المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غربان وحمائم ( خيري منصور )



رذاذ عبدالله
14 - 12 - 2014, 10:42 AM
غربان وحمائم

خيري منصـور

* دار الخليج





المقولة السائدة عن ثنائية الصقور والحمائم والتي ترمز للغلاة والراديكاليين بالصقور وللمعتدلين بالحمائم طرأ عليها تحول أيضاً في سياق هذه التحولات الدراماتيكية التي عصفت بما كان حتى وقت قريب يوصف بالمُسلّمات أو البديهيات، فثمة الآن مقابل الحمائم غربان تصيح في آخر النهار ومن فرط الجوع آه على ذبابة! أما الحفلة السياسية التنكرية التي بدأت منذ بضعة أعوام ولم يصدر بيانها الختامي بعد فهي تهدف إلى تبادل الأدوار والأصوات معاً .

ويراد لنا أن نصدق بأن هناك غرباناً تهدل مقابل حمائم تنعق، وكأن هذه الأرض قُلبت كالمائدة، وأصبح كل شيء يعني نقيضه على طريقة أورويل في نبوءته السوداء المعروفة .

فالغلو لم يعد مجرد تطرف في وجهات النظر والأفكار، بل أصبح مدججاً بكل أنواع الأسلحة، وترجل عن منصات الندوات والكتب إلى الميادين والساحات، وأنتج بالضرورة جيشه الأعمى الذي لا يفرق بين نشيد بلاده ونشيد الأعداء ما دامت الغاية تبرر الوسيلة والميكافيلية بلغت ذروتها، لكن تحت عناوين مضللة، فالغربان ليست صقوراً على أية حال، لأنها وليدة المصاهرة السياسية والثقافية بين الغراب والغروب ولا شيء يسرها كالأطلال والخرائب لأنها تثير شهيتها للنعيق .

وإذا كانت راديكالية الصقور تختصر في عبارة الكل أو لا شيء، فإن ما تقوله الغربان هو اللاشيء أو اللاشيء، لأنها راهنت على الخراب وانتهى بها اليأس إلى عدم التفريق بين شقيق وعدو، فالجميع أعداء إلى أن يبرهنوا العكس .

وهناك قصيدة شهيرة بعنوان الغراب ل "ادغار ألن بو" تتكرر فيها عبارة سوداء بصوت الغراب هي ما مضى لن يعود . . وهذا ما يردده الآن الغلاة الذين أفرطوا في الرفض والعدمية السياسية حتى التفريط بالوطن والهوية .

والحكاية الشهيرة عن الغراب الذي جاع طيلة النهار ولم يعجبه كل ما وقت عليه عيناه انتهت إلى أن سال لعابه على ذبابة لكنه لم يجدها .

وقد يبدو هذا ترميزاً أو تلميحاً عن بعد، لكنه في الحقيقة تعبير واقعي جداً عن صراع مزمن بين العقل والجنون والإثرة والإيثار، وقد عرف التاريخ البشري سلالات من هذه الكائنات شهرت شعار الكل أو العدم لكنها لم تظفر حتى بالعدم لأنها أكلت نفسها بعد أن لدغت أجسادها كالعقارب المحاصرة .