ديمة بعاج
22 - 3 - 2014, 10:51 PM
دمى قراطية
هذا العنوان ليس لي أي فضل في اختراعه لأن من هم أخفّ دماً من دمي الثقيل اخترعوه ، وقمت أنا باقتباسه ، فأنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، لا أُفَرِّق بين النكتة والكرسي ، وليس مؤخرا اقتنعت بأن حضوري محبّب في الجنازات والشجارات ، أمّا حفلات الزفاف وأعياد الميلاد فلأنسها ، لكن مع ذلك لَمْلِمُوا علامات الاستغراب عن جبينكم ، وكفاكم تجعيداً له ، لا أريد أي دهشة تقلّل من احترامي ، لأني في الحقيقة وعلى عكسكم أنتم لم أستغرب دعوة الحكومة الأمريكية لي في منتصف هذا الشهر إلى مؤتمر يضم أشهر إعلاميي العالم.
وهكذا سافرتُ إلى أمريكا وفي جيب سترتي ورقة لم آخذ معي غيرها فيها سؤال واحد أعطتني إياه إحدى العائلات المنكوبة ، وأنا أحفظ ما بداخلها غيباً ، فقد عشت معهم في نفس الحي ، وأعرف تفاصيل ما جرى.
في المطار وجدتُ في استقبالي عدة أشخاص من بينهم امرأة قالت أنّ اسمها هيلين ، حيّتني بودّ ، وكأنها تعرف والدي ومن قبله جدي وربما القابلة التي ولّدتني ، فبادلتها بما هو معروف عني من تحفّظ ربع ابتسامة وأمام إحدى الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم توقّفت السيارة ، ونزلنا طلبوا مني أخذ استراحة قصيرة في غرفتي قبل أن يحين موعد الغداء ظهرا ، ومن ثم انسحبوا متمنين لي إقامة طيبة.
عند الساعة الثانية تماما كانت هيلين بكامل أناقتها وبنصف ثيابها بانتظاري ، وأثناء تناولنا الطعام حاولت أن ترفع الكلفة بأن طرحت عليّ أسئلة شخصية مثل هل أنت متزوج ؟ ، هل عندك صديقة ؟ ، مُلَوِّحة لي بوعود مغرية في حال كنتُ فتى طيباً في المؤتمر.
وبالطبع كانت إجاباتي تتميز بثقل الدم الذي اشتهرتُ به ، والذي أخبرتكم عنه حتى إنها تمنّت ألّا تتعرف عليّ ، ولو كنتُ آخر رجل على سطح الكرة الأرضية.
قالت وبشكل مفاجئ منهية الحديث : حان الموعد ، فلنذهب.
وصلنا إلى المكان المحدد ، أخذتُ مكاني إلى جانب الصحفيين الذين جاؤوا من كل بلدان العالم.
أخيرا دخل الرئيس الأمريكي مع بقية أعضاء المؤتمر ، حيّانا ، وجلس كالعادة واضعاً رجلاً على رجل احتراما ً للجميع ، هو يفعلها مع كافة الرؤساء ، فما بالكم بنا نحن ؟
بدأت الأسئلة السخيفة حول السياسة الأمريكية ودعمها للشعوب والديمقراطية ، لكنّي لم أستطع التركيز في أي شيء سوى حذاء منتَظر الزيدي الذي راح ينوس أمام عيني ، وكلما حاولت ُ أن أبعده كان ينقر على يدي ، ويغريني بأن ألعب به كرة السلة.
أغمضتُ عَيْنَيَّ ، وفتحتهما بسرعة ، وكتَّفتُ يديَّ حتى لا أخسرهما تحسستُ الورقة في جيبي ، فوجدتها في مكانها ، توالت الأسئلة على الرئيس ، وهو يحاول جاهدا أن يبتلع النفط المنهوب من الشعوب قبل أن يفتح فمه للإجابة ، ومرة أخرى حاولتُ أن أركّز في إجاباته ، لكن المصائد التي يحيكها للدول ، والتي ارتسمت هالات سوداء حول عينيه جذبت انتباهي أكثر فأكثر ، ولمحتُ ثروات الشعوب مخبأة في انتفاخات شكلّت جيوبا تحت عينيه من الصعب إخراجها.
وعلى غفلة مني جاء دوري بالكلام ، فتماسكت ، وقلتُ في نفسي أنا هنا لرسالة أسمى من توصيف الرئيس والتغني بجماله.
وقبل أن أفتح فمي للكلام ، أنهى أحد الأعضاء الجالسين على يمين الرئيس الجلسة بإشارة من يده ، وأمر الجميع بالخروج ماعدا الصحفي السوري أي أنا ، وهنا فهمتُ أنّ الرئيس يريد مقابلتي وحدي.
وعندما خرج الجميع ، ابتسم ، وسألني : ها ماذا عندك يا مستر عبدول من ملفّات لتسألني عنها ، لكن قبل ذلك أرجو أن تكون رحلتك مريحة ، ولم تصادفك أي عقبة.
أردتُ أن أقول له : العقبة الوحيدة في حياتي أنتَ ، وسمعتني أقول له شكرا ، وأنا مستغرب من قدرته على الابتسام ، وعلى دس السم في المربى المحلّى بكلمات معسولة.
نظر في عيني مباشرة قائلاً: تفضّل ما هو السؤال الأول؟
وبصعوبة حاولتُ أن أخرج من سراديب نفسي ومن غضبي ومن معرفتي عدم جدوى السؤال الأوّل أو حتى العاشر، وبدل أن أقول له يا قتلة الهنود أنتم ستعلموننا الديمقراطية ؟ وبدل أن أقول له ماذا بعد أفغانستان وباكستان والكوريتين وناغازاكي والعراق وليبيا ؟ وبعد أن انتهيتم من تهميش النفط كيف سترسمون المنطقة للحصول على الطاقة الجديدة ( الغاز ) ؟
تمالكتُ على الأقل حاسة البصق، ومن ثم سألته: كم باعت أمريكا ....
فقاطعني مجيبا: نعم أنتجت أمريكا، وباعت الكثير، واقتصادنا في حالة جيدة.
و يا لغبائه فأنا لم أقصد ما فهم، بل قصدت كم باعت أمريكا من سلاح للدول العربية مُجبرةً إياها على شرائه ؟ وهل تحتاج دولنا لهذه الأسلحة ، أم الهدف خدمة الصناعة الأمريكية وتسديد عجز بنوكهم من أموال العالم ؟ وبما أنه يتبجح إذاً فلأسله : ماذا تقول في وول ستريت يا سيدي ؟ وماذا فعلتم إزاء تمويل التعليم والوظائف والمشاكل الداخلية الأخرى عندكم ؟
صفعني بنظرة قوية ، وأخذ نفساً عميقا قبل أن يقول : نحن بصدد معالجة كل هذا ، دعك منّا ، ولنناقش أوضاعكم.
وكأني لم أفهم ما قال: هل أنتم تحتاجون لصرف أنظار الإعلام عن مشاكلكم الداخلية؟
هزّ رأسه: لا أبداً.
وبعد تلك المحاور انتقلتُ للحديث عن ملف آخر: هل تظن أن قنبلة إيران النووية ستدمّر هيروشيما؟
تصاعدت ألسنة اللهب والدخان من فمه، وهو يجيب بلا تردد: لا يحق لإيران أن تمتلك قنابل نووية.
وعلى الجانب الآخر المقابل له راحت نيران الورقة التي في جيب قميصي تحرق صدري، فمددتُ يدي، وقبل أن أسحبها كان اثنان من الحرس الشخصي لا أعرف كيف خُلِقا أمامي يُمسكان بي، ولمّا رأيا الورقة ابتعدا على مهل، فلم يكن منّي إلّا أن أشهرتُ الورقة مُسدّداً إياها إلى رأسه، و سألته: ماذا فعل جورج لتعلقوا قنبلة موقوتة على تلافيف دماغه؟ ماذا فعل لتكون نهايته إبرة شلّت قدراته الذهنية، وأوقعته في الصرع بعد أن كان من أذكى شبان سورية بل العالم؟
ورغبة منّي في الإشارة بأنّ ما أقوله مُوَثَّق، ولن ينساه التاريخ، رحتُ أقرأ في الورقة ذاتها بالرغم من أني كنتُ قد حفظتُ ما كُتب فيها بكل خلية من خلايا جسمي.
قال متلعثماً: أنا لم أفهم، كيف؟ وضّح أكثر.
أجبته موضحاً وبالتفصيل: جاء جورج إلى أمريكا ليتابع بحثاً في خطورة المشروبات الغازية وتحديدا الكوكاكولا، لكنّه عاد منها شابا معتوها في مقتبل العمر لا يستطيع أن يتابع دراسته بل حياته، ولا أن يعمل لأنه فاقد التركيز، ويعيش بربع عقل.
وللحظات فارق السواد بشرة الرئيس، وابيضّ كالثلج، وأشار بيده لي لأتابع:
قبل موعد مناقشة البحث بأيام خرج للغداء مع صديقته ، التي تبيّن فيما بعد أنها يهودية ، وبالطبع لم يعرف حقيقتها آنذاك ، وعندما عاد للغرفة التي يعيش فيها لم يجد شيئا من أوراقه ، حتى نقوده سُرقت لكي لا يتمكن من السفر إلى بلاده ، وكَرَدّ فعل طبيعي بدأ بالصراخ والشتام والبكاء ، ولم يجد نفسه إلاّ مقيّدا في سيارة إسعاف ، لم يدر كم يوما مكث في المشفى لكنه متأكد بأن شيئا ما حدث له ، وبأنه سُلب ليس فقط عقله وذكاءه ، بل حياته هناك في ذاك المشفى ، واليوم تراه هادئا ناسيا لكل شيء وقبل الموعد المحدد للمناقشة وفي كل سنة تعاوده حالة الهيجان التي تصل إلى حد الجنون.
كنتُ أتكلم، وفي نفس الوقت أحاول أن أرصد تعبيراته لأعرف هل حبس أنفاسه وهو يسمعني كما حبسها وهو يشاهد على حدّ قوله عملية قتل بن لادن، أم أنّ جورج لا يعنيه؟
وبقصد تغيير الحديث قاطعني:
سيتمّ بحث هذا الموضوع لاحقاً، لكنّي أتوقّع منك الكثير من الأسئلة حول أمور أكثر أهمية.
كاد القرف أن يطرد من رأسي كل الأسئلة لكني استدركت:
بعد أن انتهى دور من أسميتموهم الجهاديين صاروا إرهابيين، واحتلت أمريكا أفغانستان، واليوم بعد عشر سنوات لم يتحقق للأخيرة الأمن، فما الهدف من هذه المغامرة المكلفة؟ وهل خوفكم من ملايين المسلمين الموجودين في أمريكا ومن بعض دعوات التطرف يدعوكم لخلق مناخات جهادية جديدة؟
قال: من أولوياتنا محاربة الإرهاب.
تابعت: خاطبتَ العرب، وقلتَ لن نقف على الجانب الخطأ، أي لن نعادي الإسلام، تماما كما فعل نابليون عندما خاطب الناس في القاهرة بآية قرآنية، فهل تريد أمريكا رؤية إسلام من نوع آخر، وليس إسلام العقيدة والإنسانية والانتماء؟
هزّ رأسه غير موافق: هذا تفسير خاطئ.
سألته: هل تستطيع أمريكا أن تعيش بلا عدوّ، أم أنّها بحاجة لأزمات وأعداء؟
ابتسم مجيباً: نحن لا نسعى للحروب، بل الحروب هي التي تأتي إلينا.
سألته: وماذا عن فلسطين، وماذا عن أطفال غزّة؟
ردّ وبدون تفكير: نحن لا نساوم على أمن إسرائيل.
أبعدت ُحذاء المنتظر جانبا لأنه وفي هذه اللحظة فَقَدَ مفعوله؛ متمنيّاً لو كانت أسئلتي مكتوبة بالسم بدل الحبر إذاً لنَفَذَ ساعتها السمّ من أذنيه إلى كامل جسمه، فهل كان سَيُسعَف في المشفى الذي قتل جورج، أم أنّ الرؤساء لديهم مستشفيات من نوع آخر؟
ولمّا طالت فترة صمتي، نَظَرَ إليّ مستغرباً فتداركتُ بقولي:
هل توافق على كلام أحد المرشحين الجمهوريين " أمريكا مختلفة بسبب العقيدة الدينية عن عشرات الدول، وعليها أن تحكم العالم، لذلك حين تنشد أمريكا إلى التفوّق العسكري، وتلجأ إلى العنف، لن أعتذر قط ".
شرد قليلا بنظره إلى خارج النافذة ومن ثم التَفَتَ إليّ حالماً:
يا مستر عبدول، العالم يكون آمنا حين تكون أمريكا قوية، شكراً 0
وصافحني منهياً المقابلة. وحتى قبل أن أقول له خسئت أنت َ وكل من يتلاعب بدم الشعوب، يا أبشع وجه بين وجوه الدمى قراطية، فَهِمَ من عيوني كل شيء.
وبعد ذلك جاءت هيلين، ركبنا السيارة، سألتني: هل كانت المقابلة على أتمّ وجه؟
وقبل أن أجيبها، كان المذياع يبث خبراً فحواه: مقتل سبعة أشخاص في غارة نَفَذَتْها طائرة أمريكية من دون طيار شمال غرب الباكستان.
أمام مبنى ضخم تبيّن أنه مشفى، توقفت السيارة، ولإزالة أي استغراب قالت هيلين: أريدك أن تتعرف على أحدث وأضخم الأجهزة والتقنيات المستخدمة هنا.
دخلنا إلى ردهة كبيرة، ومن ثم مشينا في رواق طويل، توزّعت فيه غرفاً كثيرة يميناً ويساراً، تجاوزناه، ومن ثم اتجهنا عبر الغرفة الأخيرة نحو غرفة أوسع، وسقفها عالٍ جدا بحيث لا يمكن لأي استغاثة أن تصل إلى السماء أبداً.
بدا المكان عن بُعد أشبه بمسلخ، وفي الداخل كان الطبيب مشغولاً بنعاج من جنسيات عديدة مستضعفة يسلخ جلودها، رأيتُ جورج بينهم، يبكي محاولاً أن يجمع أوراق بحثه التي راحت الممرضة تمسح بها الأوساخ والدم، فتجمّدتُ من الخوف، وكدتُ أصاب بالشلل، ولم يكن منّي إلّا أن صرخت، عندها قالت هيلين:
يجب أن تقوم ببعض الفحوصات يا عبدول، علينا أن نَطْمئِن على سلامتك قبل أن تركب الطائرة.
وهنا فقط أدركتُ بأني أصبحتُ ورقة في كوتشينتهم، وأنّي التالي على قائمتهم.
تلعثمتُ وأنا أقول: لا لا أريد، فأنا بأحسن حال.
وقبل أن يتمكن الممرضون من اقتيادي إلى السرير، رأيتُ وجه هيلين يتلوّن وهي تتكلّم بالهاتف، ومن ثم قالت:
اتركوه، فموعد طائرته قد حان.
لم أصدّق بأنّهم أفلتوني، وبأني أركب الطائرة إلاّ بعد أن رأيت وجه السفير السوري ومعه عدة أشخاص يلوّحون لي، سحبتُ نَفَساً عميقا واسترخيتُ على الكرسي، وأدركتُ بأنني ربما أعيش إلى الشتاء القادم لأمشي مع حبيبتي تحت أطهر مطر عَرَفَته الدنيا، وإن متُّ فسأدفن في بلادي، وليس في بلاد مطرها أسود، وحبّاته دمى قراطية.
بقلم: ديمة بعاج
سوريا- حلب
هذا العنوان ليس لي أي فضل في اختراعه لأن من هم أخفّ دماً من دمي الثقيل اخترعوه ، وقمت أنا باقتباسه ، فأنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، لا أُفَرِّق بين النكتة والكرسي ، وليس مؤخرا اقتنعت بأن حضوري محبّب في الجنازات والشجارات ، أمّا حفلات الزفاف وأعياد الميلاد فلأنسها ، لكن مع ذلك لَمْلِمُوا علامات الاستغراب عن جبينكم ، وكفاكم تجعيداً له ، لا أريد أي دهشة تقلّل من احترامي ، لأني في الحقيقة وعلى عكسكم أنتم لم أستغرب دعوة الحكومة الأمريكية لي في منتصف هذا الشهر إلى مؤتمر يضم أشهر إعلاميي العالم.
وهكذا سافرتُ إلى أمريكا وفي جيب سترتي ورقة لم آخذ معي غيرها فيها سؤال واحد أعطتني إياه إحدى العائلات المنكوبة ، وأنا أحفظ ما بداخلها غيباً ، فقد عشت معهم في نفس الحي ، وأعرف تفاصيل ما جرى.
في المطار وجدتُ في استقبالي عدة أشخاص من بينهم امرأة قالت أنّ اسمها هيلين ، حيّتني بودّ ، وكأنها تعرف والدي ومن قبله جدي وربما القابلة التي ولّدتني ، فبادلتها بما هو معروف عني من تحفّظ ربع ابتسامة وأمام إحدى الفنادق الفخمة ذات الخمسة نجوم توقّفت السيارة ، ونزلنا طلبوا مني أخذ استراحة قصيرة في غرفتي قبل أن يحين موعد الغداء ظهرا ، ومن ثم انسحبوا متمنين لي إقامة طيبة.
عند الساعة الثانية تماما كانت هيلين بكامل أناقتها وبنصف ثيابها بانتظاري ، وأثناء تناولنا الطعام حاولت أن ترفع الكلفة بأن طرحت عليّ أسئلة شخصية مثل هل أنت متزوج ؟ ، هل عندك صديقة ؟ ، مُلَوِّحة لي بوعود مغرية في حال كنتُ فتى طيباً في المؤتمر.
وبالطبع كانت إجاباتي تتميز بثقل الدم الذي اشتهرتُ به ، والذي أخبرتكم عنه حتى إنها تمنّت ألّا تتعرف عليّ ، ولو كنتُ آخر رجل على سطح الكرة الأرضية.
قالت وبشكل مفاجئ منهية الحديث : حان الموعد ، فلنذهب.
وصلنا إلى المكان المحدد ، أخذتُ مكاني إلى جانب الصحفيين الذين جاؤوا من كل بلدان العالم.
أخيرا دخل الرئيس الأمريكي مع بقية أعضاء المؤتمر ، حيّانا ، وجلس كالعادة واضعاً رجلاً على رجل احتراما ً للجميع ، هو يفعلها مع كافة الرؤساء ، فما بالكم بنا نحن ؟
بدأت الأسئلة السخيفة حول السياسة الأمريكية ودعمها للشعوب والديمقراطية ، لكنّي لم أستطع التركيز في أي شيء سوى حذاء منتَظر الزيدي الذي راح ينوس أمام عيني ، وكلما حاولت ُ أن أبعده كان ينقر على يدي ، ويغريني بأن ألعب به كرة السلة.
أغمضتُ عَيْنَيَّ ، وفتحتهما بسرعة ، وكتَّفتُ يديَّ حتى لا أخسرهما تحسستُ الورقة في جيبي ، فوجدتها في مكانها ، توالت الأسئلة على الرئيس ، وهو يحاول جاهدا أن يبتلع النفط المنهوب من الشعوب قبل أن يفتح فمه للإجابة ، ومرة أخرى حاولتُ أن أركّز في إجاباته ، لكن المصائد التي يحيكها للدول ، والتي ارتسمت هالات سوداء حول عينيه جذبت انتباهي أكثر فأكثر ، ولمحتُ ثروات الشعوب مخبأة في انتفاخات شكلّت جيوبا تحت عينيه من الصعب إخراجها.
وعلى غفلة مني جاء دوري بالكلام ، فتماسكت ، وقلتُ في نفسي أنا هنا لرسالة أسمى من توصيف الرئيس والتغني بجماله.
وقبل أن أفتح فمي للكلام ، أنهى أحد الأعضاء الجالسين على يمين الرئيس الجلسة بإشارة من يده ، وأمر الجميع بالخروج ماعدا الصحفي السوري أي أنا ، وهنا فهمتُ أنّ الرئيس يريد مقابلتي وحدي.
وعندما خرج الجميع ، ابتسم ، وسألني : ها ماذا عندك يا مستر عبدول من ملفّات لتسألني عنها ، لكن قبل ذلك أرجو أن تكون رحلتك مريحة ، ولم تصادفك أي عقبة.
أردتُ أن أقول له : العقبة الوحيدة في حياتي أنتَ ، وسمعتني أقول له شكرا ، وأنا مستغرب من قدرته على الابتسام ، وعلى دس السم في المربى المحلّى بكلمات معسولة.
نظر في عيني مباشرة قائلاً: تفضّل ما هو السؤال الأول؟
وبصعوبة حاولتُ أن أخرج من سراديب نفسي ومن غضبي ومن معرفتي عدم جدوى السؤال الأوّل أو حتى العاشر، وبدل أن أقول له يا قتلة الهنود أنتم ستعلموننا الديمقراطية ؟ وبدل أن أقول له ماذا بعد أفغانستان وباكستان والكوريتين وناغازاكي والعراق وليبيا ؟ وبعد أن انتهيتم من تهميش النفط كيف سترسمون المنطقة للحصول على الطاقة الجديدة ( الغاز ) ؟
تمالكتُ على الأقل حاسة البصق، ومن ثم سألته: كم باعت أمريكا ....
فقاطعني مجيبا: نعم أنتجت أمريكا، وباعت الكثير، واقتصادنا في حالة جيدة.
و يا لغبائه فأنا لم أقصد ما فهم، بل قصدت كم باعت أمريكا من سلاح للدول العربية مُجبرةً إياها على شرائه ؟ وهل تحتاج دولنا لهذه الأسلحة ، أم الهدف خدمة الصناعة الأمريكية وتسديد عجز بنوكهم من أموال العالم ؟ وبما أنه يتبجح إذاً فلأسله : ماذا تقول في وول ستريت يا سيدي ؟ وماذا فعلتم إزاء تمويل التعليم والوظائف والمشاكل الداخلية الأخرى عندكم ؟
صفعني بنظرة قوية ، وأخذ نفساً عميقا قبل أن يقول : نحن بصدد معالجة كل هذا ، دعك منّا ، ولنناقش أوضاعكم.
وكأني لم أفهم ما قال: هل أنتم تحتاجون لصرف أنظار الإعلام عن مشاكلكم الداخلية؟
هزّ رأسه: لا أبداً.
وبعد تلك المحاور انتقلتُ للحديث عن ملف آخر: هل تظن أن قنبلة إيران النووية ستدمّر هيروشيما؟
تصاعدت ألسنة اللهب والدخان من فمه، وهو يجيب بلا تردد: لا يحق لإيران أن تمتلك قنابل نووية.
وعلى الجانب الآخر المقابل له راحت نيران الورقة التي في جيب قميصي تحرق صدري، فمددتُ يدي، وقبل أن أسحبها كان اثنان من الحرس الشخصي لا أعرف كيف خُلِقا أمامي يُمسكان بي، ولمّا رأيا الورقة ابتعدا على مهل، فلم يكن منّي إلّا أن أشهرتُ الورقة مُسدّداً إياها إلى رأسه، و سألته: ماذا فعل جورج لتعلقوا قنبلة موقوتة على تلافيف دماغه؟ ماذا فعل لتكون نهايته إبرة شلّت قدراته الذهنية، وأوقعته في الصرع بعد أن كان من أذكى شبان سورية بل العالم؟
ورغبة منّي في الإشارة بأنّ ما أقوله مُوَثَّق، ولن ينساه التاريخ، رحتُ أقرأ في الورقة ذاتها بالرغم من أني كنتُ قد حفظتُ ما كُتب فيها بكل خلية من خلايا جسمي.
قال متلعثماً: أنا لم أفهم، كيف؟ وضّح أكثر.
أجبته موضحاً وبالتفصيل: جاء جورج إلى أمريكا ليتابع بحثاً في خطورة المشروبات الغازية وتحديدا الكوكاكولا، لكنّه عاد منها شابا معتوها في مقتبل العمر لا يستطيع أن يتابع دراسته بل حياته، ولا أن يعمل لأنه فاقد التركيز، ويعيش بربع عقل.
وللحظات فارق السواد بشرة الرئيس، وابيضّ كالثلج، وأشار بيده لي لأتابع:
قبل موعد مناقشة البحث بأيام خرج للغداء مع صديقته ، التي تبيّن فيما بعد أنها يهودية ، وبالطبع لم يعرف حقيقتها آنذاك ، وعندما عاد للغرفة التي يعيش فيها لم يجد شيئا من أوراقه ، حتى نقوده سُرقت لكي لا يتمكن من السفر إلى بلاده ، وكَرَدّ فعل طبيعي بدأ بالصراخ والشتام والبكاء ، ولم يجد نفسه إلاّ مقيّدا في سيارة إسعاف ، لم يدر كم يوما مكث في المشفى لكنه متأكد بأن شيئا ما حدث له ، وبأنه سُلب ليس فقط عقله وذكاءه ، بل حياته هناك في ذاك المشفى ، واليوم تراه هادئا ناسيا لكل شيء وقبل الموعد المحدد للمناقشة وفي كل سنة تعاوده حالة الهيجان التي تصل إلى حد الجنون.
كنتُ أتكلم، وفي نفس الوقت أحاول أن أرصد تعبيراته لأعرف هل حبس أنفاسه وهو يسمعني كما حبسها وهو يشاهد على حدّ قوله عملية قتل بن لادن، أم أنّ جورج لا يعنيه؟
وبقصد تغيير الحديث قاطعني:
سيتمّ بحث هذا الموضوع لاحقاً، لكنّي أتوقّع منك الكثير من الأسئلة حول أمور أكثر أهمية.
كاد القرف أن يطرد من رأسي كل الأسئلة لكني استدركت:
بعد أن انتهى دور من أسميتموهم الجهاديين صاروا إرهابيين، واحتلت أمريكا أفغانستان، واليوم بعد عشر سنوات لم يتحقق للأخيرة الأمن، فما الهدف من هذه المغامرة المكلفة؟ وهل خوفكم من ملايين المسلمين الموجودين في أمريكا ومن بعض دعوات التطرف يدعوكم لخلق مناخات جهادية جديدة؟
قال: من أولوياتنا محاربة الإرهاب.
تابعت: خاطبتَ العرب، وقلتَ لن نقف على الجانب الخطأ، أي لن نعادي الإسلام، تماما كما فعل نابليون عندما خاطب الناس في القاهرة بآية قرآنية، فهل تريد أمريكا رؤية إسلام من نوع آخر، وليس إسلام العقيدة والإنسانية والانتماء؟
هزّ رأسه غير موافق: هذا تفسير خاطئ.
سألته: هل تستطيع أمريكا أن تعيش بلا عدوّ، أم أنّها بحاجة لأزمات وأعداء؟
ابتسم مجيباً: نحن لا نسعى للحروب، بل الحروب هي التي تأتي إلينا.
سألته: وماذا عن فلسطين، وماذا عن أطفال غزّة؟
ردّ وبدون تفكير: نحن لا نساوم على أمن إسرائيل.
أبعدت ُحذاء المنتظر جانبا لأنه وفي هذه اللحظة فَقَدَ مفعوله؛ متمنيّاً لو كانت أسئلتي مكتوبة بالسم بدل الحبر إذاً لنَفَذَ ساعتها السمّ من أذنيه إلى كامل جسمه، فهل كان سَيُسعَف في المشفى الذي قتل جورج، أم أنّ الرؤساء لديهم مستشفيات من نوع آخر؟
ولمّا طالت فترة صمتي، نَظَرَ إليّ مستغرباً فتداركتُ بقولي:
هل توافق على كلام أحد المرشحين الجمهوريين " أمريكا مختلفة بسبب العقيدة الدينية عن عشرات الدول، وعليها أن تحكم العالم، لذلك حين تنشد أمريكا إلى التفوّق العسكري، وتلجأ إلى العنف، لن أعتذر قط ".
شرد قليلا بنظره إلى خارج النافذة ومن ثم التَفَتَ إليّ حالماً:
يا مستر عبدول، العالم يكون آمنا حين تكون أمريكا قوية، شكراً 0
وصافحني منهياً المقابلة. وحتى قبل أن أقول له خسئت أنت َ وكل من يتلاعب بدم الشعوب، يا أبشع وجه بين وجوه الدمى قراطية، فَهِمَ من عيوني كل شيء.
وبعد ذلك جاءت هيلين، ركبنا السيارة، سألتني: هل كانت المقابلة على أتمّ وجه؟
وقبل أن أجيبها، كان المذياع يبث خبراً فحواه: مقتل سبعة أشخاص في غارة نَفَذَتْها طائرة أمريكية من دون طيار شمال غرب الباكستان.
أمام مبنى ضخم تبيّن أنه مشفى، توقفت السيارة، ولإزالة أي استغراب قالت هيلين: أريدك أن تتعرف على أحدث وأضخم الأجهزة والتقنيات المستخدمة هنا.
دخلنا إلى ردهة كبيرة، ومن ثم مشينا في رواق طويل، توزّعت فيه غرفاً كثيرة يميناً ويساراً، تجاوزناه، ومن ثم اتجهنا عبر الغرفة الأخيرة نحو غرفة أوسع، وسقفها عالٍ جدا بحيث لا يمكن لأي استغاثة أن تصل إلى السماء أبداً.
بدا المكان عن بُعد أشبه بمسلخ، وفي الداخل كان الطبيب مشغولاً بنعاج من جنسيات عديدة مستضعفة يسلخ جلودها، رأيتُ جورج بينهم، يبكي محاولاً أن يجمع أوراق بحثه التي راحت الممرضة تمسح بها الأوساخ والدم، فتجمّدتُ من الخوف، وكدتُ أصاب بالشلل، ولم يكن منّي إلّا أن صرخت، عندها قالت هيلين:
يجب أن تقوم ببعض الفحوصات يا عبدول، علينا أن نَطْمئِن على سلامتك قبل أن تركب الطائرة.
وهنا فقط أدركتُ بأني أصبحتُ ورقة في كوتشينتهم، وأنّي التالي على قائمتهم.
تلعثمتُ وأنا أقول: لا لا أريد، فأنا بأحسن حال.
وقبل أن يتمكن الممرضون من اقتيادي إلى السرير، رأيتُ وجه هيلين يتلوّن وهي تتكلّم بالهاتف، ومن ثم قالت:
اتركوه، فموعد طائرته قد حان.
لم أصدّق بأنّهم أفلتوني، وبأني أركب الطائرة إلاّ بعد أن رأيت وجه السفير السوري ومعه عدة أشخاص يلوّحون لي، سحبتُ نَفَساً عميقا واسترخيتُ على الكرسي، وأدركتُ بأنني ربما أعيش إلى الشتاء القادم لأمشي مع حبيبتي تحت أطهر مطر عَرَفَته الدنيا، وإن متُّ فسأدفن في بلادي، وليس في بلاد مطرها أسود، وحبّاته دمى قراطية.
بقلم: ديمة بعاج
سوريا- حلب