رذاذ عبدالله
28 - 6 - 2013, 10:56 AM
"بغداد المدينة المدورة"
أسماء العويس
* دار الخليج
من المعروف أن أبا جعفر هو الذي أنشأ مدينة بغداد حيث شرع في عمارتها عام 145 هـ ، ونزلها عام 149 هـ (762م)، وهذا يعني أن بناءها استغرق أربعة أعوام .
وتروي كتب التاريخ أن المنصور، رغم شهرته بالبخل، أنفق على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف دينار ذهباً بعملة ذلك العصر، وأنه أحضر الصنّاع وأصحاب المهن من الشام، والموصل والكوفة وواسط كما أمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان ممن حضر الحجاج بن أرطأة والإمام أبو حنيفة، كما وضع بيده حجر الأساس وقال: “بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين” ثم استطرد قائلاً:
“ابنوا على بركة الله” . ويروى أنه اشترك في بنائها نحو مئة ألف عامل ويورد المؤرخون سبب بناء المنصور لبغداد، كما يوردون لاختيار موقعها، قصة تشير إلى أن المنصور خرج ذات يوم في نفر من رجاله من شواطئ الفرات، بل من عاصمته الهاشمية يريد ساحل دجلة الغربي بحثاً عن منطقة لعاصمة جديدة تليق بملكه وتجوّل في هذه المنطقة التي تكثر فيها القرى والبساتين واختار موضعاً لها عند شواطئ دجلة بعد استشارة خاصته والمهندسين وأهل المعرفة بالعمارة . ويروي “المقدسي” الجغرافي العربي المشهور أن المنصور قَبِل نصيحة سكان المنطقة باختيار الموضع لوقوعه وسطاً فقالوا: وأنت يا أمير المؤمنين على نهر الصراة تجيئك الميرة من الغرب ومن الفرات تجيئك طرائف الشام ومصر، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها حتى تصل إلى نهر الزاب، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من الروم والجزيرة والموصل في دجلة وأنت بين أنهار لا يصل إليها عدوك إلا على جسر أو قنطرة، وأنت قريب من البر والبحر والجبل . لهذا جاءت بغداد مدينة مدوّرة . شُيّد حول المدينة “المدورة” عند تأسيسها سوران ثم شُيّد سور ثالث في داخلها، فأصبحت الأسوار ثلاثة وعلى شكل دوائر مركزها الجامع والقصر المعروف ب “قصر الذهب” وجعل في كل سور أربعة أبواب، يبعد الواحد عن الآخر ميلاً واحداً وعلى كل باب قبة عالية، وبين كل قبتين ثمانية وعشرون برجاً، وفوق القصر القبة الشهيرة المعروفة بالقبة الخضراء يشاهد في أعلاها فارس يحمل بيده رمحاً يتجه أنّى تتجه الريح . وكانت أهم معالم المدينة المدورة “الجامع الكبير” و”قصر باب الذهب” و”قصر الخلد” والأبواب الحديدية . أما عن أبواب المدينة المدورة فكانت أربعة أبواب هي: باب البصرة: ويقع في الجنوب الشرقي، على ضفة نهر دجلة حيث فروع نهر عيسى، وباب الكوفة: يقع في الجنوب الغربي ويخرج منه طريق الحج المار جنوباً، وباب الشام: يقع في الشمال الغربي حيث يتفرع الطريق إلى فرعين: فرع يسير يميناً باتجاه المدن الواقعة على ضفاف دجلة الواقعة شمالي بغداد، وباب خراسان: المؤدي إلى الجسر الكبير على نهر دجلة حيث يعبر الناس إلى الضفة الشرقية، ومنه إلى طريق خراسان، الذي يصل بغداد بأقاليم الخلافة الشرقية . أما عن أسماء بغداد فهي متعددة أشهرها “بغداد” وهناك تفسيرات عدة لهذه التسمية وفي بغداد لغات عدة منها: بغداد - بغدان - مغداذ - مغداد . مغدان تذكر وتؤنث في كل اللغات كما سميت “مدينة المنصور” و”مدينة السلام” ويمكن تقسيم تاريخ بغداد منذ تأسيسها على يد المنصور إلى سقوطها وتدميرها على يد الجيش المغولي بقيادة هولاكو في سنة 656هـ إلى خمسة أدوار كبرى هي:
الأول: دور الخلفاء العظام منذ قيام البيت العباسي وحتى وفاة الخليفة المأمون، وهذا عصر بغداد الذهبي وأزهى عصور التاريخ الإسلامي .
الثاني: دور سيطرة الحرس والجيش التركي على الخلافة والخلفاء وينتهي هذا الدور في سنة 334هـ، حينما دخل الأمير معز الدولة البويهي بغداد . والثالث: دور السيطرة الفارسية إبان حكم آل بويه جنوب وغرب إيران وامتداد سيطرتهم إلى العراق . والرابع: دور السيادة التركمانية إبان حكم السلاجقة الذي بدأ بدخول ظغرلبك في سنة 447هـ وانتهى في سنة 552هـ بوفاة السلطان سنجر . والخامس: دور الاضمحلال والسقوط حين هب الاعصار المغولي على بغداد في سنة 656 فدمرها ونهبها وسفك دماء سكانها وقتل المستعصم آخر خلفاء بني العباس .
ومن معالم بغداد القديمة الشاخصة القصر العباسي، وقد استخدم في بنائه الآجر والجص ويحتوي على إيوان عال فسيح وتعلوه فتحة واسعة مزينة بزخارف جميلة دقيقة الصنع رائعة الجمال بديعة التكوين في التركيب والتنسيق والترتيب . ومن المعالم أيضاً المدرسة المستنصرية وشرع الخليفة المستنصر ببنائها سنة 625هـ 1227م . وانتهى منها سنة 631هـ واستخدم في البناء الآجر المحكم والجص وكانت هذه المدرسة أول جامعة إسلامية وهي اليوم مؤلفة من كليات ودراسات تخصصية مختلفة وسكن لطلبة العلم .
أسماء العويس
* دار الخليج
من المعروف أن أبا جعفر هو الذي أنشأ مدينة بغداد حيث شرع في عمارتها عام 145 هـ ، ونزلها عام 149 هـ (762م)، وهذا يعني أن بناءها استغرق أربعة أعوام .
وتروي كتب التاريخ أن المنصور، رغم شهرته بالبخل، أنفق على عمارة بغداد ثمانية عشر ألف دينار ذهباً بعملة ذلك العصر، وأنه أحضر الصنّاع وأصحاب المهن من الشام، والموصل والكوفة وواسط كما أمر باختيار قوم من أهل الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة، وكان ممن حضر الحجاج بن أرطأة والإمام أبو حنيفة، كما وضع بيده حجر الأساس وقال: “بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين” ثم استطرد قائلاً:
“ابنوا على بركة الله” . ويروى أنه اشترك في بنائها نحو مئة ألف عامل ويورد المؤرخون سبب بناء المنصور لبغداد، كما يوردون لاختيار موقعها، قصة تشير إلى أن المنصور خرج ذات يوم في نفر من رجاله من شواطئ الفرات، بل من عاصمته الهاشمية يريد ساحل دجلة الغربي بحثاً عن منطقة لعاصمة جديدة تليق بملكه وتجوّل في هذه المنطقة التي تكثر فيها القرى والبساتين واختار موضعاً لها عند شواطئ دجلة بعد استشارة خاصته والمهندسين وأهل المعرفة بالعمارة . ويروي “المقدسي” الجغرافي العربي المشهور أن المنصور قَبِل نصيحة سكان المنطقة باختيار الموضع لوقوعه وسطاً فقالوا: وأنت يا أمير المؤمنين على نهر الصراة تجيئك الميرة من الغرب ومن الفرات تجيئك طرائف الشام ومصر، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها حتى تصل إلى نهر الزاب، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من الروم والجزيرة والموصل في دجلة وأنت بين أنهار لا يصل إليها عدوك إلا على جسر أو قنطرة، وأنت قريب من البر والبحر والجبل . لهذا جاءت بغداد مدينة مدوّرة . شُيّد حول المدينة “المدورة” عند تأسيسها سوران ثم شُيّد سور ثالث في داخلها، فأصبحت الأسوار ثلاثة وعلى شكل دوائر مركزها الجامع والقصر المعروف ب “قصر الذهب” وجعل في كل سور أربعة أبواب، يبعد الواحد عن الآخر ميلاً واحداً وعلى كل باب قبة عالية، وبين كل قبتين ثمانية وعشرون برجاً، وفوق القصر القبة الشهيرة المعروفة بالقبة الخضراء يشاهد في أعلاها فارس يحمل بيده رمحاً يتجه أنّى تتجه الريح . وكانت أهم معالم المدينة المدورة “الجامع الكبير” و”قصر باب الذهب” و”قصر الخلد” والأبواب الحديدية . أما عن أبواب المدينة المدورة فكانت أربعة أبواب هي: باب البصرة: ويقع في الجنوب الشرقي، على ضفة نهر دجلة حيث فروع نهر عيسى، وباب الكوفة: يقع في الجنوب الغربي ويخرج منه طريق الحج المار جنوباً، وباب الشام: يقع في الشمال الغربي حيث يتفرع الطريق إلى فرعين: فرع يسير يميناً باتجاه المدن الواقعة على ضفاف دجلة الواقعة شمالي بغداد، وباب خراسان: المؤدي إلى الجسر الكبير على نهر دجلة حيث يعبر الناس إلى الضفة الشرقية، ومنه إلى طريق خراسان، الذي يصل بغداد بأقاليم الخلافة الشرقية . أما عن أسماء بغداد فهي متعددة أشهرها “بغداد” وهناك تفسيرات عدة لهذه التسمية وفي بغداد لغات عدة منها: بغداد - بغدان - مغداذ - مغداد . مغدان تذكر وتؤنث في كل اللغات كما سميت “مدينة المنصور” و”مدينة السلام” ويمكن تقسيم تاريخ بغداد منذ تأسيسها على يد المنصور إلى سقوطها وتدميرها على يد الجيش المغولي بقيادة هولاكو في سنة 656هـ إلى خمسة أدوار كبرى هي:
الأول: دور الخلفاء العظام منذ قيام البيت العباسي وحتى وفاة الخليفة المأمون، وهذا عصر بغداد الذهبي وأزهى عصور التاريخ الإسلامي .
الثاني: دور سيطرة الحرس والجيش التركي على الخلافة والخلفاء وينتهي هذا الدور في سنة 334هـ، حينما دخل الأمير معز الدولة البويهي بغداد . والثالث: دور السيطرة الفارسية إبان حكم آل بويه جنوب وغرب إيران وامتداد سيطرتهم إلى العراق . والرابع: دور السيادة التركمانية إبان حكم السلاجقة الذي بدأ بدخول ظغرلبك في سنة 447هـ وانتهى في سنة 552هـ بوفاة السلطان سنجر . والخامس: دور الاضمحلال والسقوط حين هب الاعصار المغولي على بغداد في سنة 656 فدمرها ونهبها وسفك دماء سكانها وقتل المستعصم آخر خلفاء بني العباس .
ومن معالم بغداد القديمة الشاخصة القصر العباسي، وقد استخدم في بنائه الآجر والجص ويحتوي على إيوان عال فسيح وتعلوه فتحة واسعة مزينة بزخارف جميلة دقيقة الصنع رائعة الجمال بديعة التكوين في التركيب والتنسيق والترتيب . ومن المعالم أيضاً المدرسة المستنصرية وشرع الخليفة المستنصر ببنائها سنة 625هـ 1227م . وانتهى منها سنة 631هـ واستخدم في البناء الآجر المحكم والجص وكانت هذه المدرسة أول جامعة إسلامية وهي اليوم مؤلفة من كليات ودراسات تخصصية مختلفة وسكن لطلبة العلم .