رذاذ عبدالله
30 - 6 - 2013, 05:38 PM
في ذكرى رحيله.. ناظم حكمت: ادفنوني وغطوني بأوراق الدلب
* الثورة السورية
في مدينة أحلامه البيضاء (احدى قصائده) كتب يقول: قد تبدو الحياة أقصر مما يجب أن تكون وقد تكون أطول.
وبالنسبة لمرحلة التزامه السياسي التي بقي مخلصا لها حتى النهاية حيث يقول في رواية سيرته الذاتية «الرومانسيون»: «أنا شيوعي, أنا الحب من القدمين وحتى الرأس»، نستطيع القول انه لم يعش أكثر مما يجب.
ناظم حكمت: الشاعر التركي الكبير الذي تصادف اليوم الذكرى الخمسون لوفاته ومازالت أشعاره تعكس نضاله ومرارة سجنه ومنفاه, لقد تحول الى جزء من التراث العالمي فهو أحد رواد الشعر والحداثة هو شاعر الحب والثورة أنشد للناس المهمشين للعمال للفلاحين وخاطب شعوب الأرض كافة.
ولد ناظم حكمت عام 1902 في جزيرة سالونيك لعائلة مرموقة ومات في حزيران 1963 في منفاه في موسكو.
يقول: لقد بذلوا قصارى جهدهم لكي أفصل من حزبي فلم يفلحوا كما أنهم لم يستطيعوا سحقي تحت الأصنام التي سقطت.
التحق بالمعسكر المناهض للزعيم ستالين بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك وقد جاء ذلك انسجاماً مع ثقته التامة بالقادة الجدد وطريقتهم في بناء الاشتراكية يومذاك, وعن أمل القادم من الأيام أنشد للخبز للورد للحرية, فهل مازالت أشعاره التي ترسخت في الوجدان صالحة اليوم وماذا بقي من هذا الشعر الذي قيل في النصف الأول من القرن العشرين مع بداية حرب عالمية واستلام البلشفيين السلطة التي انتهت بانهيار الشيوعية منذ سنوات.
للبحث عن جواب لهذا السؤال لابد من الاعتراف بأن ناظم حكمت لم يكن زعيماً سياسياً ولا ايديولوجياً لقد كان شاعراً فذاً كغيره من شعراء جيله الكبار وكانت ثورة أكتوبر (العشرة أيام التي هزت العالم حسب تعبير جون ريد) قد تركت أثرها الكبير في حياة هذا الشاعر الذي أصبح شاعرا أمميا.
في العام 1922 ذهب الى موسكو وسجل في جامعة «أهل الشرق «لدراسة الماركسية وهناك التقى جماعة «المستقبلية» التي كان رائدها ماياكوفسكي حيث ربطته علاقة صداقة معه وكان له الأثر الكبير في أشعار ناظم حكمت وهناك كان يذهب لحراسة المنصة التي تضم نعش لينين .
بعدها عاد الى تركيا وناضل في صفوف الحزب الشيوعي التركي سراً ومن ثم عاد الى موسكو (1925-1928) ثم استفاد من العفو الشامل ليعود الى بلده ويبقى فيه حتى عام 1932 نشر خلالها خمس مجموعات شعرية لاقت نجاحا كبيرا غير أنه مالبث أن أوقف بتهمة التآمر على الدولة وزجّ به في سجن بورصة حتى العام 1935 ثم من العام 1938 الى 1950 بتهمة التحريض على التمرد وقد جاء اعلان العقوبة هذه بناء على اتهام مزور لكن ناظم حكمت استأنف في سجنه كتابة الشعر وأدب القص الشعبي عن سجناء كانوا معه مزارعين وعمالاً وفي العام 1950 باشر إضرابه عن الطعام فتحركت لأجله تظاهرات داخل تركيا وخارجها نظمتها لجان عالمية في باريس بدعم من الشاعر لويس أراغون مطالبة بحرية ناظم حكمت فاستعاد حريته وغادر تركيا سراً ليستقر في موسكو ويكتب مسرحيات وأشعار حنين الى الوطن كما أنتج الكثير من المقالات والمجموعات القصصية والروايات وكان يترجم عن اللغتين الفرنسية والروسية, بعد ذلك بدأ جولاته في عدد من المدن الأوروبية والآسيوية والافريقية أيضا في هافانا مدافعا عن قضية السلام ومنشدا قصائده التي منعت طويلا.
يقول: في السادسة والثلاثين من عمري قضيت ستة أشهر وأنا أتحرك في أربعة أمتار من البيتون, وفي التاسعة والخمسين طرت الى براغ ومن ثم الى هافانا.
ادفنوني في الأناضول في مقبرة المدينة وغطوني بأوراق الدلب إن أمكن .
وحتى اليوم لم تفلح محاولات عائلته في اعادة جثمانه الى بلده.
يعتبر ناظم حكمت مبدعاً كبيراً في الشعر المعاصر وضح أفكاره بالقصيدة الحرة ضارباً صفحاً عن الشكل التقليدي وتحت تأثير التيار المستقبلي والبنيوي أنشد المجتمع الجديد ومعركة الناس الذين يعشقون الحرية والعدالة الاجتماعية كما انتقل الى الحداثة في التراث الملحمي حين كتب ملحمة «الشيخ بدر الدين «و «مشاهد انسانية «ففي تلك الملحمة كانت المحاولة الأولى في التحليل التاريخي داخل الشعر التركي وفيها وجهة نظر ماركسية للشاعر الذي نقل القصة الى الشعر والنثر أيضا النظرة التاريخية القائمة على مفهوم صراع الطبقات يروي فيها تمرد الشيخ بدر الدين الذي سحقته السلطات العثمانية وذلك اعتمادا على التاريخ المكتوب عن شهود العيان وفي «مشاهد انسانية» الذي يعتبر أفضل أعماله دون منازع يجسد تاريخ مجتمع في أشخاص شكلوا شاهداً على مراحل تاريخية متعددة.
لقد عبر ناظم حكمت من الأفق التركي الى العالمي من الجزء الى الكل جمع بين الماضي والحاضر بطريقة ملفتة, توجه في شعره الثوري الى الانسانية جمعاء يقول: لم أتحسر يوما لأني أتيت مبكراً الى العالم .
أنا ابن القرن العشرين وأنا فخور بذلك
وبمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته - والحديث لكاتب المقال - ذهبت الى مقبرة نوفوديفتشي حيث يرقد ناظم حكمت لأزور ضريحه فوجدته منحوتا في الحجر تعلوه صورة جانبية للشاعر فوق القبر باتجاه الأمام كما لو أنه يريد الفرار من ظلمة القبر وكما لو أنه يريد الذهاب في مسير طويل بجسده الصلب ونظرته الحازمة وعلى قاعدة الضريح هناك تاريخ ميلاده وموته.
عانقته قبل أن أضع عليه القرنفل الأحمر وكان ذلك بمثابة وداع لقرن مضى بمناطقه المظلمة والمضيئة.
* الثورة السورية
في مدينة أحلامه البيضاء (احدى قصائده) كتب يقول: قد تبدو الحياة أقصر مما يجب أن تكون وقد تكون أطول.
وبالنسبة لمرحلة التزامه السياسي التي بقي مخلصا لها حتى النهاية حيث يقول في رواية سيرته الذاتية «الرومانسيون»: «أنا شيوعي, أنا الحب من القدمين وحتى الرأس»، نستطيع القول انه لم يعش أكثر مما يجب.
ناظم حكمت: الشاعر التركي الكبير الذي تصادف اليوم الذكرى الخمسون لوفاته ومازالت أشعاره تعكس نضاله ومرارة سجنه ومنفاه, لقد تحول الى جزء من التراث العالمي فهو أحد رواد الشعر والحداثة هو شاعر الحب والثورة أنشد للناس المهمشين للعمال للفلاحين وخاطب شعوب الأرض كافة.
ولد ناظم حكمت عام 1902 في جزيرة سالونيك لعائلة مرموقة ومات في حزيران 1963 في منفاه في موسكو.
يقول: لقد بذلوا قصارى جهدهم لكي أفصل من حزبي فلم يفلحوا كما أنهم لم يستطيعوا سحقي تحت الأصنام التي سقطت.
التحق بالمعسكر المناهض للزعيم ستالين بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي آنذاك وقد جاء ذلك انسجاماً مع ثقته التامة بالقادة الجدد وطريقتهم في بناء الاشتراكية يومذاك, وعن أمل القادم من الأيام أنشد للخبز للورد للحرية, فهل مازالت أشعاره التي ترسخت في الوجدان صالحة اليوم وماذا بقي من هذا الشعر الذي قيل في النصف الأول من القرن العشرين مع بداية حرب عالمية واستلام البلشفيين السلطة التي انتهت بانهيار الشيوعية منذ سنوات.
للبحث عن جواب لهذا السؤال لابد من الاعتراف بأن ناظم حكمت لم يكن زعيماً سياسياً ولا ايديولوجياً لقد كان شاعراً فذاً كغيره من شعراء جيله الكبار وكانت ثورة أكتوبر (العشرة أيام التي هزت العالم حسب تعبير جون ريد) قد تركت أثرها الكبير في حياة هذا الشاعر الذي أصبح شاعرا أمميا.
في العام 1922 ذهب الى موسكو وسجل في جامعة «أهل الشرق «لدراسة الماركسية وهناك التقى جماعة «المستقبلية» التي كان رائدها ماياكوفسكي حيث ربطته علاقة صداقة معه وكان له الأثر الكبير في أشعار ناظم حكمت وهناك كان يذهب لحراسة المنصة التي تضم نعش لينين .
بعدها عاد الى تركيا وناضل في صفوف الحزب الشيوعي التركي سراً ومن ثم عاد الى موسكو (1925-1928) ثم استفاد من العفو الشامل ليعود الى بلده ويبقى فيه حتى عام 1932 نشر خلالها خمس مجموعات شعرية لاقت نجاحا كبيرا غير أنه مالبث أن أوقف بتهمة التآمر على الدولة وزجّ به في سجن بورصة حتى العام 1935 ثم من العام 1938 الى 1950 بتهمة التحريض على التمرد وقد جاء اعلان العقوبة هذه بناء على اتهام مزور لكن ناظم حكمت استأنف في سجنه كتابة الشعر وأدب القص الشعبي عن سجناء كانوا معه مزارعين وعمالاً وفي العام 1950 باشر إضرابه عن الطعام فتحركت لأجله تظاهرات داخل تركيا وخارجها نظمتها لجان عالمية في باريس بدعم من الشاعر لويس أراغون مطالبة بحرية ناظم حكمت فاستعاد حريته وغادر تركيا سراً ليستقر في موسكو ويكتب مسرحيات وأشعار حنين الى الوطن كما أنتج الكثير من المقالات والمجموعات القصصية والروايات وكان يترجم عن اللغتين الفرنسية والروسية, بعد ذلك بدأ جولاته في عدد من المدن الأوروبية والآسيوية والافريقية أيضا في هافانا مدافعا عن قضية السلام ومنشدا قصائده التي منعت طويلا.
يقول: في السادسة والثلاثين من عمري قضيت ستة أشهر وأنا أتحرك في أربعة أمتار من البيتون, وفي التاسعة والخمسين طرت الى براغ ومن ثم الى هافانا.
ادفنوني في الأناضول في مقبرة المدينة وغطوني بأوراق الدلب إن أمكن .
وحتى اليوم لم تفلح محاولات عائلته في اعادة جثمانه الى بلده.
يعتبر ناظم حكمت مبدعاً كبيراً في الشعر المعاصر وضح أفكاره بالقصيدة الحرة ضارباً صفحاً عن الشكل التقليدي وتحت تأثير التيار المستقبلي والبنيوي أنشد المجتمع الجديد ومعركة الناس الذين يعشقون الحرية والعدالة الاجتماعية كما انتقل الى الحداثة في التراث الملحمي حين كتب ملحمة «الشيخ بدر الدين «و «مشاهد انسانية «ففي تلك الملحمة كانت المحاولة الأولى في التحليل التاريخي داخل الشعر التركي وفيها وجهة نظر ماركسية للشاعر الذي نقل القصة الى الشعر والنثر أيضا النظرة التاريخية القائمة على مفهوم صراع الطبقات يروي فيها تمرد الشيخ بدر الدين الذي سحقته السلطات العثمانية وذلك اعتمادا على التاريخ المكتوب عن شهود العيان وفي «مشاهد انسانية» الذي يعتبر أفضل أعماله دون منازع يجسد تاريخ مجتمع في أشخاص شكلوا شاهداً على مراحل تاريخية متعددة.
لقد عبر ناظم حكمت من الأفق التركي الى العالمي من الجزء الى الكل جمع بين الماضي والحاضر بطريقة ملفتة, توجه في شعره الثوري الى الانسانية جمعاء يقول: لم أتحسر يوما لأني أتيت مبكراً الى العالم .
أنا ابن القرن العشرين وأنا فخور بذلك
وبمناسبة الذكرى الخمسين لوفاته - والحديث لكاتب المقال - ذهبت الى مقبرة نوفوديفتشي حيث يرقد ناظم حكمت لأزور ضريحه فوجدته منحوتا في الحجر تعلوه صورة جانبية للشاعر فوق القبر باتجاه الأمام كما لو أنه يريد الفرار من ظلمة القبر وكما لو أنه يريد الذهاب في مسير طويل بجسده الصلب ونظرته الحازمة وعلى قاعدة الضريح هناك تاريخ ميلاده وموته.
عانقته قبل أن أضع عليه القرنفل الأحمر وكان ذلك بمثابة وداع لقرن مضى بمناطقه المظلمة والمضيئة.