المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) بول إيلوار . . شعرية العلاقة بين الحب والحرية



رذاذ عبدالله
2 - 7 - 2013, 11:18 AM
بول إيلوار . . شعرية العلاقة بين الحب والحرية





استطاع “بول إيلوار” أن يعبر بشعرية عن مساحة الحرية التي يتمتع بها مع مَن يحب، واستطاع أن يعبر بمحبة عن قيمة الحرية . الإنسان الذي لايشعر بمساحة من الحرية، ليس بوسعه أن يشعر بمساحة من الحب، وكذلك فإن الذي لايملك طاقة من الحب نحو الآخرين، لايكون بوسعه أن يدرك قيمة الحرية .

يمكن للإنسان أن يعيش لحظات الحرية أينما كان ومهما كان موقعه، ويمكن له أن يكون محروماً من هذه اللحظات البهيجة أينما كان ومهما كان موقعه، ذلك أن الحرية هي مشاعر يعيشها الإنسان بينه وبين نفسه، إنها خطاب بين الإنسان ونفسه .

كلما يحب الإنسان، يشعر بمعنى الحرية، وكلما يمارس حريته، يشعر بقيمة الحب .

عني إيلوار باكتشاف طاقات الحب الخفية في كوامن الإنسان، ولذلك كان يغور في أعماق العلاقة بينه وبين حبيبته غالا، كان يترك لمخيلته فسحات للوصول إلى ذرات جديدة من السباب التي تدفع إنساناً كي يكون مجنوناً بإنسان آخر .

كيف بمقدور إنسان أن يمتلك كل تلك الهيمنة على تفكير ومشاعر وحياة إنسان آخر؟

إن تاريخ العشاق في العالم مملوء بوقائع غريبة أراد إيلوار أن يكتشف ولو أجزاء من سحرية تلك اللحظات المدهشة .

عندما يقرأ المرء هذا الشاعر الكبير، ويطلع على شيء من سيرة حياته , يتعلم منه بأن أعظم لحظات السعادة والمجد التي يمكن للإنسان أن يعيشها هي تلك اللحظات التي تنفتح فيها طاقات الحب لديه نحو إنسان آخر، ومن ثم مساحة الحرية التي يتمتع بها هذا الإنسان في التعبير عن ذاك الحب .

عندما نقرأ بول إيلوار فإننا لانملك إلا أن نتعلم منه، إنه مثل بوشكين، ولوركا، وأراغون، ورامبو .

هؤلاء الذين استطاعوا أن يفجروا طاقات الشاعرية العظمى في كوامن الإنسان، أن يُظهروا قوة الإمكانات الشاعرية لعذوبة اللغة التي تتحول إلى نبضات وحيوات، استطاعوا أن يصورا أن الإنسان كائن محب أكثر منه كائناً بغيضاً، وهو يستطيع أن يكتب عن الحب بقوة أكثر من كتابته عن البغض، لأنه يتمتع بطاقات هائلة من الحب تفوق طاقات الكراهية .

إيلوار أيضاً ينتمي إلى سلسلة الشعراء الذين لايضجر المرء من قراءتهم .

إن أشعاره تشبه تلك السيمفونيات التي خلدت في الذاكرة، والتي يعود إليها المرء بين حين وحين ليستمع إليها مجدداً كأنه يستمع إليها للمرة الأولى رغم أنها المرة الأكثر من ألف .

ومما لاشك فيه أن “غالا” كانت خلف الكثير من قصائد الحب العذبة التي كتبها بول إيلوار . يقول إيلوار واصفاً حبه العميق ل غالا:

كل ما قلت ياغالا . . كان لتسمعيه

ثغري لم يستطع قط فراقك .

وكان دوماً يردد بألم: لايوجد سوى إنسان واحد غالا

النسخة رقم . . مطبوعة خصيصاً للتي أحب

غالا التي تخفي عني حياتي وتريني كل الحب .

ولكن ما يهمنا، ومابقي من ذاك الحب الكبير، هو تلك القصائد الخالدة التي تحولت في غالبيتها إلى أعذب الأغنيات يشدو بها كبار المغنين والمغنيات في العالم .

في عام 1923 يكتب إيلوار في / عاصمة الألم /:

“إنها منتصبة في أجفاني وشعرها في شعري

لها شكل يدي لها لون عيني، إنها تغرق في ظلي كحجر من السماء

إنها دوما مفتوحة العينين ولا تدعني أنام

أحلامها في سطع النهار تجعل الشموس تتبخر

تجعلني أضحك أبكي واضحك أتكلم وما عندي ما أقول”

ويبدو أن غالا كانت كثيرة الفراق فكان يعتمد في أوقات غيابها على تصوير حالات الشوق ويجري معها حوارات فيأتي صديقه بيكاسو ليرسم صورته كما هي ويكتب إيلوار تحتها جملة: “إلى غالا . . ساعات الفراغ الرهيبة التي يخلفها لي حبك” .

ثم يحادث طيفها /:

“إذا أرهقها سؤالي باحت لي بالحقيقة الحقيقة التي كنت أعلّمها إياها

الحقيقة المحزنة الحلوة إن الحب يشبه الجوع والظمأ

لكنه لايعرف الشبع أبداً”

لقد استطاع إيلوار المولود في 14 كانون الأول من عام 1895 أن يكون الممثل لحقبة رائعة من التاريخ الشعري الفرنسي، ويجعل الشعر أكثر التصاقاً بالذوق العام يجعل الناس يترددون إلى المكتبات حتى يقتنوا دواوينه الجديدة .

استطاع أن يجعل الشعر كالخبز والماء والهواء بالنسبة لفئات المجتمع كافة وليس لفئة الشباب فحسب، فيمكن أن ترى عجوزاً في الريف الفرنسي يهدي ديواناً من دواوين إيلوار لزوجته بمناسبة مرور خمسين سنة على زواجهما .

كان يرى: “إن الشعر يجب أن ينظم من قبل المجتمع لا من قبل شخص واحد” .

ويرى أن: للقصائد دوماً هوامش كبيرة بيضاء هوامش من صمت حيث تحترق الذاكرة المتوهجة لتعيد خلق هياج لا ماضي له / . فالشاعر / هو الذي يبث الإلهام أكثر جدا مما هو الذي يتلقى الإلهام / .

ولعل من القصائد الشهيرة التي وقفت إلى جانب قصائد الحب هي قصيدة / أيتها الحرية / التي يصور فيها إيلوار نظرة الإنسان إلى الحرية بقوله:

“على دفاتر “تلمذتي”، على مسند كتابتي والشجر، على الرمل على الثلج، أكتب اسمك

على كل الصحائف التي قرأت، على كل الصحائف البيضاء حجر دم ورق أو رماد أكتب اسمك

إلى أن يكتب: على مقفز بابي على الأشياء الأليفة على دفاتر النار المباركة اكتب اسمك

وبقدرة كلمة استأنف حياتي إني خلقت لأعرفك لأسميك حرية” .

في الساعة التاسعة صباح يوم الثلاثاء الثامن عشر من تشرين الثاني عام 1952 مات بول إيلوار مخلفا للمكتبة العالمية تراثاً من الدواوين الشعرية الخالدة في ذاكرة الشعر الإنساني المعاصر .

يقول إيلوار: كنت أريد فك وحدة الحياة .

الناس خلقوا ليتفقوا، ليتحابوا ليتفاهموا لهم أبناء سيغدون ناساً لهم أولاد معدمون

سيبدع الناس من جديد والطبيعة، ووطنهم وطن جميع الناس وطن كل الأزمان .

يعد بول إيلوار من الشعراء الذين استطاعوا أن يعبروا عن مساحات شاعرية الإنسان، ورغبته الحقيقية في ممارسة الحب بكل عذوبته ورهافته، وكذلك ممارسة جمالية وطبيعية الحرية الإنسانية .