المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معادلات قوّة اللغة


مختفي
22 - 2 - 2015, 04:44 AM
معادلات قوّة اللغة


*جريدة الخليج



عبداللطيف الزبيدي:

أيّ لغة في العالم قديماً وحديثاً، أخرج لغويّوها للدنيا مؤلفات في نحوها وصرفها وبلاغتها وأساليبها، فوق ما فعل العرب وغير العرب في الضاد؟ هات لغة من لغات الإنس والجن، قضى فيها عبقريّ مثل ابن جنيّ، أربعين سنة يتعلّم الصرف. نحن نقف عند ساحل البحر، واهمين أن الصرف ذهب يذهب اذهب. الفيزياء النووية لا تحتاج إلى أربعين سنة من الدراسة.


السؤال ليس ذلك، وإنما: ماذا فعلت الأمّة بكل جبال المؤلفات في اللغة وعلومها؟ اليوم وقد أصبح مستودع الحاسوب يغصّ لفرط الرصّ، بآلاف المؤلفات اللغوية، ندرك أننا أمام كارثة ثقافيّة. دعنا من التهوين، فالتقليل سذاجة كالتهويل، فكل تلك الأسفار أصفار وكلام فارغ في نظر جلّ الجيل الصاعد.


القضية لا تقف عند هذا الحدّ. ثمة آلاف مؤلفة أخرى من كتب الأدب العربيّ التي نفخر بها بوصفها ميراثنا الثقافيّ، يجب أن نزفّ إليها بشرى أنها ستكون في مأمن من البرد على الرفوف، فسوف تهدي إليها الأيام بطانيات ناعمة من الغبار. ولها أن تنام هانئة، إلى أن يقرب علماء الآثار باب الكهف.


عليك توصيف الحال. سترى أن ميراث الماضي، نامت بطاريته لطول عدم الاستعمال وعدم التطوير، فانقطعت الجسور. أضحى الماضي جزراً نائية قصيّة، ترنو إليه العين من بعيد، ولا يعرف الناس ما يفعلون به. والجديد جميله كالألعاب النارية، سريع الانطفاء، ورديئه كمفرقعات الأطفال، ينتهي بمجرد ملامسة الأرض.


الآن، أنت الذي ستسأل: وبماذا نخرج من كل هذا الكلام الذي يورث الاكتئاب؟ الجواب صريح لوضع صريع: اللغة هويّة. والهوية تنهار عندما تفقد قواها وعنفوانها. وجريمة أنظمة طبائع الاستبداد، هي أنها أهملت طاقات الأمّة، فجاء من يستخدمها ضدّها. وقوة الهويّة كالجاذبيّة تشدّ عناصر القوة إليها، وبالتكثيف والتركيز يُولد الإشعاع. منذ عقود صارت الأجيال العربية في حالة انعدام الوزن إزاء هويتها. تدريجاً اجتذبتها الجاذبية الخارجية. إعادة الجاذبية إلى الهويّة، قضيّة ثقافية استراتيجية.


لزوم ما يلزم: النتيجة المنطقية: نحوّل قواعد اللغة إلى معادلات فيزيائية.