رذاذ عبدالله
29 - 6 - 2013, 05:01 PM
القهر بالنكهة السورية
إسلام أبو شكير
* الرؤيـة الإماراتية
في أحد مطاعم دمشق منذ بضع سنوات كانت أمامي على الطاولة زجاجة ماء من نوع جديد. نظرت إلى اللصاقة، فعرفت أنه ماء مستورد من السعودية. طلبت من العامل أن يغيره لي بماء بقين أو دريكيش السوري. لم أتخيل نفسي قادراً على تجرع ماء مستورد وأنا في سوريا، على مرمى حجر من بردى والفيجة، وغير بعيد عن الفرات والعاصي.
عندما وصلت الإمارات قبل إحدى عشرة سنة استغربت أن أحداً لا يشرب الماء من الحنفيات، لكنني تفهمت الأمر فيما بعد، لما عرفته عن الظروف البيئية الصعبة في الإمارات .. برغم أنني ما زلت أتمنى أن يعرف الإماراتيون لذة شرب الماء من الحنفية.
في سوريا الآن أصبح الماء بلا نكهة، لذلك يستوردون لنا ماء بالنكهة السعودية؛ تماماً كما استوردوا لنا سمنة «الأصيل» ذات النكهة الإماراتية، وزيت دوار الشمس بالنكهة التركية. وكما استوردوا لنا القمح بالنكهات الروسية والأمريكية، واللحم بالنكهة الأسترالية والصومالية.
كل ما في سوريا أصبح فاقداً لنكهته. لا شيء يشبه نفسه. ولم يعد ثمة حرام على الإطلاق. حتى (اللفّايات ـ الشغالات باللهجة السورية) استكثروا عليهن رزقاً غير كريم، فاستوردوا عوضاً عنهن (مدبرات منازل) من إندونيسيا وسيريلانكا.
ليس لـ «سورية» سوريا من معنى لديهم إلا في اللحظة التي يهمس فيها أحد السوريين بكلمة «حرية». هنا يصبح «القهر» خصوصية سورية لا ينبغي التفريط بها. هنا فقط تصبح سوريا مهددة في هويتها. هنا فقط يكثر الحديث عن نكهات سعودية وقطرية وأمريكية وفرنسية وإسرائيلية وشيشانية وغواتيمالية وشيطانية ومريخية مشبوهة تريد أن تفسد على القهر السوري مذاقه المرّ.
القهر خصوصيتنا المقدسة التي لا يجوز أن يفسدها أحد.
و«الحرية» في المنطق السوري الرسمي حق لجميع البشر (الأفغان والفلسطينيين والعراقيين والتوانسة والمصاروة، وعناصر حزب الله ..) باستثناء السوريين.
نحن لسنا كهؤلاء كما يردد المهرجون الذين يدفع بهم الجنرالات عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية.
نحن سوريون، نشرب الماء السعودي، ونطهو اللحمة الأسترالية بالسمنة الإماراتية، ونشعل سجائرنا الأمريكية بأعواد الثقاب الصينية، ونرتدي القمصان المصنوعة من نسيج هندي أو صيني .. لا بأس .. لكن الحرية خط أحمر (زاده احمراراً دم مئة ألف شهيد مؤخراً)، ولا يجوز تخطيه.
في الحرية نحن لسنا كسوانا، ولنا قضايانا الخاصة.
يقترحون علينا جملة من هذه القضايا: تفضلوا. انتقوا من هذه القائمة ما تشاؤون. بإمكانكم أن تناضلوا ضد رئيس بلدية لا يعجبكم. بإمكانكم أن تناضلوا ضد شرطي مرور يتسول منكم إكرامية مقابل عفو فوري يصدره عن مخالفة ارتكبتموها. بإمكانكم أن تتظاهروا ضد أوباما، أو عبدالحليم خدام أو الحريري؛ أما ميشال عون فهو حليفنا الآن، عليكم أن تسامحوه بدماء آلاف الجنود الذين قتلوا في الهجوم الذي قدناه ضده في قصر بعبدا. بإمكانكم أيضاً أن تشتموا رئيس الوزراء السابق، أما الحالي فنريد أن نعطيه فرصة ..
لم يبقوا لنا من هويتنا السورية سوى الألم الذي ذاقه المسيح على أرض سوريا .. أما قيامة المسيح فجعلوها هرطقة عقابها الحصار والقصف بالأسلحة ذات النكهة الكيماوية ..
إسلام أبو شكير
* الرؤيـة الإماراتية
في أحد مطاعم دمشق منذ بضع سنوات كانت أمامي على الطاولة زجاجة ماء من نوع جديد. نظرت إلى اللصاقة، فعرفت أنه ماء مستورد من السعودية. طلبت من العامل أن يغيره لي بماء بقين أو دريكيش السوري. لم أتخيل نفسي قادراً على تجرع ماء مستورد وأنا في سوريا، على مرمى حجر من بردى والفيجة، وغير بعيد عن الفرات والعاصي.
عندما وصلت الإمارات قبل إحدى عشرة سنة استغربت أن أحداً لا يشرب الماء من الحنفيات، لكنني تفهمت الأمر فيما بعد، لما عرفته عن الظروف البيئية الصعبة في الإمارات .. برغم أنني ما زلت أتمنى أن يعرف الإماراتيون لذة شرب الماء من الحنفية.
في سوريا الآن أصبح الماء بلا نكهة، لذلك يستوردون لنا ماء بالنكهة السعودية؛ تماماً كما استوردوا لنا سمنة «الأصيل» ذات النكهة الإماراتية، وزيت دوار الشمس بالنكهة التركية. وكما استوردوا لنا القمح بالنكهات الروسية والأمريكية، واللحم بالنكهة الأسترالية والصومالية.
كل ما في سوريا أصبح فاقداً لنكهته. لا شيء يشبه نفسه. ولم يعد ثمة حرام على الإطلاق. حتى (اللفّايات ـ الشغالات باللهجة السورية) استكثروا عليهن رزقاً غير كريم، فاستوردوا عوضاً عنهن (مدبرات منازل) من إندونيسيا وسيريلانكا.
ليس لـ «سورية» سوريا من معنى لديهم إلا في اللحظة التي يهمس فيها أحد السوريين بكلمة «حرية». هنا يصبح «القهر» خصوصية سورية لا ينبغي التفريط بها. هنا فقط تصبح سوريا مهددة في هويتها. هنا فقط يكثر الحديث عن نكهات سعودية وقطرية وأمريكية وفرنسية وإسرائيلية وشيشانية وغواتيمالية وشيطانية ومريخية مشبوهة تريد أن تفسد على القهر السوري مذاقه المرّ.
القهر خصوصيتنا المقدسة التي لا يجوز أن يفسدها أحد.
و«الحرية» في المنطق السوري الرسمي حق لجميع البشر (الأفغان والفلسطينيين والعراقيين والتوانسة والمصاروة، وعناصر حزب الله ..) باستثناء السوريين.
نحن لسنا كهؤلاء كما يردد المهرجون الذين يدفع بهم الجنرالات عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية.
نحن سوريون، نشرب الماء السعودي، ونطهو اللحمة الأسترالية بالسمنة الإماراتية، ونشعل سجائرنا الأمريكية بأعواد الثقاب الصينية، ونرتدي القمصان المصنوعة من نسيج هندي أو صيني .. لا بأس .. لكن الحرية خط أحمر (زاده احمراراً دم مئة ألف شهيد مؤخراً)، ولا يجوز تخطيه.
في الحرية نحن لسنا كسوانا، ولنا قضايانا الخاصة.
يقترحون علينا جملة من هذه القضايا: تفضلوا. انتقوا من هذه القائمة ما تشاؤون. بإمكانكم أن تناضلوا ضد رئيس بلدية لا يعجبكم. بإمكانكم أن تناضلوا ضد شرطي مرور يتسول منكم إكرامية مقابل عفو فوري يصدره عن مخالفة ارتكبتموها. بإمكانكم أن تتظاهروا ضد أوباما، أو عبدالحليم خدام أو الحريري؛ أما ميشال عون فهو حليفنا الآن، عليكم أن تسامحوه بدماء آلاف الجنود الذين قتلوا في الهجوم الذي قدناه ضده في قصر بعبدا. بإمكانكم أيضاً أن تشتموا رئيس الوزراء السابق، أما الحالي فنريد أن نعطيه فرصة ..
لم يبقوا لنا من هويتنا السورية سوى الألم الذي ذاقه المسيح على أرض سوريا .. أما قيامة المسيح فجعلوها هرطقة عقابها الحصار والقصف بالأسلحة ذات النكهة الكيماوية ..