رذاذ عبدالله
6 - 6 - 2013, 11:41 AM
شُجون نيلية
خيري منصور
* دار الخليج
لو عاد هيرودوتس حياً ومرّ بمصر، لأضاف إلى ما قاله عن نيلها والهبة شيئاً آخر، هو أن الهبات لا تبقى على حالها لآلاف السنين وأن هناك ما يفرض على الموهوبين أن يسهروا على الهِبات التي توارثوها، وأن يحرسوها أيضاً، فالنيل الآن في خطر، وثمة من أبنائه وجلّهم علماء ومؤرخون من قَرَعوا الأجراس منذ عقود، فالنيل اجتذب من أهل مصر الأغلبية الساحقة لكي تعيش على ضفافه، وتزرع وتروي، لكنها أحياناً تغرق، وما يهدد النهر الخالد اليوم، ليس الفيضان بل الشّحة والظمأ، بعد أن شرع بعض الشركاء في منابعه بتحويل مجراه، وهو الآن ليس بحاجة إلى عذارى يُغرقن فيه لافتداء ذويهن، بل لإجراءات دبلوماسية وسياسية، لأن المعلن هو أفكار عامة . وفي مثل هذه الحالة ليس الشيطان هو ما يكمن في التفاصيل، بل العطش الذي إذا شكت منه الكنانة يبست، فالمصريون يعيشون على أربعة في المئة فقط من مساحة بلادهم بسبب الاقبال على النيل، لأنه شريان الحياة الأول، وأي تصلب أو تجلط لهذا الشريان يصيب مصر بالسكتة التاريخية .
إنه عنوان مصر، ومحور حكايات الفولكلور ومُلهم الغناء الجاذب السياحي إضافة إلى كونه سر الحياة .
عندما قُرعت الأجراس كان أصحاب الشأن منصرفين إلى شجون أخرى، جيث لم تعد إفريقيا لعقود هي المجال الحيوي الذي يختبر قدرة مصر على إدارة الأزمات، خصوصاً المتعلقة بها وفي مقدمتها النيل .
ومصر من دون النيل لا تجد أمامها غير التَّيمُّم، لأنه الوضوء وبديل المطر ودورة الحياة، لهذا كان مشروع السد العالي من أهم ثلاثة مشاريع في تاريخ مصر الحديث، وما كتب عنه من أناشيد وأغنيات ومقالات وكتب، ينافس ما كتب عن الأهرام وأبي الهول .
وحين يقال إن الحروب القادمة سوف تتقدمها حروب الماء فذلك ليس على سبيل التهويل أو المجاز .
فالحروب لا تخجل من أسبابها حتى لو كانت التوابل والملح، وأحياناً ما لا نتوقعه من الأسباب، فما أن تشحّ سلعة ما حتى توقظ الهاجع من نزعة التمدد وربما العدوان .
ما كتبه الراحل د . جمال حمدان عن عبقرية النيل وما أعقبه من كتابات لعلماء آخرين، لم يكن مجرد قصائد مديح عن نهر، بقدر ما كان ربطاً عضوياً بين مصر وهذا الشرط، بل القدر، الذي يتحكم بحياتها، بدءاً من عُشبة حتى جرعة ماء تطفئ ظمأ طفل .
وهناك مقولة سياسية لازمت كل العهود في مصر، هي أن النيل والوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط هما الأمانة العظمى والأبدية في عنق من يحكم مصر .
الاثنان الآن يختبران منسوب الحكمة والقوة معاً، بحيث تُحل الأزمة المائية بلا دماء، وتتحقق الوحدة الوطنية بلا ثمن باهظ من الاحتراب الأهلي .
ما قاله هيرودوتس في زمنه عن النيل لا يكفي، لأن الهِبات سواء كانت لأنهار أو محيطات تحتاج إلى إدامة وسهر ورعاية .
خيري منصور
* دار الخليج
لو عاد هيرودوتس حياً ومرّ بمصر، لأضاف إلى ما قاله عن نيلها والهبة شيئاً آخر، هو أن الهبات لا تبقى على حالها لآلاف السنين وأن هناك ما يفرض على الموهوبين أن يسهروا على الهِبات التي توارثوها، وأن يحرسوها أيضاً، فالنيل الآن في خطر، وثمة من أبنائه وجلّهم علماء ومؤرخون من قَرَعوا الأجراس منذ عقود، فالنيل اجتذب من أهل مصر الأغلبية الساحقة لكي تعيش على ضفافه، وتزرع وتروي، لكنها أحياناً تغرق، وما يهدد النهر الخالد اليوم، ليس الفيضان بل الشّحة والظمأ، بعد أن شرع بعض الشركاء في منابعه بتحويل مجراه، وهو الآن ليس بحاجة إلى عذارى يُغرقن فيه لافتداء ذويهن، بل لإجراءات دبلوماسية وسياسية، لأن المعلن هو أفكار عامة . وفي مثل هذه الحالة ليس الشيطان هو ما يكمن في التفاصيل، بل العطش الذي إذا شكت منه الكنانة يبست، فالمصريون يعيشون على أربعة في المئة فقط من مساحة بلادهم بسبب الاقبال على النيل، لأنه شريان الحياة الأول، وأي تصلب أو تجلط لهذا الشريان يصيب مصر بالسكتة التاريخية .
إنه عنوان مصر، ومحور حكايات الفولكلور ومُلهم الغناء الجاذب السياحي إضافة إلى كونه سر الحياة .
عندما قُرعت الأجراس كان أصحاب الشأن منصرفين إلى شجون أخرى، جيث لم تعد إفريقيا لعقود هي المجال الحيوي الذي يختبر قدرة مصر على إدارة الأزمات، خصوصاً المتعلقة بها وفي مقدمتها النيل .
ومصر من دون النيل لا تجد أمامها غير التَّيمُّم، لأنه الوضوء وبديل المطر ودورة الحياة، لهذا كان مشروع السد العالي من أهم ثلاثة مشاريع في تاريخ مصر الحديث، وما كتب عنه من أناشيد وأغنيات ومقالات وكتب، ينافس ما كتب عن الأهرام وأبي الهول .
وحين يقال إن الحروب القادمة سوف تتقدمها حروب الماء فذلك ليس على سبيل التهويل أو المجاز .
فالحروب لا تخجل من أسبابها حتى لو كانت التوابل والملح، وأحياناً ما لا نتوقعه من الأسباب، فما أن تشحّ سلعة ما حتى توقظ الهاجع من نزعة التمدد وربما العدوان .
ما كتبه الراحل د . جمال حمدان عن عبقرية النيل وما أعقبه من كتابات لعلماء آخرين، لم يكن مجرد قصائد مديح عن نهر، بقدر ما كان ربطاً عضوياً بين مصر وهذا الشرط، بل القدر، الذي يتحكم بحياتها، بدءاً من عُشبة حتى جرعة ماء تطفئ ظمأ طفل .
وهناك مقولة سياسية لازمت كل العهود في مصر، هي أن النيل والوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط هما الأمانة العظمى والأبدية في عنق من يحكم مصر .
الاثنان الآن يختبران منسوب الحكمة والقوة معاً، بحيث تُحل الأزمة المائية بلا دماء، وتتحقق الوحدة الوطنية بلا ثمن باهظ من الاحتراب الأهلي .
ما قاله هيرودوتس في زمنه عن النيل لا يكفي، لأن الهِبات سواء كانت لأنهار أو محيطات تحتاج إلى إدامة وسهر ورعاية .