المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السوس المدمر للحياة



عبدالله محمد الصوري
31 - 1 - 2014, 10:21 AM
كانت واقفة بفخر وشامخة بسمو، سامقة بازدهار، ضاربة جذورها بأوتاد غليظة في قلوبنا وناشرة على أعيننا جمالها الأخاذ، باسقة في عنان أرواحنا كما في السماء، كانت دائماً كريمة ووفية، تجود علينا بعطائها وتغدق بسخاء خيراتها، كانت دائماً ذات طلة بهية تبعث في النفوس الأمل المجدد للحياة، تمنحها الثقة والتفاؤل بالقدرة على تذليل الصعوبات وتجاوز العثرات، وتحقيق التطلعات بالنظر دائماً إلى أعلى، وعدم الخنوع لما هو أدنى والخضوع لكل ما يثبط الطموحات، فبمجرد أن تسهب النظر إليها تسلبك الألباب، تجمل الأعين بود تنيرها بمنظرها الزاهي الفتان، وفرعها الفارع الخلاب، مجتهدة في النمو وارتقاء الآفاق.

كانت واقفة في حيزها وكأنها تبتسم، بل هي حقيقة تبتسم، قد يخيل إليك بأنها تشدو بألحان الفرح وتمزج ألوان المرح، على الرغم من أنه ليس بخيال عندما تتشابك أطلالها منادية أيادي السماء لترسم لوحتها باعتناء، ويمتد ظلها على الأرض تضفي عليها رونقاً بارداً بأحاسيس السكينة والهناء، تمد الهواء بأكسير الحياة، فتكتسي الحياة بأروع رداء، دائماً منتصبة بوقار صامت ولكنه لا يخلو من كلمات تشنف لها الأسماع، كيف لا وهي الكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، أكرمها الله سبحانه وتعالى بذكرها في القرآن الكريم.

تلك هي النخلة التي كانت تزين باحة منزلنا، تبوح بسرها العظيم وجسدها الرشيق الماكث في صدر كل من يسكن هذا المنزل، متألقة بطولها متأنقة أمام الأشجار الأخرى، ولكنها فجأة تداعت ومالت معها أفئدتنا بخواء، حتى سقطت وانكسر ضلعها محطماً سعادتنا واحتفاءنا بها، وذهبت وبقت أطلالها كالسراب، حدث هذا بعد أن اكتشفنا متأخرين نخر سوسة النخيل الحمراء لأوصالها، قامعة جذورها مفسدة جذعها، مفتتة عزتها وشموخها، حتى صارت في تعداد الموتى، تاركة خلفها حسرة في أمشاج القلوب ودمعة ذابلة في مآقي العيون، والأنكى بأن السوس استشرى في أشجار النخيل الأخرى التي زرعناها في منزلنا نعتني بها منذ أن كانت فسائل صغيرة، مهددة مصيرها في الحياة، فأسرعنا بمعالجتها قبل أن تلقى حتفها.

فأصبحت سوسة النخيل داء يستشري في سواد مزارع النخيل، محولاً شدة خضارها إلى أعجاز خاوية، بل تجاوزت حدودها بأن دخلت البيوت بدون استئذان مدمرة خير نخيلها، فالسوس مشكلة عادت تستفحل بشكل أكبر، فالكثير من أصحاب النخيل سواء كانت في البيوت أو المزارع يشكو ويتذمر منها، يطالبون بوضع حلول جذرية تسهم بشكل عاجل في قمع أصول القضية من تلابيبها، وهذا ما نرجوه من وزارة البيئة والمياه التي لم تدخر جهداً منذ أن بدأت سوسة النخيل الحمراء قبل سنوات عديدة في الانتشار وتوسيع دائرة خطرها بشكل ملفت للنظر، فبذلت الوزارة قصارى جهدها للقضاء على هذه الآفة ولا تزال، ولكن نرغب منها بذل المزيد لكبت وصد هذا الهجوم من مثل هذه الحشرات الضارة، مطمئنين إلى مستقبل خالٍ من سوسة النخيل الحمراء.

وفي هذا السياق لابد لنا أن نستخلص عبرة وعظة، بأن لا نسمح للسوس يتسلل إلى دواخلنا ينخر ضمائرنا دون أن نعلم، فنهلك وندمر حياتنا كما هي تهلك وتدمر حياة النخيل.

رابط المقالة على صحيفة الرؤية:
http://alroeya.ae/2014/01/30/124348

نبض انسان
31 - 1 - 2014, 10:29 PM
شكرا لك اخي الكريم