تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) فلسطين في شعر محمد القيسي



رذاذ عبدالله
18 - 8 - 2014, 10:49 AM
فلسطين في شعر محمد القيسي



http://im58.gulfup.com/ftdvZN.jpg (http://www.gulfup.com/?oToSGQ)




يُعدّ المكان ركيزة أساسية في الأدب على اختلاف أجناسه، لأنه يشكل مع الزمان منظومة "زمكانية" من شأنها رسم خطوط عريضة وأطر عامة، يتحرك خلالها العمل الإبداعي ويتنامى، فلا تنحصر فاعليته في كونه وعاءً يحتضن الأحداث، ويضفي عليها نوعاً من الواقعية حسب، إنما يتعدى ذلك إلى التفاعل والاشتباك مع المعطيات النصّية الأخرى، داخلاً في ثيمة النص التأليفية . كما يرتبط أيضاً ارتباطاً وجدانيّاً بالإنسان، وهو يشكل عنصراً فاعلاً يمنح العمل خصوصيته وأصالته، ومن ثم، تفرّده وتميّزه عن الأعمال الإبداعية الأخرى .

محمد القيسي شاعر فلسطيني اكتوى بنار الفقد، واعتصرت قلبَه مرارةُ الفراق، وكابد لوعة الحنين إلى وطنه المغتصب، وإلى مسقط رأسه تحديداً (قرية كفر عانة)، كما عانى اغترابات شتّى في منفاه في أرض الشتات، وفي أماكن مختلفة من هذا العالم . يقول مخاطباً مسقط رأسه:
"وحين ابتعدْتِ، ومالت على البحر شمسُ حكاياتنا/ وغيّبكِ الليل عنّي/ وأطبق أفْق ثقيل الجناح/ عرفتُ مدى اللوعة الحارقة/ وكنتُ صغيراً على الحبّ لكنّني/ بكيت كشيخٍ، وأنت تغيمين في عربات الرحيلْ/ ولمّا كبرتُ، رسمتك في الذاكرة" .

القيسي هنا، يعيش حالة من الحزن الشديد، والأسى العميق، تراوح بين حقبتين من عمره: الطفولة والكهولة . أما الحقبة الأولى فتشكّل الوعي الجزئي للشاعر الذي لم يدرك، بعدُ، طبيعة الحياة وما يعتريها من ويلات وانتكاسات وأحزان، وأما الزمن الآخر فهو زمن النضج والوعي الكلّي . بين هذين الزمنين يتخذ المكان منحنىً تأثيريّاً تصاعديّاً، يتمثل في تنامي وتيرة الفقد والاغتراب لدى الشاعر، الذي لا يجد إلا الذاكرة يلجأ إليها شكلاً من أشكال المقاومة لشعوره بالحزن والاغتراب .

والشاعر في هذه القصيدة يفتقد مكاناً حميماً وقريباً إلى قلبه، فهو مسقط رأسه، وشاهد وعيه الأول على الحياة بكل تجلياتها، لذا نجده يؤنس المكان/ القرية التي كانت شاهدة صرخته الأولى إيذاناً بقدومه إلى الحياة . إن "كفر عانة" تبتعد عن عيني الشاعر، آخذة معها حكايات الطفولة الأولى، والذكريات الجميلة التي عاشها، في صورة يبدو فيها تنامي الحسّ الاغترابي من خلال اصطلاح مفردات الطبيعة عليه، لتشارك، هي الأخرى، في تغييب المكان الذي يشكّل للشاعر قيمة نفسية ووجدانية كبيرة . فالبحر يسهم في تعميق فكرة الرحيل والسفر والإخفاء، ويعمل على تغييب شمس الحكايات والحيوات الجميلة التي عاشها الشاعر هناك . ثم يأتي الليل، بما يحمله من إشارات تشي بالخوف والوحشة والغموض، دالّاً آخر يعمّق من هذه الثيمة، ويؤازر مفردات الطبيعة الأخرى . ثم يأتي الأفق الثقيل مفردةً ثالثة من مفردات الطبيعة التي تتعاضد مع غيرها من الدوالّ في هذا النص لتكثيف ثيمة واحدة هي ثيمة الاغتراب والرحيل والفقد .

وتبدو المفارقة، هنا، في خروج بعض الرموز عن مرموزاتها القارّة والمألوفة، فالأفق، عادة، يحيل على الانفتاح والحرية والانعتاق . كذلك الجناح الذي يمثّل "أحد الرموز الكبرى لدلالة الرحيل والانعتاق . . كما يرتبط أيضاً، بالارتفاع والعمودية باعتبار أنه الأداة الارتقائية الأولى" لكن في سياق مثل هذا، فإن تقييد "الأفق" بأنه "ثقيل الجناح" أخرج الرموز إلى أضدادها، وأصبحت مفردات مثل "الأفق" و"الجناح" تشي بالكآبة والحزن والغياب وعدم القدرة على الفعل .

وتزداد وتيرة الحزن واللوعة عند الشاعر وهو يرسم المشهد الأخير ضمن صورة مغرقة في الأسى، فيبكي الشاعر الطفل مثل شيخ كبير وهو يودّع مسقط رأسه وينأى عن "كفر عانة" .

إن رحيلاً واستلاباً مثل هذا عمل على نقله نقلة اختزلت زمناً حميماً من عمره، هو زمن الطفولة، ليقفز مرة واحدة إلى زمن الشيخوخة، ويرزح تحت نوعين من الاغتراب: المكاني المتمثل في فقدانه مسقط رأسه، والزماني المتمثل في فقدانه أجمل مراحل عمره، مرحلة الطفولة .

وهكذا تشطّ عنه الديار، وتوغل شيئاً فشيئاً في الغياب أمام ناظريه، وتتركه في غربة الشتات، لا يقوى على فعل شيء غير التذكر، الذي لا يقوى أحدٌ على استلابه منه .

أما ديوانه الموسوم ب "الحداد يليق بحيفا"، فيحتوي على عشر قصائد، لا تكاد تخلو واحدة منها من ذكر فلسطين بتجلياتها المختلفة، فهو يبدأ بقصيدته المهداة إلى الشهيد كمال ناصر "يرفع الستار"، يقول فيها:

"ناديت يا كمالُ، يا كمالْ
يا وجه أمّي الفقيد بين الموت والإهمالْ
لمن تغني "بئرُ زيتٍ" حزنَها يا أيها الرجال"

إن الشاعر في هذا المقطع يستدعي، بأداة النداء، مرجعيات القوة التي تسند ضعفه وحزنه ومرارته، فينادي وجه أمّه المفقود، وينادي رجالا يستقوي بهم ويلقي عليهم سؤاله المفتوح: لمن تغني بئر زيت حزنها؟ إن الشاعر باستدعاء دوالّ القوة هذه يريد أن يخبرنا بعمق السؤال وصعوبته؛ فالمدينة تغرق في حالة من الوحدة والغربة بحيث لا تجد من يواسيها ويخفف عنها حتى بالاستماع لشكواها وألمها، فيتماهى معها، لدرجة يشعر معها المتلقي بأن الشاعر نفسه هو من يصرخ ويطالب بمن يستمع لبثّه وحزنه وشكواه واغترابه .

أما في قصيدته الثانية التي تحمل اسم المجموعة فيعمّق الشاعر من ثيمة الجمال والافتتان بمدينة حيفا التي تليق بها الأحزان والسجون والمنافي والحداد والموت والنزف والصمت والليل والحداء والفرح والبحر والبرتقال . . كل هذه الأضداد يحشدها الشاعر في قصيدته ويرى أنها تليق بهذه المدينة الاستثنائية، فكل شيء يليق بحيفا لأنها سيدة الفرح ونبع الجمال ومصدر الحياة والحب والجمال والفرح الذي لا يمكن أن تنال منه أيدي الموت وسوداوية الحزن . يقول:

"يليق الحِدادُ بحيفا/ يليق بها كل سجن ومنفى/ يليق الحِدادُ بأفراسها الحمر والقافلة/ بلى/ ويليق بك الحزن والموت، والحالة النازفة/ يليق بك الصمت والليل والعاصفة/ يليق بك الفرح الياسميني في عرسك الدموي/ يليق بك البحر والبرتقال الحيي/ فماذا تقولين لي" .

ولعل ثيمة الجمال هذه والصمود ضد سطوة الموت التي أبدتها حيفا تجعل الشاعر يلتجئ إليها لتكون تميمة تحميه من التشوّيه والموت، فهو غارق في الحزن والأسى والاغتراب والقمع (أغني فيمنعني الشرطي) فلا يجد إلا هذه المدينة العصية على الموت لكي تسند قامته، وتحميه من سطوة الاغتراب والحزن .

يقول: "تيممت باسمك آن طويت الصحارى إليك وكان الطريق/ خنادق فارغة،/ أو/ بنادق عاطلة،/ والرياح تصفّر في "الغور" ما من طريق" .
أما في القصيدة الثالثة "نبيذ من المتوسط"، فيعمق الشاعر من مفردة الغناء والشعر ليبدد حزنه واغترابه وقهره، إنه يحاول أن يحقق بالشعر وبالأغنية ما لا يستطيع تحقيقه على أرض الواقع .

وهكذا يظل القيسي مسكوناً بثيمة الاغتراب، ذلك أن الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية التي عاشها شكّلت رافداً مهمّاً كان من شأنه تكثيف هذه الثيمة من خلال حشد المؤشرات الاغترابية، فقد عاش الشاعر حياة مترعة بالتعب والضّنك والفقر والتشرد، وعانى الحرمان وكابد الحنين والشوق إلى وطنه فلسطين، وانعكس ذلك كله، بدرجات متفاوتة، في شعره الذي بدا قطعة من الحزن والأسى والغربة والألم، وقد عمل على إعادة صياغة الكون والحياة والوجود، ليقدّمها متّشحةً بألوان النفس، وأطياف الروح، ونفاذ الرؤيا، ليعيد صياغة المكان وفق رؤى جديدة، تتجاوز المساحة الجغرافية بأبعادها الرياضية المجرّدة إلى كونها موتيفات روحية ووجدانية عميقة، تزخر بالحركة والحياة، لتكون تعويضاً نفسيّاً لافتقاده فلسطين بكل تفاصيلها ومدنها وقراها وشوارعها وحيواتها الفائتة .