تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : الكتاب في سحره الذي لا ينفد (شوقي بزيع)



مختفي
17 - 11 - 2013, 11:56 PM
الكتاب في سحره الذي لا ينفد


شوقي بزيع:


لسنوات قليلة خلت لم أكن لأتصور على الإطلاق أن ثمة وسائط معرفية جديدة يمكن لها أن تنافس الكتاب أو تسقطه عن عرشه، تماماً كما هو حالي مع الكتابة التي لم آلف حتى الآن طباعة حروفها على الآلة الكاتبة أو شاشة الكمبيوتر. ومع أنني أعرف تمام المعرفة أن كلتيهما، القراءة والكتابة، يمكن أن تتكفل بهما رؤوس الأنامل التي تمس الأزرار المعدنية مساً خفيفاً، إلا أن النشوة المتأتية عن احتضان الكتاب أو الضغط على القلم وتمريره بالأصابع الخمس على الورقة البيضاء، لا تعادلها أية نشوة أخرى متصلة بالجسد وغرائزه المعروفة.



قد يكون الأمر متعلقاً بالعادة والاعتياد، وبخاصة بالنسبة للجيل الذي أنتمي إليه حيث كان الكتاب يتربع سعيداً على المقاعد ووسائد النوم وقاعات المطالعة ورفوف المكتبات، وحيث الكتابة لا تولد إلا في ضوء العلاقة الحميمة بين الأجساد والأوراق وبين الحبر ودورة الدم.



ولكنها عادة حميدة لم يخطر لي الإقلاع عنها كما يحدث مع عادات ضارة أخرى كالإدمان على التدخين، فمع الأوراق البيضاء أو المكتظة بالكلمات ثمة ما يستنفر الحواس جميعها بحيث يمكن لنا، كما هو الحال مع أبي نواس، أن نبصر لون الأوراق ونسمع صرير تقلبها بين الأصابع ونشتم رائحة الحبر ونتلمس جسدها الرقيق. وإذا كانت هناك حاسة وحيدة ناقصة هي السمع في حالة أبي نواس والذوق في حالتنا ككتاب وقراء، فلا يبقى لنا في مقام القراءة والكتابة سوى أن نتذوق حلاوة الكلمات باللسان. وهو ما تتكفل به الروح بالطبع وتنوب عن اللسان في إنجازه.



إضافة إلى ما تقدم فإن الأوراق التي نقلبها بين أيدينا مستلة بدورها من الشجر المقطوع، الذي لا تزال روحه المنفصلة عن جسده تهوم بين الصفحات وحول أغلفة الكتب. تصبح الكتابة والحالة هذه نوعاً من المماهاة بين جسد الأوراق المتحدر من الغابة، وبين المعنى الجوهري للإبداع حيث الحنين إلى براءة العالم وبراريه وغاباته الأم.



ليس من قبيل الصدفة تبعاً لذلك أن ينظر خورخي بورخيس إلى الفردوس بوصفه مكتبة كبرى غير قابلة للاستنفاد. إذ إن الفردوس بما هو سلسلة لا تنتهي من الغبطة والانتشاء العميقين لا يمكن له أن يقتصر على الملذات الحسية والجسدية، بل يجب أن يتعدى ذلك ليلامس غبطة المعرفة التي رأى فيها الرواقيون ذروة اللذة وفضاءها الأخير. وفي السياق نفسه يتحدث هنري ميلر في كتابه المميز الكتب في حياتي أن الإنسان حين يقرأ إنما يملك المفتاح المؤدي إلى الجنة. والمؤلفون في رأيه يمتلكون طاقة سحرية من نوع ما تمكنهم من الخروج بنا أبعد من حدود العالم المرئي ورتابته الخانقة. وإذ يرى ميلر في الشاعر الفرنسي رامبو نموذج الكاتب الأشد حيوية، فهو يطلق عليه تسمية كولومبوس الشباب الذي أنقذ الشعر الغربي من شيخوخته وذهب به إلى تخوم الكشف والتجدد والمغامرة الرؤيوية.



تكاد البيوت التي تخلو من المكتبات أن تكون بهذا المعنى مجرد أماكن لتزجية الأعمار وتصريف الغرائز وإعلاء الجسد الشهواني على حساب الغبطة الروحية والمعرفية. لهذا تراني أبحث في زوايا البيوت التي أزورها عن أثر للكتب والمؤلفات يمكن له أن يمنحني شعوراً بالألفة والرضى وأن يمد جسور التواصل بين الضيف ومضيفه. وإذا لم أجد ذلك الأثر بشكل أو بآخر فإن ذلك يعطيني إشارة سلبية حول مستقبل علاقتي بأصحاب المنزل. لا أتحدث هنا بالطبع عن المكتبات الشبيهة بالديكور أو أدوات الزينة التي يضعها بعض الموسرين في صالونات بيوتهم من دون أن تمس أغلفتها بأي سوء، بل عن المكتبات المقروءة التي يظهر أثر قراءتها في عقول أصحابها وأحاديثهم وطرائق عيشهم.



قد تكون معارض الكتب المختلفة هي التجسيد الأمثل لفكرة الفردوس الأرضي. فالممرات متاهات للفتنة والإشباع الروحي، لا للضياع والقلق الممضين، والكتب والمجلدات المتنوعة تنوب عن الأشجار والزهور في تنوعها. واللذة الحسية تنقلب إلى امتلاء قلبي وفرح عارم باكتناه الأسرار. ومع ذلك فثمة غصة مفاجئة يمكن أن تصيب المشهد في صميمه. غصة ناجمة عن الإحساس بمحدودية الحياة المتاحة في مقابل الامتداد غير المحدود للكتب، وبخاصة تلك التي لم نقرأها بعد، والتي تحتاج قراءتها إلى معدلات عالية للأعمار لا قبل للبشر بامتلاكها.

نبض انسان
18 - 11 - 2013, 02:01 PM
شكرا مختفى

مختفي
20 - 11 - 2013, 12:12 AM
شكرا مختفى

يا أهلاً وسهلاً أختي/ نبض إنسان

في الحقيقة، فإن المقال نفسه قد سحرني، وأبهرني بتعبيراته الجميلة الفذة

* * *

أذكر أكثر ما أعجبني من العبارات:



رؤوس الأنامل التي تمس الأزرار المعدنية مساً خفيفاً



النشوة المتأتية عن احتضان الكتاب أو الضغط على القلم وتمريره بالأصابع الخمس على الورقة البيضاء



كان الكتاب يتربع سعيداً على المقاعد ووسائد النوم وقاعات المطالعة ورفوف المكتبات



أن الإنسان حين يقرأ إنما يملك المفتاح المؤدي إلى الجنة



لا أتحدث هنا بالطبع عن المكتبات الشبيهة بالديكور أو أدوات الزينة التي يضعها بعض الموسرين في صالونات بيوتهم من دون أن تمس أغلفتها بأي سوء، بل عن المكتبات المقروءة التي يظهر أثر قراءتها في عقول أصحابها وأحاديثهم وطرائق عيشهم.

* * *

العفو، على الرحب والسعة

أسعد بتواصلكم دائماً

دمتِ بحفظ الله ورعايته