رذاذ عبدالله
7 - 7 - 2013, 11:05 AM
فاتح المدرس في ذكراه الرابعة عشرة..ريادة تعبيرية مشبعة بألوان الأرض والتاريخ
* الثورة السورية
http://im34.gulfup.com/wPAID.jpg (http://www.gulfup.com/?72Frj0)
في الذكرى السنوية الرابعة عشرة لرحيل الفنان الرائد فاتح المدرس (1922-1999) نحاول مرة جديدة قراءة تحولات وانعطافات وتنقلات وخصوصيات أعماله، التي تركت بصمات مباشرة وواضحة على تجارب عدد كبير من الفنانين من مختلف الأجيال والمراحل التي جاءت من بعده،ولقد امتدت تجربته طوال اكثر من نصف قرن وكان أحد ابرز الفنانين الذين نقلوا الفن منذ اواخر الاربعينات، من التسجيلية والواقعية التقليدية الى مقتبل الحداثة التشكيلية المتمثلة في الاتجاه التعبيري الذاتي.
غير انه تميز عن رفاقه في انه كان الأكثر عفوية وجرأة واستيعاباً لمعطيات ثقافة فنون العصر. فهو معلم وفنان تشكيلي لامع، استطاع أن يحقق شهرة جماهيرية قلما وصل إليها فنان تشكيلي سوري من قبله، وهذه الشهرة لا ترجع لحظ أو لطالع ابتسم له، وإنما ترجع لثقافة بصرية واسعة غذت حساسيته البصرية والروحية والجمالية وبلورت اتجاهات تعبيرية حديثة في التشكيل العربي المعاصر.
إشارات تأويلية
وكان فناننا الراحل يستخدم الرموز والأشكال كنافذة يطل منها على عالمه الذاتي، بتعبيرية بارزة، فيغوص في اللمسة المتحررة، التي يأخذنا إليها عبر تلك الحركة العاطفية التي تهتم بمتابعة الانفعالات والرؤى، وتمتد إلى العناصر التشكيلية الأكثر تمثيلاً لشخصيته،والأكثر طموحاً في إطلاق الأشكال والرموز المحلية نحو التبسيط الشكلي الطفولي. ولهذا يمكن القول أنه كان يرسم دراما انفعالات الاحتقانات المترسخة في احاسيسه، والتي غالباً ماكانت تظهر على سطح اللوحة عبر توترات اللمسة اللونية الصارخة والمتفجرة، كما لو أنها انفجارات لونية لا تنتهي. حيث كان ومنذ البداية، يقطف الإيقاع اللوني الانفعالي العاصف،والذي يحمل انفجارات الداخل المشبع بالصدمات والتوترات والاحتقانات الداخلية.
فقد كان على امتداد أكثر من خمسين عاماً واحداً ممن أغنوا التجربة الفنية المتعاملة مع التراث، بأبجدية أصيلة تحمل نكهة عربية مميزة، حيث اهتم منذ مطلع نهاية الاربعينات ومطلع الخمسينات باستلهام معطيات التاريخ الحضاري السوري المتوفر في المتاحف والأمكنة المستعادة،فمدلولات التاريخ السوري القديم والإشارات المحلية، تطل في لوحاته كهاجس رئيسي، وهي تفسر في النهاية خطه التشكيلي في إيجاد علاقات تاريخية وبيئية لعلاقة الماضي بالحاضر، وبالحداثة المتداولة في أكثر من عاصمة فنية. والأشكال المبسطة في لوحاته على شكل خطوط عفوية دائرية أو متوازية أو متقاطعة في اتجاهاتها الأفقية والشاقولية تشبه إلى حد بعيد، لغة التعبير عن بعض الإشارات السحرية الميثولوجية، التي كانت سائدة في العصور القديمة (فالدائرة المشعة تؤدي دورها كرمز للشمس والخطوط المتوازية رمزاً للحياة المتدفقة) ولقد كان يستعرض تلك العلاقة الحميمية بين اللون والوهج والخط والحركة، ليكشف أمامنا هاجس ارتباطه بالأرض والإنسان عبر رموز المرأة الريفية والطبيعة المحلية والتاريخ الحضاري العريق، وكان يقوم بتنويع المفردات التشكيلية، ضمن هاجس إبراز التضاد بين الكثافة والوهج، وبين السكون والحركة، فاللمسة اللونية المتحررة في لوحاته هي منطلق للارتباط بتيارات التشكيل العالمي المعاصر، بينما تظهر رموز التاريخ والفولكلور السوري كأنها مشروع دعوة للعودة إلى الينابيع الحضارية الحية التي اكتسبتها الأرض السورية عبر آلاف السنين، فالصفة الغالبة على لوحاته تكمن في البحث عن حداثة لتشكيل يتواصل مع التراث والبيئة والحياة.
فاتح المدرس كان يدخلنا عبر خط عفوي واحد متقاطع مع خط آخر في حالة قصوى من الحساسية والرهافة، وحين كنت أزوره في محترفه في دمشق، ثمة أجوبة لتساؤلات كثيرة كنت اطرحها: كيف أستطيع أن أفهم الضوء، كيف أستطيع أن افهم اللون، كيف أستطيع أن أفهم الخطوط.. قال لي مرة: عندما تنظر إلى لوحة عليك أن تميز بين نوعين من الخطوط، فهناك خطوط ذكية، وهناك خطوط غبية، فالخط في اللوحة الحديثة الجيدة يجب أن لا يأتي غبياً قاسياً، بل حساساً ذكياً.
لقد كان فناننا الراحل فاتح المدرس معلماً كبيراً في الخطوط والألوان والمؤثرات البصرية، وفي حدود سامية من مفاهيم علم الجمال الحديث، فهو - كما كان يقول - (يرى أن خطاً واحداً يحمل حساسية أجمل من لوحة كاملة) لقد كان فناننا الراحل فاتح المدرس معلماً كبيراً في الخطوط والألوان والمؤثرات البصرية، وفي حدود سامية من مفاهيم علم الجمال الحديث فهو - كما كان يقول - (يرى أن خطاً واحداً يحمل حساسية أجمل من لوحة كاملة).
واللوحة عنده هي نسيج مبسط من تلك الوحدات التاريخية القديمة،التي كان يدمجها بعناصر محلية من طبيعة سهول وقرى الشمال السوري التي شهدت ولادته وفتوته، وهذا يعني أن تجربته ارتبطت منذ بداياتها بهاجس محلي وتطلع حيوي نحو إشعاعات اللون المحلي فهو - على سبيل المثال - كان يعشق اللون الأحمر، والأحمر وسيلة من وسائله للحصول على الوهج المتدفق لبريق النور الساطع في سهول الشمال السوري.
هواجس طفولية
ولا يمكن فصل لوحات فاتح المدرس عن تداعياته وهواجسه الطفولية، حيث كان يحرر الأشكال شيئاً فشيئاً، ويدخل في تقنية صياغة الألوان العفوية والرؤية الارتجالية للوصول إلى الصياغة التلقائية،التي تفسر في النهاية معالم هذا الهاجس اللوني المحلي الذي يسكن خطواته، بقدر ما يذهب إلى ترجمة انفعالاته وعواطفه وتوجهه التعبيري الطفولي.
ولقد ساهم في ترجمة التساؤلات الكبرى التي طرحت في عصره، و كمجمل الفنانين الكبار آثر الوحدة والحرية والتميز والبحث عن أسلوب خاص، هو عبارة عن نسيج مختصر من الإشارات التاريخية،المتداخلة مع وجه المرأة في احيان كثيرة، وواقع الريف السوري واللون البيئوي المحلي.
هكذا أعاد قراءة التراث قراءة معاصرة، وركز في تأملاته الفنية كافة على أن يكون مجدداً داخل معطيات الحياة وأميناً لها، وأعلن مع رفاقه منذ مطلع الخمسينات عن ولادة لوحة عربية طليعية. وهو الفنان المخضرم الذي عاش فصول التحولات الفنية الكبرى منذ المرحلة الممهدة للاستقلال، ويمكن اعتباره من أكثر فناني مرحلة الستينات جرأة ومغامرة، حيث كان سباقاً في اعتماد اللمسات اللونية الأكثر عفوية في تلك المرحلة، والتي شكلت ثورة حقيقية على المفاهيم التشكيلية التي كانت سائدة عندنا في تجارب رفاقه الفنانين.
وكان فناننا الراحل يكشف في ممارسته التشكيلية عن علاقته برموز تأملات الطبيعة التي تطل في لوحاته كأنغام حياتية أو كضرورة حتمية تستعيد ذكرياته في القرى السورية الشمالية، حيث كل شيء حار وبراق ومتوهج، إنه اللون المشع المستمد من نور ولهب الشمس، أما الفلاحات فهن رمز الأرض والقرية، هن القوة الأنثوية التي تعني الطريق إلى الحقول المتلاحمة ما بين الجبال والوديان.
التأملات في أسرار الطبيعة المحلية والتاريخ الحضاري تركت أثرها الواضح على عالم لوحات فاتح المدرس الذي طرح الألوان، كرموز لعلاقة الأرض بالحياة، ضمن حلقة التواصل بين الموروث والحداثة. وفي لوحاته تتحول الوجوه والطبيعة والرموز الحضارية القديمة إلى تآليف لونية وشكلية تلامس في تشكيلها العفوية التي تتميز بها رسوم الأطفال والرسوم البدائية.
وهو لم يكن يجد في الأشياء والرموز والذكريات غير أشكال شبه هندسية (دوائر، مربعات، خطوط مستقيمة ومتقاطعة..) تدل على عفوية مطلقة في تشكيل الوجوه والإشارات والرموز. كأنه لم يكن يجسد الدلالات المحلية المستعادة إلا من خلال عواطفه وانفعالاته، بحيث تتخلص الأشكال من قشورها الخارجية، وتبقي فقط على حركة الداخل، أي حركة المشاعر والأحاسيس التي تسيرها العفوية لتصل في نهاية المطاف، إلى صياغة تعبيرية مبسطة تحمل ملامح طبيعية وإنسانية وتاريخية مستقاة من الداخل.
تحليل فلسفي وهندسي
وتجربة فاتح المدرس الكتابية تكمل تجربته التشكيلية، لأن من يتبع كتاباته يجده يحاول تخطي الظواهر المألوفة في تحليل اللوحة أو على الأقل تجاوز إشارات اللوحة الخارجية عبر استحداث لغة تحليلية جديدة للنتاج الفني والمجاهرة بالطروحات الجمالية المعاصرة، حيث أطلق محاولات عديدة لاختراق أجواء الرتابة التي تدرج في جوهرها في سياق الكتابات الصحافية أو الأدبية، عبر تحليله العمل الفني بلغة تشكيلية، وبالتالي قدم مساهمات جدية يمكن إدراجها ضمن نطاق المحاولات الرامية للخروج من نفق أزمة النقد في التشكيل السوري المعاصر.
فلا يجوز التفريق بين كتابات فاتح المدرس ولوحاته، لأنهما معاً مرتبطان بهاجس فلسفي وتطلع حيوي نحو معطيات علم الجمال الحديث، فنحن ومنذ البداية حيال فنان كان يرسم ويكتب، والكتابة والرسم يشكلان عنده طاقة واحدة يقظة ومنفتحة على عالم داخلي ذاتي يجمع بين الفكر الأوروبي والفكر الشرقي، فقد كان يستعيد ويفسر تداعيات الثقافة العربية (بالأخص حركة الفن والتاريخ العربي) والثقافة الغربية (مظاهر الفنون المعاصرة والاتجاهات الفلسفية القديمة والحديثة،حيث كان يدمج في كتاباته ولوحاته أشياء من الحاضر بخصائص تراثية قديمة.
ولقد بقيت كتاباته وقراءاته التشكيلية دون دراسة تحليلية معمقة من وجهة نظر تشكيلية (تأخذ بعين الاعتبار المقارنة والكشف عن هواجسه الجمالية) فالبحث عن مدى حساسية فاتح المدرس البصرية والروحية، يستدعي التوقف طويلاً أمام كتاباته (بالأخص التي قدم بها بعض المعارض الهامة التي أقيمت في دمشق) لأن فاتح المدرس (ويوافقني في هذا الرأي مجموعة من كبار فنانينا) كان يمتلك حساسية بصرية وروحية نادرة لجهة تحليل اللوحة الفنية، لا سيما وأن الثقافة البصرية الواسعة التي امتلكها شكلت القدرة الحقيقية لانطلاقته كفنان.
وهذا يعني أن كتاباته ومواقفه كانت تعكس المظهر البصري لتطلعاته الجمالية التي طرحها في لوحاته منذ مطلع الخمسينات، حيث سعى في كتاباته للخروج من متاهات الكتابة الوصفية (رغم طغيان الجانب الأدبي والفلسفي على بعض كتاباته) ويبدو فاتح المدرس بمثابة الزاهد المأخوذ ببريق الإضاءة العصرية التي ساعدت على تحقيق الانفلات من إطار الكتابة السطحية، ومن بعض قيود الوصف الأدبي المتوارث من الكتابات الإنشائية العابرة.
ولقد أظهر في جميع لوحاته وأيضاً في كتاباته عن اهتمامه بالجوانب الانفعالية، وحاول في تحليلاته لأعمال الفنانين إظهار تأثيرات الحالة النفسية التي يعيشها الفنان أثناء إنجاز اللوحة، واتجه إلى إبراز التكوينات الهندسية في اللوحة، إلى جانب اهتمامه بإبراز الجوانب الجمالية الحديثة والمعاصرة.
فالمشكلة الكامنة وراء دراسة فاتح المدرس - الفنان، بعيداً عن علاقة لوحاته بما كان يكتبه ويصرح به في حواراته الصحافية الكثيرة، أوقعت كثيرين في مغالطة كبيرة، لأنهم حاولوا دراسة فاتح المدرس - الفنان بعيداً عن كتاباته وأقواله. وعلى هذا لا يجوز التحدث عن فاتح المدرس - الفنان دون الرجوع إلى كتاباته ومواقفه، ولا يمكن فصل لوحاته عن تداعياته الثقافية، فهو في لوحاته، كما في قراءاته المكتوبة، يؤكد على أهمية العامل النفسي الداخلي في بناء العمل الفني الحديث، أي أنه كان يمارس التنظير ليفسر معالم هذا الهاجس السايكولوجي - الفلسفي الذي يسكن خطواته بكتابات واجتهادات جمالية.
* الثورة السورية
http://im34.gulfup.com/wPAID.jpg (http://www.gulfup.com/?72Frj0)
في الذكرى السنوية الرابعة عشرة لرحيل الفنان الرائد فاتح المدرس (1922-1999) نحاول مرة جديدة قراءة تحولات وانعطافات وتنقلات وخصوصيات أعماله، التي تركت بصمات مباشرة وواضحة على تجارب عدد كبير من الفنانين من مختلف الأجيال والمراحل التي جاءت من بعده،ولقد امتدت تجربته طوال اكثر من نصف قرن وكان أحد ابرز الفنانين الذين نقلوا الفن منذ اواخر الاربعينات، من التسجيلية والواقعية التقليدية الى مقتبل الحداثة التشكيلية المتمثلة في الاتجاه التعبيري الذاتي.
غير انه تميز عن رفاقه في انه كان الأكثر عفوية وجرأة واستيعاباً لمعطيات ثقافة فنون العصر. فهو معلم وفنان تشكيلي لامع، استطاع أن يحقق شهرة جماهيرية قلما وصل إليها فنان تشكيلي سوري من قبله، وهذه الشهرة لا ترجع لحظ أو لطالع ابتسم له، وإنما ترجع لثقافة بصرية واسعة غذت حساسيته البصرية والروحية والجمالية وبلورت اتجاهات تعبيرية حديثة في التشكيل العربي المعاصر.
إشارات تأويلية
وكان فناننا الراحل يستخدم الرموز والأشكال كنافذة يطل منها على عالمه الذاتي، بتعبيرية بارزة، فيغوص في اللمسة المتحررة، التي يأخذنا إليها عبر تلك الحركة العاطفية التي تهتم بمتابعة الانفعالات والرؤى، وتمتد إلى العناصر التشكيلية الأكثر تمثيلاً لشخصيته،والأكثر طموحاً في إطلاق الأشكال والرموز المحلية نحو التبسيط الشكلي الطفولي. ولهذا يمكن القول أنه كان يرسم دراما انفعالات الاحتقانات المترسخة في احاسيسه، والتي غالباً ماكانت تظهر على سطح اللوحة عبر توترات اللمسة اللونية الصارخة والمتفجرة، كما لو أنها انفجارات لونية لا تنتهي. حيث كان ومنذ البداية، يقطف الإيقاع اللوني الانفعالي العاصف،والذي يحمل انفجارات الداخل المشبع بالصدمات والتوترات والاحتقانات الداخلية.
فقد كان على امتداد أكثر من خمسين عاماً واحداً ممن أغنوا التجربة الفنية المتعاملة مع التراث، بأبجدية أصيلة تحمل نكهة عربية مميزة، حيث اهتم منذ مطلع نهاية الاربعينات ومطلع الخمسينات باستلهام معطيات التاريخ الحضاري السوري المتوفر في المتاحف والأمكنة المستعادة،فمدلولات التاريخ السوري القديم والإشارات المحلية، تطل في لوحاته كهاجس رئيسي، وهي تفسر في النهاية خطه التشكيلي في إيجاد علاقات تاريخية وبيئية لعلاقة الماضي بالحاضر، وبالحداثة المتداولة في أكثر من عاصمة فنية. والأشكال المبسطة في لوحاته على شكل خطوط عفوية دائرية أو متوازية أو متقاطعة في اتجاهاتها الأفقية والشاقولية تشبه إلى حد بعيد، لغة التعبير عن بعض الإشارات السحرية الميثولوجية، التي كانت سائدة في العصور القديمة (فالدائرة المشعة تؤدي دورها كرمز للشمس والخطوط المتوازية رمزاً للحياة المتدفقة) ولقد كان يستعرض تلك العلاقة الحميمية بين اللون والوهج والخط والحركة، ليكشف أمامنا هاجس ارتباطه بالأرض والإنسان عبر رموز المرأة الريفية والطبيعة المحلية والتاريخ الحضاري العريق، وكان يقوم بتنويع المفردات التشكيلية، ضمن هاجس إبراز التضاد بين الكثافة والوهج، وبين السكون والحركة، فاللمسة اللونية المتحررة في لوحاته هي منطلق للارتباط بتيارات التشكيل العالمي المعاصر، بينما تظهر رموز التاريخ والفولكلور السوري كأنها مشروع دعوة للعودة إلى الينابيع الحضارية الحية التي اكتسبتها الأرض السورية عبر آلاف السنين، فالصفة الغالبة على لوحاته تكمن في البحث عن حداثة لتشكيل يتواصل مع التراث والبيئة والحياة.
فاتح المدرس كان يدخلنا عبر خط عفوي واحد متقاطع مع خط آخر في حالة قصوى من الحساسية والرهافة، وحين كنت أزوره في محترفه في دمشق، ثمة أجوبة لتساؤلات كثيرة كنت اطرحها: كيف أستطيع أن أفهم الضوء، كيف أستطيع أن افهم اللون، كيف أستطيع أن أفهم الخطوط.. قال لي مرة: عندما تنظر إلى لوحة عليك أن تميز بين نوعين من الخطوط، فهناك خطوط ذكية، وهناك خطوط غبية، فالخط في اللوحة الحديثة الجيدة يجب أن لا يأتي غبياً قاسياً، بل حساساً ذكياً.
لقد كان فناننا الراحل فاتح المدرس معلماً كبيراً في الخطوط والألوان والمؤثرات البصرية، وفي حدود سامية من مفاهيم علم الجمال الحديث، فهو - كما كان يقول - (يرى أن خطاً واحداً يحمل حساسية أجمل من لوحة كاملة) لقد كان فناننا الراحل فاتح المدرس معلماً كبيراً في الخطوط والألوان والمؤثرات البصرية، وفي حدود سامية من مفاهيم علم الجمال الحديث فهو - كما كان يقول - (يرى أن خطاً واحداً يحمل حساسية أجمل من لوحة كاملة).
واللوحة عنده هي نسيج مبسط من تلك الوحدات التاريخية القديمة،التي كان يدمجها بعناصر محلية من طبيعة سهول وقرى الشمال السوري التي شهدت ولادته وفتوته، وهذا يعني أن تجربته ارتبطت منذ بداياتها بهاجس محلي وتطلع حيوي نحو إشعاعات اللون المحلي فهو - على سبيل المثال - كان يعشق اللون الأحمر، والأحمر وسيلة من وسائله للحصول على الوهج المتدفق لبريق النور الساطع في سهول الشمال السوري.
هواجس طفولية
ولا يمكن فصل لوحات فاتح المدرس عن تداعياته وهواجسه الطفولية، حيث كان يحرر الأشكال شيئاً فشيئاً، ويدخل في تقنية صياغة الألوان العفوية والرؤية الارتجالية للوصول إلى الصياغة التلقائية،التي تفسر في النهاية معالم هذا الهاجس اللوني المحلي الذي يسكن خطواته، بقدر ما يذهب إلى ترجمة انفعالاته وعواطفه وتوجهه التعبيري الطفولي.
ولقد ساهم في ترجمة التساؤلات الكبرى التي طرحت في عصره، و كمجمل الفنانين الكبار آثر الوحدة والحرية والتميز والبحث عن أسلوب خاص، هو عبارة عن نسيج مختصر من الإشارات التاريخية،المتداخلة مع وجه المرأة في احيان كثيرة، وواقع الريف السوري واللون البيئوي المحلي.
هكذا أعاد قراءة التراث قراءة معاصرة، وركز في تأملاته الفنية كافة على أن يكون مجدداً داخل معطيات الحياة وأميناً لها، وأعلن مع رفاقه منذ مطلع الخمسينات عن ولادة لوحة عربية طليعية. وهو الفنان المخضرم الذي عاش فصول التحولات الفنية الكبرى منذ المرحلة الممهدة للاستقلال، ويمكن اعتباره من أكثر فناني مرحلة الستينات جرأة ومغامرة، حيث كان سباقاً في اعتماد اللمسات اللونية الأكثر عفوية في تلك المرحلة، والتي شكلت ثورة حقيقية على المفاهيم التشكيلية التي كانت سائدة عندنا في تجارب رفاقه الفنانين.
وكان فناننا الراحل يكشف في ممارسته التشكيلية عن علاقته برموز تأملات الطبيعة التي تطل في لوحاته كأنغام حياتية أو كضرورة حتمية تستعيد ذكرياته في القرى السورية الشمالية، حيث كل شيء حار وبراق ومتوهج، إنه اللون المشع المستمد من نور ولهب الشمس، أما الفلاحات فهن رمز الأرض والقرية، هن القوة الأنثوية التي تعني الطريق إلى الحقول المتلاحمة ما بين الجبال والوديان.
التأملات في أسرار الطبيعة المحلية والتاريخ الحضاري تركت أثرها الواضح على عالم لوحات فاتح المدرس الذي طرح الألوان، كرموز لعلاقة الأرض بالحياة، ضمن حلقة التواصل بين الموروث والحداثة. وفي لوحاته تتحول الوجوه والطبيعة والرموز الحضارية القديمة إلى تآليف لونية وشكلية تلامس في تشكيلها العفوية التي تتميز بها رسوم الأطفال والرسوم البدائية.
وهو لم يكن يجد في الأشياء والرموز والذكريات غير أشكال شبه هندسية (دوائر، مربعات، خطوط مستقيمة ومتقاطعة..) تدل على عفوية مطلقة في تشكيل الوجوه والإشارات والرموز. كأنه لم يكن يجسد الدلالات المحلية المستعادة إلا من خلال عواطفه وانفعالاته، بحيث تتخلص الأشكال من قشورها الخارجية، وتبقي فقط على حركة الداخل، أي حركة المشاعر والأحاسيس التي تسيرها العفوية لتصل في نهاية المطاف، إلى صياغة تعبيرية مبسطة تحمل ملامح طبيعية وإنسانية وتاريخية مستقاة من الداخل.
تحليل فلسفي وهندسي
وتجربة فاتح المدرس الكتابية تكمل تجربته التشكيلية، لأن من يتبع كتاباته يجده يحاول تخطي الظواهر المألوفة في تحليل اللوحة أو على الأقل تجاوز إشارات اللوحة الخارجية عبر استحداث لغة تحليلية جديدة للنتاج الفني والمجاهرة بالطروحات الجمالية المعاصرة، حيث أطلق محاولات عديدة لاختراق أجواء الرتابة التي تدرج في جوهرها في سياق الكتابات الصحافية أو الأدبية، عبر تحليله العمل الفني بلغة تشكيلية، وبالتالي قدم مساهمات جدية يمكن إدراجها ضمن نطاق المحاولات الرامية للخروج من نفق أزمة النقد في التشكيل السوري المعاصر.
فلا يجوز التفريق بين كتابات فاتح المدرس ولوحاته، لأنهما معاً مرتبطان بهاجس فلسفي وتطلع حيوي نحو معطيات علم الجمال الحديث، فنحن ومنذ البداية حيال فنان كان يرسم ويكتب، والكتابة والرسم يشكلان عنده طاقة واحدة يقظة ومنفتحة على عالم داخلي ذاتي يجمع بين الفكر الأوروبي والفكر الشرقي، فقد كان يستعيد ويفسر تداعيات الثقافة العربية (بالأخص حركة الفن والتاريخ العربي) والثقافة الغربية (مظاهر الفنون المعاصرة والاتجاهات الفلسفية القديمة والحديثة،حيث كان يدمج في كتاباته ولوحاته أشياء من الحاضر بخصائص تراثية قديمة.
ولقد بقيت كتاباته وقراءاته التشكيلية دون دراسة تحليلية معمقة من وجهة نظر تشكيلية (تأخذ بعين الاعتبار المقارنة والكشف عن هواجسه الجمالية) فالبحث عن مدى حساسية فاتح المدرس البصرية والروحية، يستدعي التوقف طويلاً أمام كتاباته (بالأخص التي قدم بها بعض المعارض الهامة التي أقيمت في دمشق) لأن فاتح المدرس (ويوافقني في هذا الرأي مجموعة من كبار فنانينا) كان يمتلك حساسية بصرية وروحية نادرة لجهة تحليل اللوحة الفنية، لا سيما وأن الثقافة البصرية الواسعة التي امتلكها شكلت القدرة الحقيقية لانطلاقته كفنان.
وهذا يعني أن كتاباته ومواقفه كانت تعكس المظهر البصري لتطلعاته الجمالية التي طرحها في لوحاته منذ مطلع الخمسينات، حيث سعى في كتاباته للخروج من متاهات الكتابة الوصفية (رغم طغيان الجانب الأدبي والفلسفي على بعض كتاباته) ويبدو فاتح المدرس بمثابة الزاهد المأخوذ ببريق الإضاءة العصرية التي ساعدت على تحقيق الانفلات من إطار الكتابة السطحية، ومن بعض قيود الوصف الأدبي المتوارث من الكتابات الإنشائية العابرة.
ولقد أظهر في جميع لوحاته وأيضاً في كتاباته عن اهتمامه بالجوانب الانفعالية، وحاول في تحليلاته لأعمال الفنانين إظهار تأثيرات الحالة النفسية التي يعيشها الفنان أثناء إنجاز اللوحة، واتجه إلى إبراز التكوينات الهندسية في اللوحة، إلى جانب اهتمامه بإبراز الجوانب الجمالية الحديثة والمعاصرة.
فالمشكلة الكامنة وراء دراسة فاتح المدرس - الفنان، بعيداً عن علاقة لوحاته بما كان يكتبه ويصرح به في حواراته الصحافية الكثيرة، أوقعت كثيرين في مغالطة كبيرة، لأنهم حاولوا دراسة فاتح المدرس - الفنان بعيداً عن كتاباته وأقواله. وعلى هذا لا يجوز التحدث عن فاتح المدرس - الفنان دون الرجوع إلى كتاباته ومواقفه، ولا يمكن فصل لوحاته عن تداعياته الثقافية، فهو في لوحاته، كما في قراءاته المكتوبة، يؤكد على أهمية العامل النفسي الداخلي في بناء العمل الفني الحديث، أي أنه كان يمارس التنظير ليفسر معالم هذا الهاجس السايكولوجي - الفلسفي الذي يسكن خطواته بكتابات واجتهادات جمالية.