المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (الخليج) اللقاء الأخير مع سعيد عقل قبل وفاته بثلاثة أيام



رذاذ عبدالله
15 - 12 - 2014, 10:12 AM
اللقاء الأخير مع سعيد عقل قبل وفاته بثلاثة أيام



http://im52.gulfup.com/WAAiMp.jpg (http://www.gulfup.com/?UgCaSV)




قبل وفاته بثلاثة أيام التقيت الشاعر سعيد عقل، في منزله في الجبل، في "القرنة الحمراء"، القرية الجميلة الهادئة التي أمضى فيها سنواته الأخيرة . زيارتي الروتينية لصديقي لم تكن كباقي زياراتي له، فقد كانت الزيارة الأخيرة للقائي الأخير معه، وتزامنت مع ورود خبر وفاة الفنانة صباح "الشحرورة" .

دخلت، كالعادة، إلى بيت الشاعر، وكان جالساً على الكنبة البيضاء، وبكل أناقته المعهودة . ومن يرى سعيد عقل، في هذه الجلسة، لن يصدق ما رأى، كأن شاعرنا الراحل لم يأخذه العمر إلى اللحظة الأخيرة .

صافحته وقبلته وعانقته وجلست إلى جانبه، ورغم ضعف سمعه وبصره وحركته، استطعت التواصل والحديث معه، وتحادثنا كثيراً .

في اللحظات الأولى من اللقاء، قلت لسعيدنا: "لقد توفيت قبل ساعات الصبوحة" . . لم يسمع كلامي جيداً، فكررت القول: "ماتت الفنانة صباح"، وسرعان ما تجاوب بالسمع، ومن ثم بالكلام، فقال وبكلام هادئ ومبحوح: "حرام عليك يا فقيه تقول هالحكي، الصبوحة ما بتموت، ومش معقول تموت الملكة" . . كررت له سرد الخبر، وقلت: الخبر أكيد يا شاعرنا، لقد توفيت شمس الأغنية، فقال: "لا تصدق هذا الخبر، صباح ما بتموت، وكل الكبار ما بيموتوا" . أكيد ما بتموت، وإذا غابت مش معناها ماتت . أنا بقلك الشحرورة غابت شوي وبترجع، طلعت لبرا، طلعت لفوق حتى تشوفنا ونسمعها أكثر . ." .

جلست معه، كالعادة، لا أريد إزعاجه ومضايقته، ولا أريد التسبب بمتاعب لسيد العمر الكبير . ففي كل جلسة معه، كانت السيدة (ماري) رفيقة عمر الشاعر والتي لا تفارقه، تطلب مني تخفيف الكلام معه وفي المقابل تقول لي: يحبك سعيد ويتمنى أن تبقى معه طوال ساعات النهار .

استمرت جلستنا لأكثر من ساعة، وسعيد عقل يتحدث معي بشتى المواضيع، ودون تتابع منطقي ومنظم . كان يتحدث عن الشعر والإنسان والوطن والحب والسعادة . يحاول ان يجمع كل الأفكار ويناقشها . وكنت أستمع إليه بإصغاء شديد، وفرحتي كبيرة وغامرة .

سألته السؤال نفسه الذي أطرحه عليه في كل زيارة له: هل تخاف من الموت يا شاعرنا؟

فقال: "ليس الموت بخوف؟ وبعدين مين قال لك سعيد عقل بدّو يموت . وين عقلك يا فقيه، أنت شاعر وبتعرف أكثر من غيرك، الشاعر ما بموت، فكيف إذا كان الشاعر هو سعيد عقل" .

قلت له: الله يطول بعمرك، ولكن كلنا سنموت .

قال: "قلت لك سعيد عقل ما بموت . وإذا مش مصدق تعال زورني بعد خمسين سنة، وستجدني بانتظارك" .
قلت له: إن شاء الله، ولكن أنا لا أضمن لك أنني سأعيش بعد خمسين سنة .
ضحك سعيدنا، وضحكنا معاً، كان يضحك ولكن علامة الثقة لا تفارق محياه .
سألته كيف الشعر معك؟ إلى أين وصل سعيد عقل مع الشعر والقصيدة؟
قال: أنا الشعر، والشعر أنا، إذا حكيتك عن عظمة الشعر يعني عظمة سعيد عقل، وإذا حكيتك عن عظمة سعيد عقل يعني عظمة الشعر .

وسألني، هل قرأت كتابي "شرر" (أهداني كتابه "شرر" قبل سنة، ولم ينسَ!) . .

قلت له، نعم قرأت "شرر"، ومازلت "أشرقت" شرراً بعدما تملكتني كلماتك . فرد على كلامي بسرعة البرق: "انتبه يا فقيه، انتبه من حريق "شرر"، ستحرقك كلماتي، ولكن ستحيا أكثر، سيضيء شررك العالم" .

رغم تعبه الجسدي، وضعف حواسه، إلا أن حيوية الشاعر مازالت نابضة في كلام وتعابير الشاعر ومازال وجهه نضراً، حليق الذقن، البدلة الكحلية وربطة العنق (الكرافات) الحمراء متلألئة في صدره وعنقه . والقميص الأبيض تحت الكرافات ناصع كأنه ثلج لبنان الذي أنشده . أناقة مميزة زادت من جمال شاعرنا، ورفعت منسوب بهجته في لقائنا .

حاولت قدر المستطاع الصمت وعدم الكلام مع شاعري، لا أريده يتعب، لا أريد له ان يصرف طاقة جسدية قد تؤثر في صحته .

وعندما كان يتحسس صمتي وسكوتي، كان يحرك رأسه، يلتفت نحوي، وهو غير قادر على تحديد مكاني بسبب ضعف بصره، ويسألني بصوت مبحوح: "وينك، ليش ساكت يا فقيه؟ فأرد عليه، أنا هون، قاعد حدك" .

قلت له: هل تتابع السياسة وما هو رأيك بما يجري اليوم، وكيف تقوم أهل السياسة ورجالها؟
قال: "وين في سياسة؟! لبنان العظيم وشعبه العظيم حرام يكونوا تحت إمرة هؤلاء التعساء" .

هل أنت سعيد في هذه الأيام؟

"اسمي سعيد وطول عمري سعيد، ومستحيل أن أخرج من اسمي ومن معناه الحقيقي . أنا كتبت الشعر الذي يحاكي السعادة .

الفرح هو شعري . حياتي كانت وستبقى مملوءة بالحب والفرح والسعادة . أنا مؤمن بأن الفرح هو الحياة، ومن يعش خارج الفرح كأنه يعيش خارج الحياة . نعم أنا سعيد عقل، وسأبقى سعيداً، ولن أخرج من هذا الفرح، لأنني أنشد الفرح، والفرح ينشدني" .

عم تكتب، سألته .

جاوبني: الكتابة هي أساس حياتي . مستحيل أن أتوقف عن الكتابة . كتابة الكلمة والشعر لا تتوقف معي، إنها مسيرتي المستمرة مع نغم الكلمة وألحانها . (يصمت قليلاً ويقول): "مازلت أكتب ولكن يدي لا تطاوعني، يدي عاجزة عن حمل القلم، ولكن لا مشكلة في الأمر، لقد عكفت منذ فترة، منذ أن تعبت يدي، على تلاوة القصيدة بصوتي، أتلوها على مسامع (ماري) وتقوم هي بتدوينها على الورقة البيضاء . ثم تتلوها بصوتها كي أراجعها وأتأكد من صحتها وسلاسة شعريتها .

ذكرتني بالراحل الكبير ميخائيل نعيمة، كان يعاني في سنواته الأخيرة عدم قدرته على الكتابة بيده .

قال: "ما أعظمك يا فقيه"، نطق سعيدنا بهذه الجملة وكأنه يريد أن يقول أكثر . شعرت ولاحظت أنه دخل في خيال واسع وكبير، وكأن باب الذاكرة انفتح له . ثم أردف قائلاً: الكتابة مقدسة، طهارة، نبع الخير، لذلك نحتاج إليها، والشاعر عندما يتعب ويعجز عن الكتابة بيده، سيدخل في محراب المعاناة . لكنها تبقى معاناة في صميم الحياة، والألم الناتج عن هذه الحالة هو ألم يعادل الفرح .

هل تختلف وتتميز أحاسيس سعيد عقل، في قصيدته، حسب مراحل العمر . وأنت اليوم في مرحلة عمر يختلف كثيراً عن مراحلك السابقة؟

أكيد . الاختلاف منطقي وصحيح . لكل عمر معنى ودلالة ومرآة . لا يمكن للشاعر أن يعزف على اللحن نفسه طوال عمره . لا بد من التنويع والتنوع والاختلاف . أحاسيس بداية العمر ليست كأحاسيس منتصف العمر . إن ما أكتبه وأحسه اليوم، يختلف عما أحسسته وكتبته سابقاً، وهذا أمر طبيعي جداً عند كل شاعر، ومع سعيد عقل، هو أمر أكبر وأعظم، وله عالم خاص واسع .

هل تحن إلى عمر الشباب؟

(يضحك بهدوء وتعب) ويقول: لن أقول لك "ألا ليت الشباب يعود يوماً . ." سعيد عقل مازال كما في شبابه، سعيد عقل بدأ للتو بشبابه، وها هي قصيدتي تخبركم بشبابي المستمر .

تجاوز عمرك القرن، عمرك أكثر من مئة سنة؟

"ولما يصير عمري أكثر من مئتي سنة شو بدك تسألني وتقول يا فقيه؟ طالما الشاعر يكتب ويعيش فهو حتماً يعيش عمر الشباب . السنوات الكثيرة في حياة الإنسان أو السنوات القليلة، لا تحدد عمر الإنسان، العمر لا حدود له، كما الشعر" .

كلام كثير وأحاديث كثيرة نطق بها الشاعر قبل رحيله، وكلام كثير كنت أود قطفه من ذاكرة سعيدنا، لكن حرصي على صحته منعني من التمادي بالأسئلة، واتفقت معه على معاودة الكلام في لقاء قادم، وحددنا موعدنا (المفترض) بعد وفاته بثلاثة أيام فقط!!

خرجت من منزله وبي شوق لليوم التالي، القادم الذي سيجمعنا، ولم أكن أظن، كما سعيدنا لم يظن أن هذا اليوم - الموعد - لن يأتي، ولن نجتمع به .

فقد غادرنا سعيد عقل فجأة، بعد مرور ثلاثة أيام على هذا اللقاء .

وكم شعرت وتأكدت أنني فزت وربحت أجمل هدية من الحياة . هدية لا يمكن أن تكون إلا الخير والحب والمحبة، ألا وهي هذه الجلسة الجميلة (الأخيرة) والتي لم تكن اليتيمة بيننا . جلسة اللقاء الأخير مع شاعر الحياة الذي لن يتكرر .