناء، وهذا ينطبق ليس فقط على كتابة الشعر أو أي جانب من جوانب الإبداع، وإنما نراه في نواح إبداعية عديدة، لأن الشخص لا يمكن أن ينسلخ عن واقعه وبيئته، وإن كانت لديه موهبة أو بدايات بدرجة معينة، فإن البيئة الخصبة من شأنها أن تحتويه وتساعده وتصقل اتجاهاته ومواهبه الشعرية بدءاً من إحساسه بالشعر وتذوقه لجمالياته، فالموهبة الشعرية موهبة قد تكون فطرية، إنما هذه الموهبة تحتاج بالطبع إلى تنمية ودراسة وتشجيع وصقل حتى تستطيع أن تكبر وتنمو وتنطلق.
كتابة الخواطر
ويستطرد الشيخ محمد بن سلطان: «ربما كانت بداياتي المبكرة خلال المرحلة الابتدائية، حيث كان يشاركني أحد الزملاء في هواية كتابة الخواطر، أو ربما انطباعات لا تلتزم بالقافية ولا الوزن، لكنها كانت مجرد محاولات، فقد تسيطر عليك فكرة ما، وتحاول أن تصوغها في جملة موزونة في هذه المرحلة، كنا نعتبر ذلك شعراً ونحن في هذه السن. وفي المرحلة الإعدادية اتسعت أفقنا، وعرفنا ما هو الشعر، ووجدت نفسي أقرأ القصائد، وأتذوق جماليات الشعر، وأستطيع أن أميز وأختار منها ما يروق لي، بل بدأت أعشق وأستوعب وأحفظ ما يقوله المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - من أقوال وحكم وأشعار، بل أحببت أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وأشعار الشاعر السعودي الكبير خالد الفيصل، ووجدت نفسي أتابع ما ينشر في الصحف أو المجلات أو في بدايات الإنترنت، وتابعت أعمال الشعراء حامد زيد، وسعد علوش، وضيدان بن قضعان عبر الإنترنت الذي أسهم إلى حد كبير في انتشار قصائدهم وأشعارهم، وغيرهم كثيرين من أساطين الشعر العربي، ووجدت نفسي أحفظ بعضاً منه.
أول قصيدة
◆ هل تتذكر كلمات أولى قصائدك؟
◆ حقيقة لا أتذكرها جيداً، لكنني أتذكر أنها كانت عبارة عن كلمات مقفاة وموزونة، وكنت خلالها في المرحلة الإعدادية، وكنت حريصاً أن أقتني الملحق الشعري الذي كانت تصدره جريدة «الاتحاد» في ذلك الوقت باسم «دانة»، وكنت أنتظره أسبوعياً بشغف كبير، وأقرأه خلال الفسحة بين الدروس، ووجدت نفسي أكتب بعض الأبيات المنظومة، وذيلتها باسم مستعار، وأرسلتها للنشر في الملحق. وتمت الإشارة في عدد لاحق أنها قُبلت، وأنها ستنشر في وقت لاحق حسب الترتيب، لكن للأسف انشغلت بالامتحانات النهائية، وجاءت العطلة الصيفية، وفقدت إمكانية المتابعة، وانشغلت، ولا أعرف للآن هل نشرت أم لا. لكنني في هذه الآونة تيقنت أن الموهبة موجودة، وأنه يمكنني أن أكتب الشعر، بعدها كانت المرحلة الثانوية، ثم التحقت بالجامعة، وعشت موقفاً معيناً، حيث جاريت قصيدة للشاعر الصديق محمد الشريف، وهو أستاذ كبير في الشعر، وربما لم يتح له الوقت لقراءة هذه المحاولة حتى اليوم، ومن ثم توالت أعمالي الشعرية.
◆ كيف تعرّف الجمهور على أشعارك؟
◆ لابد أن أذكر أنني بالفعل محظوظ بالدعم الكبير الذي ألاقيه من والدي، وقد لعبت المصادفة دورها في هذه المرحلة، وكان قد نما إلى علمه أنني أكتب شعراً، لكنه ربما لم يكن قد اطلع عليه، وصادف ذلك أمراً مهماً للغاية يدعمني فيه بشكل خاص، ودائماً ما أرى في الوالد الأخ والصديق، وتأثرت كثيراً بهذا الدعم الذي لا ينسى، ووجدت نفسي أكتب له:
سلام لك يا سيدي يا سنادي ...
يا عزوتي .. يا فخر حمدان جدي
من بعد رب الكون فيك اعتمادي...
وباسمي باعلن للتحدي .. تحدي
وكتبت له هذين البيتين، وأرسلتهما إليه ليلاً، وفي اليوم التالي كان يستقل سيارته، وفتح نافذتها، وقال: «مشكور على البيتين .. لقد قرأتهما ولإعجابي بهما أسمعتهما لعمتك». ـ وهي أكبر عماتي، وكان والدي يعتبرها أماً له، وتحظى بمكانة خاصة في قلبه، وأن يقرأ لها ما كتبت إنما يعني الكثير، وشعرت بالحرج، ورددت: «إنك يا والدي تستاهل الكثير»، وانطلق حيث مقصده، لكنني لم أنم تلك الليلة من الفرحة، كما أنني لم أنم إلا بعد أن أكملت القصيدة التي حملت عنوان: «فخر حمدان»، وهي التي غناها المطرب الصديق عيضة المنهالي، بعد ذلك، ونالت الأغنية إعجاب الوالد الذي سمعها في يوم عيد، وأثنى عليها وعلى أداء عيضة المنهالي الذي يحب صوته كثيراً، وكان هذا الإعجاب بمثابة إذن أو موافقة منه أن تغنى قصائدي، ومن ثم تكرر الأمر، وعرفت قصائدي طريقها إلى مسامع الجمهور من خلال القصائد الوطنية في البداية، ثم تنوعت بعد ذلك، ومنها الأغاني العاطفية أو التي تعبر عن موقف معين كالعتاب والمعاناة والفراق واللوعة وما شابه ذلك.
◆ معظم الشعراء كتبوا إلى الأم.. أما أنت فقد بدأت بالكتابة إلى الأب..؟
◆ كثيرة هي القصائد التي قيلت بحق الأم، ووجدت نفسي أخالف الأمر الشائع وبدأت بالكتابة عن الأب، ربما كما قلت كانت مصادفة مرتبطة بموقف معين، لكن بلا شك أن «الأم» لا يكفيها دواوين.. ودواوين.
طقوس
◆ لكل شاعر طقوس وأجواء معينة تتفتح فيها قريحته ليسبح في عالم الشعر والصور والكلمات.. هل لك طقوس ما تكتب عندها؟
◆ لا.. أشعاري وليدة الموقف، فإذا أحسست أنني أعيش اللحظة، وأتفاعل مع الموقف ـ أي موقف ـ ولو كنت بين أناس كثيرين، تجدني أنعزل ذاتياً عن كل ما يدور حولي، وأستحضر المعاني وأجد نفسي أستطرد في الكتابة، وأرصد الحدث، وأسجل ما أصل إليه من كلمات وأمسك بها، فالأفكار تأتيني في كل وقت، وأحياناً تجدني أمشي، وأحياناً أنسى كم من المسافة مشيت، حتى لو بداخل غرفتي، أجد نفسي ممسكاً بالمسبحة و«أتمشى ذهاباً وإياباً، إلى أن أنتهي من تصوير الموقف الشعري وصياغته في أبيات وقصيدة.
◆هل اختيارك الخط الحديث من الشعر النبطي، وكلمات الغزل العفيف، ما استقطب الفنانين الخليجيين إلى غناء أشعارك؟ أم أنهم يجاملونك؟
◆ الشعر النبطي الحديث سهل الغناء، ويصل إلى الجيل الجديد بسرعة، ولقد عرفت قصائدي الوطنية، وقصائد اللوم أو العتاب، أوغيرها طريقها إلى الغناء، لكن الشباب يميل إلى الأغاني العاطفية والغزل بحكم طبيعته العمرية، ولقد تغنى بقصائدي نخبة من أشهر النجوم الإماراتيين والخليجيين مثل حسين الجسمي، وعيضة المنهالي، وراشد الماجد، وميحد حمد، ولا أظن أن أحداً منهم لديه استعداد كي يضحي بتاريخه ومكانته الفنية، ويجاملني على حساب نفسه، وعلى حساب رصيده الفني عند الجماهير. إن المجاملة مخاطرة تضر بالكاتب والمطرب معاً، فالجمهور ذواق، وإن لم يعجب بالأغنية والكلمات واللحن والأداء سينصرف عن الأغنية، بل سرعان ما ينساها، وكلانا لا نود أن ينصرف عنا الجمهور بلا شك.
◆ هل «تُفصِل» أشعارك تفصيلاً خاصاً كي تصلح للغناء ومن ثم تنتشر بين الجمهور؟
◆ لا بكل تأكيد.. أنا أكتب وأسجل فقط معاناتي الشعرية في موقف محدد كما وضحت، وإن كنت لا أنكر أن الشعر الغنائي أسهل طريقة وأيسر للوصول إلى الجمهور وخاصة إلى الذين لا يقرؤون الشعر. عند الكتابة لا أفكر مطلقاً إن كانت القصيدة ستُغنى أم لا.. المهم أن تخرج في صورة وقالب شعري أنا راض عنه.
اللهجة البيضاء
◆ على من كان عتابك في المرة الأولى؟
◆ لقد تأثرت بموقف ما مع الأصدقاء، وربما لاعتزازي به وبصداقته لم أستطع أن أتواصل معه، وكتبت معبراً عن الموقف بكلمات عتاب، وأعجب بها أيضاً الفنان عيضة المنهالي، وغنّاها باسم «الندم»، في أول تعاون له معي، والحمد لله، رسالتي وصلت من خلال هذه الأغنية، وما رضيت أن تنزل إلى الجمهور قبل غناء قصيدتي الأولى للسيد الوالد، التي أحببت أن تكون أولى قصائدي إلى جمهور الأغنية.
الغزل و«العزوبية»
◆ لشعر الغزل والوجدانيات مساحة كبيرة من أعمالك الشعرية خاصة التي عرفت طريقها إلى الغناء.. هل ثراء هذا اللون يرتبط بفترة «العزوبية»، وهل سيخف وهجه ويقل في المستقبل؟
◆ لا.. إن شاء الله ما يقل، أنا كتبت كل ألوان الشعر في قصائد، ومنها ما انتشرت عن طريق الأغنية، لكن العادة أن شعر الغزل يعلق بذاكرة الشباب، وهم القاعدة العريضة من جمهور الأغنية.
كما أن أهم ما في شعر الغزل، وجود «ملهمة»، وأينما تكون ملهمة الشعر يوجد شعر الغزل.. هات ملهمة وخذ غزلاً، هات ما يلهمني بأي إحساس إنساني نبيل وخذ أجمل قصائد المديح، هات شخصية يولد معها موقف إنساني مؤلم أو مفرح، عندها ستتولد المعاني الشعرية بانسياب، فالموقف متى كان مؤثراً - بألمه أو فرحه - سيجبر أي مبدع، ويأسره، عندما تستنطق أحاسيسه بأعذب الكلمات وأبلغها وأقواها تأثيراً وقبولاً عند الناس.
◆ هل فكرت في كتابة أوبريت غنائي؟
◆ أنا حاستي الوطنية كأي إماراتي، وما قدمت من أشعار وطنية، ومهما كتبت في هذا السياق أشعر بالتقصير، فالوطن حقه علينا أكبر من كل هذه الإسهامات.
وأعتزم كتابة أوبريت غنائي يسجل كل المعاني الوطنية الجياشة في نفس كل إماراتي، وإن شاء الله يخرج إلى الناس في المستقبل القريب.
فايز السعيد.. «سلطان الألحان»
أشاد الشيخ محمد بن سلطان بالفنان فايز السعيد، وقال عنه: «فايز فنان مبدع، وهو مكسب وقيمة فنية وموهبة نعتز بها، وما يميزه عن غيره أنه يعطي لألحانه لوناً خاصاً يشعرك بأنك أمام لوحة ورسوم وصور لحنية تتحرَّك، ويترجم الأحاسيس عبر ألحانه التي تصل إلى قلوب المتلقي بسرعة ومن أقصر الطريق، فإن أسماه الناس سفير الألحان، فإنني أعتبره «سلطان الألحان» بلا منازع، حيث إنه الفنان القادر على إيصال كل المعاني المكتوبة شعراً إلى المتلقي بواسطة اللحن الذي تستسيغه الأذن والمشاعر معاً».
هوايات
عن هواياته غير الشعر، يقول الشيخ محمد بن سلطان: « ممارسة الهوايات من الأشياء التي يمكن أن تورث؛ أو تكتسب من البيئة التي ننشأ ونعيش فيها، بخلاف الشعر ويمكن أن تستهوينا في مرحلة معينة، وفي سن معينة، بعدها يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه، إذا كان يحب هذه الهواية أم لا؟
.. لقد اكتسبت حب هواية القنص، ورياضات الهجن ومزاينة الإبل، وأحرص أن أشارك فيهما باستمرار».
«شاعر المليون»
عن رأيه وتقييمه لمسابقة «شاعر المليون» يقول شاعر الشباب: «شهادتي عن المسابقة مجروحة بكل تأكيد، ودعمتها بكل ما أستطيع ولا ننكر أنها أسهمت في نشر هذا النوع من الشعر في كافة أنحاء العالم العربي، واستطاعت أن تُوجد قاعدة جماهيرية عريضة له، لكن كل تجربة تحتاج بعد فترة إلى إعادة تقييم، وتطوير، ولقد أسهم الإعلام في نجاح البرنامج خلال المدة السابقة إلى حد كبير، لكن أرى أن الشعراء قد ظلموا كثيراًَ، ولم ينالوا القدر الذي يستحقونه من التغطية الإعلامية، والتركيز على مواهبهم وإمكاناتهم.
http://im36.gulfup.com/Mb6WE.jpg (http://www.gulfup.com/?WA907u)
الشيخ محمد بن سلطان بن حمدان آل نهيان، شاعر شاب، ذاعت شهرته ـ رغم أنه لا يزال يعتبر نفسه شاعراً نبطياً هاوياً ـ بين أوساط الشباب الذين يحفظون كلماته، ويرددون أشعاره التي تغنى بها أشهر نجوم الغناء الإماراتي والخليجي. أبياته، وليدة الموقف الشعري الذي يأسره ويتفاعل معه، فإذا داهمته الفكرة، وشعر أنه يعيش اللحظة، يتفاعل مع الموقف ـ أي موقف ـ ولو كان بين أناس كثيرين، تجده ينعزل ذاتياً عن كل ما يدور حوله، ويستحضر المعاني، ويغوص في أعماق الكلمات.
(أبوظبي) ـ الشيخ محمد بن سلطان بن حمدان آل نهيان، تفتحت قريحته مبكراً على آفاق واسعة من ينابيع الكلمة والشعر والبلاغة، ورغم أنه لا يقر بتوريث «الملكة الشعرية» إلا أن « السلالة والبيئة الشعرية» تلعبان دوراً كبيراً في صقل موهبة الشاعر وإثراء تجربته، ولمَ لا وهو الذي تعرف على الشعر من خلال أعمال جده الأكبر، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه -، وأشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وأشعار الشاعر السعودي الكبير خالد الفيصل، وأعمال الشعراء حامد زيد، وسعد علوش، وضيدان بن قضعان.
تجولنا معه عبر محطات كثيرة من حياته، ومواقفه، وأشعاره، وأجاب على تساؤلات «الاتحاد» بقدر كبير من الصدق والشفافية والصراحة، في هذا الحوار:
بدايات
◆ لكل شاعر إرهاصات شعرية مبكرة، وبدايات تسهم في بلورة وتحديد معالم مسيرته.. كيف كانت بداياتك الشعرية؟ وكيف اكتشفت هذه الموهبة في ذاتك؟
◆ بداية، يمكنني أن أقول إنني لا أتفق مع من يرى أن «الشعر يُورَّث»، أو أن الملكة الشعرية يمكن أن تورَّث من جيل إلى جيل، رغم ذلك أرى أن «السلالة الشعرية» تلعب دوراً كبيراً في تكوين وتشكيل الموهبة، لكنها ليست العامل الوحيد بكل تأكيد، ومن شأنها أيضاً أن تؤثر وتلعب دوراً كبيراً إذا عايش الشخص وتربى وترعرع في بيئة يعشق أبناؤها الشعر والأدب، فلا أحد ينكر التأثير الثقافي للبيئة إذ تسهم وتساعد في تشكيل اتجاهات الأبناء، وهذا ينطبق ليس فقط على كتابة الشعر أو أي جانب من جوانب الإبداع، وإنما نراه في نواح إبداعية عديدة، لأن الشخص لا يمكن أن ينسلخ عن واقعه وبيئته، وإن كانت لديه موهبة أو بدايات بدرجة معينة، فإن البيئة الخصبة من شأنها أن تحتويه وتساعده وتصقل اتجاهاته ومواهبه الشعرية بدءاً من إحساسه بالشعر وتذوقه لجمالياته، فالموهبة الشعرية موهبة قد تكون فطرية، إنما هذه الموهبة تحتاج بالطبع إلى تنمية ودراسة وتشجيع وصقل حتى تستطيع أن تكبر وتنمو وتنطلق.
كتابة الخواطر
ويستطرد الشيخ محمد بن سلطان: «ربما كانت بداياتي المبكرة خلال المرحلة الابتدائية، حيث كان يشاركني أحد الزملاء في هواية كتابة الخواطر، أو ربما انطباعات لا تلتزم بالقافية ولا الوزن، لكنها كانت مجرد محاولات، فقد تسيطر عليك فكرة ما، وتحاول أن تصوغها في جملة موزونة في هذه المرحلة، كنا نعتبر ذلك شعراً ونحن في هذه السن. وفي المرحلة الإعدادية اتسعت أفقنا، وعرفنا ما هو الشعر، ووجدت نفسي أقرأ القصائد، وأتذوق جماليات الشعر، وأستطيع أن أميز وأختار منها ما يروق لي، بل بدأت أعشق وأستوعب وأحفظ ما يقوله المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه - من أقوال وحكم وأشعار، بل أحببت أشعار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وأشعار الشاعر السعودي الكبير خالد الفيصل، ووجدت نفسي أتابع ما ينشر في الصحف أو المجلات أو في بدايات الإنترنت، وتابعت أعمال الشعراء حامد زيد، وسعد علوش، وضيدان بن قضعان عبر الإنترنت الذي أسهم إلى حد كبير في انتشار قصائدهم وأشعارهم، وغيرهم كثيرين من أساطين الشعر العربي، ووجدت نفسي أحفظ بعضاً منه.
أول قصيدة
◆ هل تتذكر كلمات أولى قصائدك؟
◆ حقيقة لا أتذكرها جيداً، لكنني أتذكر أنها كانت عبارة عن كلمات مقفاة وموزونة، وكنت خلالها في المرحلة الإعدادية، وكنت حريصاً أن أقتني الملحق الشعري الذي كانت تصدره جريدة «الاتحاد» في ذلك الوقت باسم «دانة»، وكنت أنتظره أسبوعياً بشغف كبير، وأقرأه خلال الفسحة بين الدروس، ووجدت نفسي أكتب بعض الأبيات المنظومة، وذيلتها باسم مستعار، وأرسلتها للنشر في الملحق. وتمت الإشارة في عدد لاحق أنها قُبلت، وأنها ستنشر في وقت لاحق حسب الترتيب، لكن للأسف انشغلت بالامتحانات النهائية، وجاءت العطلة الصيفية، وفقدت إمكانية المتابعة، وانشغلت، ولا أعرف للآن هل نشرت أم لا. لكنني في هذه الآونة تيقنت أن الموهبة موجودة، وأنه يمكنني أن أكتب الشعر، بعدها كانت المرحلة الثانوية، ثم التحقت بالجامعة، وعشت موقفاً معيناً، حيث جاريت قصيدة للشاعر الصديق محمد الشريف، وهو أستاذ كبير في الشعر، وربما لم يتح له الوقت لقراءة هذه المحاولة حتى اليوم، ومن ثم توالت أعمالي الشعرية.
◆ كيف تعرّف الجمهور على أشعارك؟
◆ لابد أن أذكر أنني بالفعل محظوظ بالدعم الكبير الذي ألاقيه من والدي، وقد لعبت المصادفة دورها في هذه المرحلة، وكان قد نما إلى علمه أنني أكتب شعراً، لكنه ربما لم يكن قد اطلع عليه، وصادف ذلك أمراً مهماً للغاية يدعمني فيه بشكل خاص، ودائماً ما أرى في الوالد الأخ والصديق، وتأثرت كثيراً بهذا الدعم الذي لا ينسى، ووجدت نفسي أكتب له:
سلام لك يا سيدي يا سنادي ...
يا عزوتي .. يا فخر حمدان جدي
من بعد رب الكون فيك اعتمادي...
وباسمي باعلن للتحدي .. تحدي
وكتبت له هذين البيتين، وأرسلتهما إليه ليلاً، وفي اليوم التالي كان يستقل سيارته، وفتح نافذتها، وقال: «مشكور على البيتين .. لقد قرأتهما ولإعجابي بهما أسمعتهما لعمتك». ـ وهي أكبر عماتي، وكان والدي يعتبرها أماً له، وتحظى بمكانة خاصة في قلبه، وأن يقرأ لها ما كتبت إنما يعني الكثير، وشعرت بالحرج، ورددت: «إنك يا والدي تستاهل الكثير»، وانطلق حيث مقصده، لكنني لم أنم تلك الليلة من الفرحة، كما أنني لم أنم إلا بعد أن أكملت القصيدة التي حملت عنوان: «فخر حمدان»، وهي التي غناها المطرب الصديق عيضة المنهالي، بعد ذلك، ونالت الأغنية إعجاب الوالد الذي سمعها في يوم عيد، وأثنى عليها وعلى أداء عيضة المنهالي الذي يحب صوته كثيراً، وكان هذا الإعجاب بمثابة إذن أو موافقة منه أن تغنى قصائدي، ومن ثم تكرر الأمر، وعرفت قصائدي طريقها إلى مسامع الجمهور من خلال القصائد الوطنية في البداية، ثم تنوعت بعد ذلك، ومنها الأغاني العاطفية أو التي تعبر عن موقف معين كالعتاب والمعاناة والفراق واللوعة وما شابه ذلك.
◆ معظم الشعراء كتبوا إلى الأم.. أما أنت فقد بدأت بالكتابة إلى الأب..؟
◆ كثيرة هي القصائد التي قيلت بحق الأم، ووجدت نفسي أخالف الأمر الشائع وبدأت بالكتابة عن الأب، ربما كما قلت كانت مصادفة مرتبطة بموقف معين، لكن بلا شك أن «الأم» لا يكفيها دواوين.. ودواوين.
طقوس
◆ لكل شاعر طقوس وأجواء معينة تتفتح فيها قريحته ليسبح في عالم الشعر والصور والكلمات.. هل لك طقوس ما تكتب عندها؟
◆ لا.. أشعاري وليدة الموقف، فإذا أحسست أنني أعيش اللحظة، وأتفاعل مع الموقف ـ أي موقف ـ ولو كنت بين أناس كثيرين، تجدني أنعزل ذاتياً عن كل ما يدور حولي، وأستحضر المعاني وأجد نفسي أستطرد في الكتابة، وأرصد الحدث، وأسجل ما أصل إليه من كلمات وأمسك بها، فالأفكار تأتيني في كل وقت، وأحياناً تجدني أمشي، وأحياناً أنسى كم من المسافة مشيت، حتى لو بداخل غرفتي، أجد نفسي ممسكاً بالمسبحة و«أتمشى ذهاباً وإياباً، إلى أن أنتهي من تصوير الموقف الشعري وصياغته في أبيات وقصيدة.
◆هل اختيارك الخط الحديث من الشعر النبطي، وكلمات الغزل العفيف، ما استقطب الفنانين الخليجيين إلى غناء أشعارك؟ أم أنهم يجاملونك؟
◆ الشعر النبطي الحديث سهل الغناء، ويصل إلى الجيل الجديد بسرعة، ولقد عرفت قصائدي الوطنية، وقصائد اللوم أو العتاب، أوغيرها طريقها إلى الغناء، لكن الشباب يميل إلى الأغاني العاطفية والغزل بحكم طبيعته العمرية، ولقد تغنى بقصائدي نخبة من أشهر النجوم الإماراتيين والخليجيين مثل حسين الجسمي، وعيضة المنهالي، وراشد الماجد، وميحد حمد، ولا أظن أن أحداً منهم لديه استعداد كي يضحي بتاريخه ومكانته الفنية، ويجاملني على حساب نفسه، وعلى حساب رصيده الفني عند الجماهير. إن المجاملة مخاطرة تضر بالكاتب والمطرب معاً، فالجمهور ذواق، وإن لم يعجب بالأغنية والكلمات واللحن والأداء سينصرف عن الأغنية، بل سرعان ما ينساها، وكلانا لا نود أن ينصرف عنا الجمهور بلا شك.
◆ هل «تُفصِل» أشعارك تفصيلاً خاصاً كي تصلح للغناء ومن ثم تنتشر بين الجمهور؟
◆ لا بكل تأكيد.. أنا أكتب وأسجل فقط معاناتي الشعرية في موقف محدد كما وضحت، وإن كنت لا أنكر أن الشعر الغنائي أسهل طريقة وأيسر للوصول إلى الجمهور وخاصة إلى الذين لا يقرؤون الشعر. عند الكتابة لا أفكر مطلقاً إن كانت القصيدة ستُغنى أم لا.. المهم أن تخرج في صورة وقالب شعري أنا راض عنه.
اللهجة البيضاء
◆ على من كان عتابك في المرة الأولى؟
◆ لقد تأثرت بموقف ما مع الأصدقاء، وربما لاعتزازي به وبصداقته لم أستطع أن أتواصل معه، وكتبت معبراً عن الموقف بكلمات عتاب، وأعجب بها أيضاً الفنان عيضة المنهالي، وغنّاها باسم «الندم»، في أول تعاون له معي، والحمد لله، رسالتي وصلت من خلال هذه الأغنية، وما رضيت أن تنزل إلى الجمهور قبل غناء قصيدتي الأولى للسيد الوالد، التي أحببت أن تكون أولى قصائدي إلى جمهور الأغنية.
الغزل و«العزوبية»
◆ لشعر الغزل والوجدانيات مساحة كبيرة من أعمالك الشعرية خاصة التي عرفت طريقها إلى الغناء.. هل ثراء هذا اللون يرتبط بفترة «العزوبية»، وهل سيخف وهجه ويقل في المستقبل؟
◆ لا.. إن شاء الله ما يقل، أنا كتبت كل ألوان الشعر في قصائد، ومنها ما انتشرت عن طريق الأغنية، لكن العادة أن شعر الغزل يعلق بذاكرة الشباب، وهم القاعدة العريضة من جمهور الأغنية.
كما أن أهم ما في شعر الغزل، وجود «ملهمة»، وأينما تكون ملهمة الشعر يوجد شعر الغزل.. هات ملهمة وخذ غزلاً، هات ما يلهمني بأي إحساس إنساني نبيل وخذ أجمل قصائد المديح، هات شخصية يولد معها موقف إنساني مؤلم أو مفرح، عندها ستتولد المعاني الشعرية بانسياب، فالموقف متى كان مؤثراً - بألمه أو فرحه - سيجبر أي مبدع، ويأسره، عندما تستنطق أحاسيسه بأعذب الكلمات وأبلغها وأقواها تأثيراً وقبولاً عند الناس.
◆ هل فكرت في كتابة أوبريت غنائي؟
◆ أنا حاستي الوطنية كأي إماراتي، وما قدمت من أشعار وطنية، ومهما كتبت في هذا السياق أشعر بالتقصير، فالوطن حقه علينا أكبر من كل هذه الإسهامات.
وأعتزم كتابة أوبريت غنائي يسجل كل المعاني الوطنية الجياشة في نفس كل إماراتي، وإن شاء الله يخرج إلى الناس في المستقبل القريب.
فايز السعيد.. «سلطان الألحان»
أشاد الشيخ محمد بن سلطان بالفنان فايز السعيد، وقال عنه: «فايز فنان مبدع، وهو مكسب وقيمة فنية وموهبة نعتز بها، وما يميزه عن غيره أنه يعطي لألحانه لوناً خاصاً يشعرك بأنك أمام لوحة ورسوم وصور لحنية تتحرَّك، ويترجم الأحاسيس عبر ألحانه التي تصل إلى قلوب المتلقي بسرعة ومن أقصر الطريق، فإن أسماه الناس سفير الألحان، فإنني أعتبره «سلطان الألحان» بلا منازع، حيث إنه الفنان القادر على إيصال كل المعاني المكتوبة شعراً إلى المتلقي بواسطة اللحن الذي تستسيغه الأذن والمشاعر معاً».
هوايات
عن هواياته غير الشعر، يقول الشيخ محمد بن سلطان: « ممارسة الهوايات من الأشياء التي يمكن أن تورث؛ أو تكتسب من البيئة التي ننشأ ونعيش فيها، بخلاف الشعر ويمكن أن تستهوينا في مرحلة معينة، وفي سن معينة، بعدها يستطيع الإنسان أن يسأل نفسه، إذا كان يحب هذه الهواية أم لا؟
.. لقد اكتسبت حب هواية القنص، ورياضات الهجن ومزاينة الإبل، وأحرص أن أشارك فيهما باستمرار».
«شاعر المليون»
عن رأيه وتقييمه لمسابقة «شاعر المليون» يقول شاعر الشباب: «شهادتي عن المسابقة مجروحة بكل تأكيد، ودعمتها بكل ما أستطيع ولا ننكر أنها أسهمت في نشر هذا النوع من الشعر في كافة أنحاء العالم العربي، واستطاعت أن تُوجد قاعدة جماهيرية عريضة له، لكن كل تجربة تحتاج بعد فترة إلى إعادة تقييم، وتطوير، ولقد أسهم الإعلام في نجاح البرنامج خلال المدة السابقة إلى حد كبير، لكن أرى أن الشعراء قد ظلموا كثيراًَ، ولم ينالوا القدر الذي يستحقونه من التغطية الإعلامية، والتركيز على مواهبهم وإمكاناتهم.