المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) مبدعون راحلون يناجون الإمارات: ما للمسافر في دروب العمر غيرك


رذاذ عبدالله
5 - 12 - 2009, 10:37 AM
“الخليج الثقافي” يستعيد رؤاهم لمسارات نهوض وطن

مبدعون راحلون يناجون الإمارات: ما للمسافر في دروب العمر غيرك

http://www.alkhaleej.ae/uploads/gallery/2009/12/04/73061.jpg


في الثقافة الإماراتية المعاصرة، لا تختلف أحداثها عن قصص الحداثة الأخرى في كافة الأقطار العربية، سنجد هَمَّ النهوض بالثقافة المحلية وإدخالها في مناخ العصر ورغبة بلا حدود في التعاطي مع الآخر الغربي ووعياً بضرورة الامتزاج في الثقافة العربية ككل وسنجد أيضاً مفردات مكررة في التجارب الحداثية العربية . . السفر، الترجمة، التعرف إلى الثقافات العالمية، التجديد في كافة الأجناس الأدبية . . الخ . تلك كانت الأفكار التي شكلت هاجساً بالنسبة للعديد من المثقفين الذين نحتفي بباقة منهم اليوم في “الخليج الثقافي” بمناسبة اليوم الوطني للإمارات ويحضرنا في هذا السياق ما قاله أحمد أمين المدني في الإمارات “ما للمسافر في مفازة العمر غيرك” .

يعتبر الشاعر حمد خليفة بو شهاب “الهزار الشادي” واحدا من أكثر الشعراء الإماراتيين الذين تركوا أثرا في الساحة الثقافية الإماراتية، نظرا لتعدد الأنشطة التي قام بها على أكثر من صعيد، بالإضافة إلى حياته الشخصية التي عرفت الكثير من المعاناة، والكثير من التنقل، خاصة قبل قيام دولة الإتحاد، فهو قد ولد حوالي عام 1932 في مدينة عجمان في فريج ميان، وكان والده طواشاً “تاجر لؤلؤ” ومحباً للشعر والأدب، وقد ألحقه بإحد الكتاتيب التي كانت تضطلع بتعليم القرآن الكريم والقراءة والكتابة، فدرس عند المطاوعة آنذاك، كما سافر في شبابه إلى جزيرة سوقطرة بصحبة والده الذي أراد له أن يتعلم مهنة الطواشة، والتقى أثناء رحلته بالشاعر العماني راشد المنظري الذي كان يحفظ نونية ابن عديم فأعجب بها بو شهاب وكتبها عنه .


وسافر بو شهاب إلى الكويت وامتهن كتابة الرسائل للإماراتيين الذين كانوا يعملون هناك، ثم عمل كساعٍ للبريد بين الكويت وعجمان، ثم انتقل ليعمل في السعودية ومن بعدها البحرين .


أما المرحلة الثانية من حياته فقد اقترنت بنشوء المؤسسات الإعلامية في ظل الاتحاد التي أتاحت للراحل أن يوسع من قاعدة انتشاره ومحبيه وتنمية قدراته الإبداعية والبحثية، حيث بدأ بتقديم برنامج مجلس الشعراء في تلفزيون الكويت من دبي عام 1971 ومنذ ذلك الوقت تسلم مناصب عدة، منها إدارة مكتب وزارة الإعلام في الإمارات الشمالية، ثم وزير مفوض في وزارة الخارجية، كما تولى الإشراف على صفحة الشعر الشعبي في جريدة البيان، وأصدر مجموعة من الكتب منها “ديوان سلطان بن علي العويس” عام ،1978 وديوان “تراثنا من الشعر الشعبي” وهو في جزأين، و”شاعرات من الإمارات” و”الماجدي بن ظاهر آثاره وحياته” وديوان “حمد بن عبد الله العويس” .


كانت الكتابة الشعرية المتنوعة بين العمود الشعري والشعر النبطي إحدى الميزات الرئيسة التي تمتع بها بو شهاب، خاصة وأن لكل من الشكلين الشعريين السابقين فضاءات مختلفة من حيث المواضيع والمفردات، وهو ما أتاح له مساحة كبيرة من التواصل مع محبي الشعر ومع الشعراء أنفسهم، كما أن حداثته الشعرية فرضت نفسها من خلال العلاقة العضوية بين اللغة والموقف الإنساني، حيث نجد انفتاحا على تعابير معاصرة، وهو ما نجده في إحدى قصائده حول علاقة الإنسان بالحب، والتي يعبر فيها عن موقف إنساني كوني لا وجود فيه لتمايزات بين كائن وآخر :


“الحبُّ سَيِّدُنِا ومالكُ أمرِنا


وزعيمُنا في جَيئةٍ وذَهابِ


بل سَيِّدُ الأمرِاء غَيْرُ مُنازَعٍ


لم يخْشَ من حَرَسٍ ولا حُجِّاب


نلقاه في القصر المنيفِ مسيطراً


ومسيطراً في الكوخِ أو في الغاب”





الوعي بالعروبة


يشكل سلطان بن علي العويس حالة متميزة في الشعر الإماراتي من حيث التوازي بين المسيرة الإنسانية والإبداعية والثقافية في حياته، فقد ولد عام 1925 في بلدة الحيرة في الشارقة، ونشأ في عائلة اشتهرت بحبها للأدب والعلم، وبرز منها أسماء شعرية وبحثية مهمة منها أخوه سالم بن علي العويس، والمؤرخ عمران العويس، وغيرهما، وقد كانت مناخات العائلة النبع الأول الذي شرب منه، حيث تفتح بصره على مكتبة والده الزاخرة بالكتب المتنوعة التي كان يقتنيها من أسفاره بين الهند والعراق ومصر، وقد ترسخت تلك البدايات من خلال الصداقات التي تداخل فيها حب الشعر مع العمل المشترك في التجارة ومنها صداقته مع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وخلفان بن مصبح، حيث وصف العلاقة معهما بالقول: “كنا ثلاثة شبان وكان لدى آبائنا مكتبات نقضي أوقات الفراغ في قراءتها، كنا نعيش في الحيرة وكانت صداقتنا متينة، نقضي معظم الوقت ثلاثتنا الشيخ صقر بن سلطان القاسمي وخلفان بن مصبح وأنا، وابتدأ كلاهما قول الشعر وكانا مكثرين ثم ابتدأت أنا وكنت مقلاً، وبعد أن عملنا في التجارة ازدادت علاقتنا رسوخاً، كنا نجتمع ليلاً ونقول أشعارنا ونعرضها على الأصدقاء وكانا أكثر حرصاً مني على تدوين قصائدهما وكتابتها ولهذا فقدت معظم أشعاري” .


أما عمله في تجارة اللؤلؤ فقد زاد من سعة خبراته، خاصة انتقاله الدائم بين الهند والإمارات، ومن تطور وضعه المادي، الذي سيكون لاحقا في خدمة الثقافة والإبداع، وقد كان للوضع العربي الذي كان سائدا في خمسينيات القرن الفائت دوراً ملهماً على المستويين الشعري والإنساني، فقد كان الوطن العربي في مرحلة تبلور فكري تجاه المسائل المصيرية مثل الوحدة والتنمية وقضية فلسطين وآثارها في الوعي العربي، وقد برز تأثر العويس بكل تلك القضايا من خلال مواقف إنسانية مباشرة تمثلت بإنشاء مؤسسات اجتماعية واقتصادية لدعم الفقراء، ودعم المنظمات التربوية، وبناء المدارس، وغيرها من المشاريع ذات المردود المباشر على عملية التنمية .


وفي شعره كما في حياته كان ملتزما بالأفكار التي تبناها، وعبر عن مواقفه انطلاقا من وعي عميق بضرورة تبنّي كافة أشكال الوحدة وهو ما عبر عنه في أكثر من مناسبة، لا سيما تلك المتعلقة باتحاد الإمارات خلف قيادة المغفور له الشيخ زايد:


“بني وطني إن الأماني وحدها سراب تجلى أو سلاح بلا قوم


ونحن بعصر لا يرى العلم مقولا بل العلم انتاج من الخبز واللحم


وتصنيع موجود واتقان صانع وتوفير ما يحتاج في الحرب والسلم


وليس الطريق الصعب رهن إشارة ولكن: كبير الأمر بالعزم


أيا قادة منا وفيكم رجاؤنا مزيدا من الشورى مزيدا من الدعم”


كان العويس متبصرا في أحوال أمته والعالم، ومتفاعلا مع الأحداث التي شهدها عصره، ومنها ما شهدته مدينة بيروت سبعينات القرن الفائت من اقتتال داخلي، جعله متألما لمصير المدينة التي أحبها وجلس على مقاهيها، وتناقش مع مثقفيها ومبدعيها، وهو ما عبر عنه في قصيدة “بيروت”:


“بيروت يا جنة الخلان كيف لنا أن نثني الدمع من أن يملأ الحدقا


والحب يطعن في الوادي ومديته الأقربون وكل يدعي الخُلقا


عودي ربيعا كما قد كنتِ وارفة وانسي الشتاء الذي قد أسقط الورقا


طال الشتاء وظل الكرم من حطب لو عاد صيفك أثرى الغصن واتسقا


قد كنتِ قيثارة للشرق صادحة ما للأنامل ليلا تعزف الأرقا” .


توفي العويس عام 2000 لكنه قبل أن تدركه المنية كان قد خصص جزءاً من أمواله لجائزة ثقافية تحمل اسمه وتعتبر واحدة من أبرز الجوائز في الوطن العربي حيث تمنح للمبدعين في مجالات فكرية وأدبية إبداعية متعددة .





المنعزل


يقول الشاعر أحمد أمين المدني في قصيدة “مناجاة”:


“لا لأكون فرحاً بالانعتاق من صمتي


من ألمي


بل لأحمل الأسى صبوراً


لا أريد من يعضد زنده بزندي


ولكن لأحتمي بظل الصبر


لأعانق فجر حريتي”


في أعقاب وفاته كتب الشاعر والزميل حبيب الصايغ رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن المنعزل أحمد أمين المدني الذي عاش وفق الصايغ “عزلة المجاز وعزلة الواقع” وعزلة المدني الاختيارية حتى في كتابة الشعر دفعت الصايغ للتساؤل يومها: هل ظلمت ساحتنا الثقافية أحمد أمين المدني؟


ولد أحمد أمين المدني عام 1931 في دبي، تخرج في كلية الشريعة في جامعة بغداد في عام 1958 وحصل على الدكتوراه من جامعة كمبردج وكان موضوع رسالته “فكرة التوحيد في الإسلام” وبذلك كان أول طالب إماراتي يحصل على مثل هذه الشهادة في عام ،1967 في بريطانيا التقى ارنولد توينبي وت .س . اليوت وبرتراند راسل وغيرهم، عمل مدرساً في بغداد والشارقة كما عمل مذيعاً ومحرراً ومقدماً للبرامج في إذاعة “صوت الساحل” في الشارقة وأميناً للمكتبة العامة التابعة لبلدية دبي ومديراً للسكرتارية في وزارة الدفاع عام 1972 .


تولى المدني مسؤولية تحرير مجلة “الأمن” في دبي عام 1977 كما تولى الإشراف على الصفحة الثقافية في صحيفة الاتحاد، له العديد من الدواوين الشعرية: “حصاد السنين” ،1968 “أشرعة وأمواج” ،1973 “عاشق لأنفاس الرياحين” ،1990 فضلاً عن عدة مؤلفات: “التركيب الاجتماعي الديني”، الشعر الشعبي في الإمارات، “دراسة في الأدب الأندلسي”، “دراسة في الفلسفة”، فاز بجائزة الشعر الأولى أثناء دراسته الجامعية في بغداد .


ونحن أمام مثقف من طراز رفيع ويمكن تشبيهه بالعديد من رواد الحداثة في الكثير من الأقطار العربية، مثقف ذهب إلى الخارج لاكتساب المعرفة بأدوات وثقافة العصر ولكنه لم يكتف بذلك بل انخرط في نهم معرفي خلاب، نهم لا يشبع إلى الالتقاء بالكثير من مثقفي الغرب، مثقف انفتح على كافة المجالات الثقافية في الوطن العربي، في الذكرى الثانية عشرة لرحيله في 12/12/2007 طالبنا في “الخليج الثقافي” بالعمل على اكتشاف ونشر ما بقي من قصائد متناثرة للمدني في المجلات والصحف العربية، فقد ذكر أنه نشر في مجلات “الرسالة” المصرية و”الفكر” التونسية “والضاد” و”الثقافة” السوريتين وله كذلك عدة قصائد أخرى في صحف “فتى العراق” و”الأهالي” و”الزمان” حين كان يدرس في العراق .


يكتب عنه الناقد الأردني يوسف ضمرة قائلاً: تؤكد معظم قصائد ديوان “عاشق لأنفاس الرياحين” أن اللغة الشعرية عند المدني وسيلة استبطان واكتشاف، ومن غاياتها الأولى أن تثير وأن تحرك، وأن تهز الأعماق وتفتح أبواب الاستباق، انها تيار تحولات يغمرنا بإيحاءاته وإيقاعه وبعده، هذه اللغة فعل، نواة حركة، خزان طاقات، والكلمة فيها من حروفها وموسيقاها، ولها وراء حروفها ومقاطعها دم خاص ودورة حياتية خاصة .


لم تغب الإمارات أبداً عن أفق المدني، يقول مناجياً الإمارات في إحدى قصائده:


“حمّلتني العبء


فرضيت به أنك فيض روحي


لا أعرف الخذلان مادمت معي


عطاياك كثيرة


إنني مشدود بحبل منك


وسخاؤك أكثر


ما للمسافر في مفازة العمر غيرك” .





أولويات


ولد الفنان والأديب جمعة الفيروز سنة 1955 في قرية “سدورة” في رأس الخيمة، سافر وهو في عقده الثاني إلى مصر ليدرس في معهد الموسيقا العربية ويتخرج فيها بدبلوم سنة ،1975 ويعود إلى أرض الوطن مسلَّحا بمعرفة عميقة لفنه ونزوع مستبصر إلى التميز، وإلى تحريك سواكن الساحة الفنية الإماراتية التي كانت حينها لا تزال راكدة، فالفن يومها هو آخر ما يفكر فيه من بناة الوطن بحكم أن هناك أولويات سياسية واقتصادية، ومتطلبات اجتماعية يجب تلبيتها أولا ثم ينصرف الناس بعد ذلك للتفكير في المكملات الأخرى مثل الفن والرياضة والألعاب غير ذلك، لكن الفيروز كان له رأي آخر، فالفن هو سند التنمية ودعامتها، حين يصقل عقول الناس ويعمق تجاربهم الإنسانية ويغرس في أنفسهم القيم النبيلة، ويهيئهم للعطاء والتضحية، وانطلاقاً من هذه القناعة كرس نفسه للعمل على إيجاد قاعدة فنية وطنية، ومصداقا لذلك وزَّع جهوده في اتجاهات متعددة من الموسيقا إلى الشعر إلى القصة، فبدأ بتأليف الأغاني ونشط في تدريب الشباب الموهوبين وتعليمهم الموسيقا، وكافح من أجل إيجاد أغنية إماراتية متميزة، وكان حصاد عمره من الألحان 40 أغنية، إضافة إلى فن الأوبريت الغنائي، وليصبح أحد الفنانين الذين عملوا على تأسيس صيغ فنية متقدمة للأغنية الإماراتية، وفي الشعر ألف مجموعته الشعرية “ذاهل عبر الفكرة” والتي صدرت ضمن منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عام ،2000 وبعد وفاته التي كانت في 21 فبراير/شباط 2001 تولت دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة إصدار مجموعته القصصية “علياء وهموم سالم البحار”، وإلى جانب هذين فقد ترك مخطوطات أدبية لم تنشر بعد .


لم تكن طريق الفيروز مفروشة بالورد، فقد ولد كما يقول “في حضن فقير وفي بيئة وبيت أفقر” ومر بنوبات إنسانية واجتماعية قاسية، وعانى معاناة نفسية شديدة، لكنه كان في كل ذلك يلجأ إلى فنه ليجد فيه الخلاص من معاناته، ويتطهر عبره من قساوة الحياة التي ألجأته إلى التقلب في أعمال كثيرة كانت تأخذ منه الكثير من الوقت على حساب فنه، ومع ذلك فقد كان نشطا في التأليف الموسيقي والأدبي وعضوا فاعلا بين كتّاب ومثقفي وفناني رأس الخيمة، وقد ارتبط بصداقات قوية مع جيل من الكتّاب والمثقفين شكلوا الواجهة الجميلة للثقافة في رأس الخيمة، من أمثال عبدالعزيز جاسم وأحمد العسم وعبدالله السبب وحمد سالمين وأحمد منصور وناصر بو عفراء .


ويشهد الكثير ممن عرفوا الفيروز بنبل أخلاقه وطيبة نفسه، وحمله لِهمّ الفن وسعيه الدؤوب إلى غرس معارفه في الأجيال التي جاءت بعده .


يقول عنه صديقه ورفيق دربه إبراهيم الماس: “كان الراحل يحمل كل مواصفات المثقف والفنان الشغوف والمهموم بإيصال إبداعاته لأكبر شريحة من المهتمين، وكانت في صحبته الكثير من الحميمية والاحترام وحسن المعشر، وهو صاحب فضل كبير في تشجيعي أثناء دخولي المجال الفني، خصوصا بعد اتجاهي للتلحين في الثمانينات من القرن الماضي، فالفيروز كان دارساً للموسيقا والمقامات وكانت له خبرة يسبقني بها في هذا المجال، وفي أرشيف إذاعة أبوظبي الكثير من الأغاني الشعبية القديمة التي اسهم جمعة الفيروز في تأليفها بالكلمة أو اللحن أو التوزيع، وأشهرها أغنية “أحلى الأيام” التي غناها المطرب سالم عثمان، وكان يحلم بإنشاء فرقة موسيقية إماراتية مختصة في الفنون والأهازيج البحرية'“ .


ويقول عنه طارش خميس الذي ارتبط به بصداقة حميمة عززتها القرابة بينهما إنه يتمتع بجاذبية روحية يأنس بها كل من يصاحبه إلى جانب روح الفكاهة التي عرف بها، ومن مظاهر حبه لفنه وسعيه للأخذ بيد الموهوبين من شباب الوطن وتوجيههم ومساعدتهم أنه أهداه كما يقول عودا حين استأنس منه حبا للموسيقا وميلا إلى تعلمها، ويعترف طارش أن ذلك كان سببا مباشرا في اختياره للموسيقا واكتشافه لقدراته فيها، أما أحمد العسم فيقول عن كتابته: “إن تأثير الفيروز سيظهر في المستقبل، فكتاباته تملك القدرة على التأثير في الكتَّاب والشعراء وهو تأثير مستمر ومتواصل” .





ثراء


المطل على تجربة المسرحي الراحل سالم الحتاوي لا بد وان يعترف بدوره في اثراء المكتبة المسرحية المحلية، وذلك بشهادة العديد من زملائه المسرحيين مثل عمر غباش وعبدالله صالح واحمد الانصاري وحسن رجب ود . حبيب غلوم وعبد الاله عبد القادر وغيرهم الذين اجمعوا على تميزه وتقديمه العديد من الاعمال التي ابحرت في الموروث الشعبي وعرضت في اكثر من قطر خليجي، وعربي، كما انه حصد الكثير من الجوائز في باب التأليف المسرحي .


ولد الحتاوي في العام ،1961 عرض له أول نص مسرحي في العام 1995 وودع المسرح بعرض مسرحي قدمه لجمهور الأطفال “ياسمين والمارد الشرير” الذي يستند على تراث الاسطورة لا سيما ما يتعلق منها بتراث البحر والغوص . وقد تضمنت ايام الشارقة المسرحية في دورتها الخامسة لعرض اكثر من عمل للحتاوي، وكانت الايام محطة ولادة هذا الكاتب الذي خلد من خلال دوراتها المتتالية باسلوبه المتفرد فحرص المسرحيون الإماراتيون على متابعة كل ما يقدم باهتمام وشغف .


ويعرف عن الحتاوي مناصرته للهجة الدارجة وايضا تقديمه لنصوص جميلة وثرية باللغة الفصحى، لكن تركيزه على اللهجة الدارجة راجع لردة فعل تجاه التغير الديموغرافي لمجتمع الإمارات، بعد ظهور النفط في محاولة منه لاستنباط مواطن الجمال في التراث ووعيه لاهميته ضد التشتيت والتغريب .


ألف الحتاوي العديد من الاعمال المسرحية مثل (أحلام مسعود، والملة، وليلة زفاف، وإنها زجاجة فارغة، وزمزميه، وزهرة، والياثوم، وعرج السواحل، والجنرال، واللي يدري يدري، ومراديه، وجوهرة، ودور فيها يا الشمال) وغيرها مما يعتبر محطات مهمة في تاريخ المسرح الإماراتي التي يجب التوقف عندها وتأملها بعناية .


وقدم الحتاوي أيضاً أعمالاً خاصة بالتلفزيون مثل “وجه آخر”، واخرى لا تزال حاضرة في ذاكرة مشاهدي الدراما الرمضانية مثل (بنت الشمار) و(الكفن) و(آخر أيام العمر)، وآخر ما قدمه للمسرح نص بعنوان “النخاس” .


فازت مسرحيته (أحلام مسعود) بجائزة أفضل نص مسرحي في ايام الشارقة وكان ذلك بمثابة مفاجأة مدهشة دفعته إلى تطوير آليات الكتابة لديه والافتتان بهاجس التأليف المسرحي، حيث استمر هذا الهاجس في التوسع والتشعب والإيغال نحو الموروث الشعبي والحكايات الإنسانية الحافلة بالألوان والظلال التي يمكن أن تنعكس على الحاضر وتحاور إشكالياته وتعقيداته الراهنة، وفازت مسرحية (ليلة زفاف) بجائزة أفضل نص مسرحي وحازت اعمال اخرى له على جوائز في مجال التمثيل والإخراج والعمل المتكامل .


ويشار إلى أن موهبة الحتاوي قد بدأت في مرحلة الدراسة الثانوية، وبعد تخرجه من أمريكا في الهندسة شده الحنين في كتاباته التالية إلى استدعاء الذاكرة الشخصية والعامة، فصار اكثر جرأة ونضجا وتطورا، ومزج بين الهموم الاجتماعية والمشاغل الإنسانية التي تتشابك مع أسئلة الهوية والوجود بأبعادها النفسية والفلسفية .


كتب الحتاوي لمهرجانات مسرح الطفل ومسرح الشباب والأفلام الروائية القصيرة، وأسهمت أعماله في إضفاء نوع من الحراك والدافعية الكتابية المشحونة بحس المغامرة والتجريب، وكان ان خرجت اعماله هذه من المحلية إلى افقها الخليجي والعربي، وحين يتذكره زملاؤه المسرحيون يشيرون إليه باعتباره احد المؤسسين الكبار في عالم التأليف المسرحي .





ترحال


ولد راشد الخضر في امارة عجمان عام 1905 وتوفي والده وهو في الثامنة من عمره، وبعد سنوات أخرى توفيت والدته، وكان له شقيق يدعى عبدالرحمن توفي هو بدوره في سن الثامنة عشرة وسمي ب “لخضر” لسمرةٍ خفيفة في لون بشرته، وهنا اول اشارة على عذابات الشاعر الذي اكتوى بنار الحياة فوسمت قلبه بالحزن، لكنه لم يستسلم بل تأججت شاعريته واصفة حله وترحاله وفرحه وحزنه وايضا ميلاده وموته .


هذه العواطف المتأججه لديه وجدت بديلها الموضوعي في قصة ارتباطه الوجداني بفتاة اسمها “علياء” التي فتحت له أبواب الأمل، والخيال المجنح، وبحسب متتبعي سيرته “انه في صبيحة يوم جاء يطرق بابها منتظراً إكسير حياته، مبتسماً فرحاً ينتظر من علياء فتح الباب وقد خطط طوال الليل لكلام كثير سيقوله لها، ليخبرها عن مغامراته التي قام بها منذ اللحظة التي تركها فيها في اليوم السابق . فجأة يفتح الباب وإذ بوالدتها تقول له علياء لن تذهب بعد اليوم إلى “المطوع” لأنها أصبحت كبيرة وقد خطبت”، وهنا عرف راشد انه لم يعد باستطاعته ان يرى علياء بعد الآن، وهذه كانت مصيبة أخرى، تضاعف بؤس طفولته وتحجب عنه ضوء القنديل الذي كان يستنير به، وهنا أيضاً أول شرارة في تحطم الفؤاد وانكسار القلب لهذا الطفل الذي كان يرى في فتاته حلما يعوضه عن الام وحبيبة يشكو اليها مرارة الايام وصورة تجسد كل معاني الصداقة والوفاء والاخلاص فقال هذه الابيات:


(“عليا” العفو همّج الجتال


“عليا” عليتي واستعليت


واللي صنع صمّان ليبال


ما بي عزا لكني أبليت) .


يذكر الشاعر اسم علياء في قصائده اللاحقة في اصرار على عدم تقبله لهزيمة فقدها، وهنا يكابد مرارة التذكر والالم يعتصره في اصراره على زيارة المكان الاول “المطوع” .


وتذكر سيرته ان والده وابناء عمومته كانوا شعراء، وهنا دور البيئة في التنشئة كما ان الوسط الثقافي الذي ترعرع فيه يرتكز أساساً على ثقافة الشعر والشعراء، حيث تميزت امارة عجمان وايضا الشارقة بكثرة الشعراء ومجالس الشعر حتى ان البعض يذهب في القول إلى أنه لا يخلو بيت من شاعر والدليل واضح في المراجع التاريخية لهاتين الإمارتين .


استمد الخضر ثقافته من تجارب الحياة “فقد تعلم القرآن الكريم وعلومه في الكتاتيب، “المطوع” وكما هو واضح من أشعاره فهو إنسان لديه قدرة لا بأس بها من الحفظ والفهم، هذه الخاصية ساعدته كثيراً على تخطي الصعاب التي مرت به، فقد شغل نفسه في أمور كسب الرزق وملازمة ابن عمه ناصر بن جبران الذي كان يمتهن صناعة تطريز البشوت “العباءات” فتعلم هذه الصنعة منه ونتيجة للمجالس الأدبية في إمارة عجمان وبخاصة مجالس الشعر والأدب فقد شكلت له مدرسة أخرى يرتادها ليستمع إلى من لهم باع في هذه الفنون فيتعلم منهم ما جهله” .


وتورد سيرته انه كان مغامراً محباً للترحال زار السعودية والبحرين وسلطنة عمان وقطر والكويت واليمن وسوقطرة والهند، “قد أحب الخضر التنقل في تلك البلدان ليتعلم من ثقافات الشعوب ما يثري به مخزونه الفكري من تجارب وحضارة تلك الشعوب ويضيف إليها من معطيات بيئته المحلية نكهة خاصة تميزه عن الآخرين وهو فعلا تميز في عصره” .


في التأريخ لحياته يشار إلى ان الخضر كان عازبا، بل انه لم يكن يرغب في الارتباط بزوجة مما يثير اسئلة كثيرة حول رغبته في الزواج من علياء لو تيسرت له الظروف وايضاً، وحول مضمون قصائده التي تدور حول قصص العشق والغرام، كما تثار أسئلة أخرى حول خوفه من الزواج منعا لتكرار مآسي طفولته المعذبة .


أصدر الخضر ديوانين شعريين قام بجمع وإعداد الأول المسمى “خدلّج” ناصر بن يوسف النعيمي، ومحمد سعيد بن سليمان، اما الثاني واسمه “أنغام” فتكفل بجمعه وإعداده ناصر بن يوسف النعيمي والديوانان من إصدارات النادي الوطني للثقافة والفنون في إمارة عجمان، احتوى ديوانه الأول على 33 قصيدة مع 6 قصائد هي محاورات مع شعراء آخرين، أما الثاني فاشتمل على 32 قصيدة في مختلف أنواع وبحور الشعرالشعبي، وبحسب المعلومات التي وردت في الديوانين فإن الخضر ولد سنة 1905 وتوفي سنة 1980 واذا افترضنا أنه بدأ نظم الشعر في سن الثانية عشرة من عمره فإنه في هذه الحال زاول كتابة الشعر على مدى 63 سنة .

RAKBOY783
6 - 12 - 2009, 12:20 AM
يعطيج العافيه اختي

رذاذ عبدالله
6 - 12 - 2009, 11:24 AM
شاكرة مروكــ الادبي الرفيع،،
دمت بتألق،،