المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأشيرة سفر لمفيد نحلة


رذاذ عبدالله
22 - 2 - 2010, 09:53 AM
تأشيرة سفر لمفيد نحلة

زياد ابو لبن



http://www.addustour.com/NewsImages/2010/02/862_214091.jpg



أن تعمل بصمت ودون ضجيج إعلامي فهذا شأن الكبار من الكتّاب والأدباء ، بعدما تنطّح للشهرة صغارهم ، وأخذوا من الصيت الإعلامي نجومية الكبار ، فتسمع جعجعة ولا ترى طحناً.

وقد أخذ القاص والروائي مفيد نحلة من الصمت جانباً ، ورضي "من الغنيمة بالإياب" ، كما يقول امرؤ القيس:



وقد طوّفت في الآفاق حتى

رضيتُ من الغنيمة بالإياب



أقف هنا مع كتابه "تأشيرة سفر.. من مذكرات عابر سبيل" الصادر عن دار آسيا للنشر والتوزيع في عمان لعام ,2009 يطالعك الكتاب بإهداء يرتبط بالسفر والترحال والعابرين ، خاصة وأنه يقوم على كتابة مذكرات الرحيل عبر أمكنة متعددة ، فجاءت كلماته تلامس أفق الشعر: "إلى الذين يرون السفر مرايا تعكس دفء الحياة... إليهم حين يقرأون لون الشمس في كل درب... إلى أولئك الذين التقيتهم عبر الطريق..." ، ثم قصيدة نثر أقرب لمفتتح الكتاب ، وهي تصور معاناة الكاتب في سفره وترحاله عبر أمكنة متعددة ، وقد كُتبت القصيدة عام 1976 ، وهي لا تحمل عنواناً ، كما أن ما كتبه المؤلف بعد القصيدة لا يحمل عنواناً ، وهو أشبه بمقدمة يُعرّف من خلالها القارئ على مضامين الكتاب ، وأسباب الشروع في كتابة مذكراته ، بوصفها "من مذكرات عابر سبيل" ، ونحن نعرف مدلولات "عابر السبيل" في التراث العربي الإسلامي ، وهي عبارة تُطلقُ على راحلْ يَعبرُ الطريق الذي يسلكه كثير من الناس ، دون أن يُقيم أحد في المكان زمناً طويلاً ، وهذا شأن مفيد نحلة.




في حديث ممتع ، يصطحبك الكاتب معه عبر مغامرة جريئة وشيقة ، وأنت تتابع بتوتر تردده وعزمه على دخول مغامرة السفر من ألمانيا إلى عمان ، مروراً بمدن أوروبية ، تسير معه راكباً سيارته ، وكأنك تجلس بجانبه وتقود معه السيارة في طرق محفوفة بالمخاطر ، وأحياناً بالخوف ، أو ترقبه من بعيد ، كأنك تشاهد فيلماً سينمائياً مثيراً ، فيه المغامرة والمخاطرة ، بل بتعبير الفضائيات التي غزت البيوت والأماكن: "Agitation".



كتابة المذكرات عمل مختلف عن كتابة السيرة الذاتية ، كما هو عمل مختلف عن كتابة الرحلات ، وإن كانت تتقاطع معاً في وجوه كثيرة ، وليس متاحاً في حديثي عن مذكرات مفيد نحلة أن أعقد مقارنة بين المذكرات والسيرة والرحلات ، وإنما نستذكر أكثر الكتب رواجاً وتوزيعاً في العالم ، مثل: مذكرات بيل كلنتون "حياتي ، ومذكرات هيلاري كلينتون" ، ومذكرات نيلسون مانديلا ، ومذكرات محمد مهدي الجواهري ، ومذكرات فدوى طوقان ، وسيرة طه حسين في الأيام ، وسبعون لميخائيل نعيمة ، وأوراق العمر للويس عوض ، والخبز الحافي لمحمد شكري ، وسيرة جان جاك روسو ، وسيرة بابلونيرودا ، وغيرهم كثيرون.



وقد نجدُ ان كتابة المذكرات والسير والرحلات هي اصدق الكتابات وأقربها للنفوس ، ففيها ما يكشف عن حياة يتشوّق القارئ لمعرفة المخفي منها أو المستور ، وفي "تأشيرة سفر" حديث النفس وما تهجس به ، وحنين وشوق للأهل والوطن ، وترقّب وحذر من لصوص الطرقات ، وحوادث الزمان ، فتنساب الحكاية تلو الحكاية ، في لغة سردية تدخلك إلى عالم القصة والرواية تارة ، وتارة أخرى إلى الشعر ، فيخفق قلبك لحدث مفاجئ يواجهه الكاتب أو المرتحل في مدينة ما ، أو في طريق دوليّ ، أو في غابة ساحرة الجمال ، كما يصفها ، إلى نشوة وحياة يشوبها الفرح في استراحة أو مطعم ، تشتمّ منه رائحة الشواء ، أو أبخرة الطعام ، أو برد الشراب ، إلى دهشة وتأمل لعالم ينقسم قسمين: أوروبي ، وشرق أوسطي ، في عاداته وتقاليده وثقافاته ، اما تركيا ، فهي الفيصل بين عالم ممتد عبر مساحات شاسعة من الجمال والفتنة ، وعالم تلوّح الشمس فيه وجه الصحراء ، وتضنّ الطبيعة عليه بنعمة الحياة.



نقرأ لوحة من جمال الطبيعة في الغرب بلغة سردية تسرّح فينا الخيال: "في هذا الصباح.. يحلو لي أن أخلو إلى نفسي ، تصورات كثيرة حملتني إلى أجنحة الخيال أحلّق مع هذا الضباب المتصاعد مع الطريق بعيداً عن زاغرب بإتجاه الشرق ، "حسبة الزمن" هذه الأيام باتت محصورة بين إشراقة الشمس وغروبها ، حتى لغتي ، كدت أنساها ، فليس هناك من يفهم علي ، أتحدث لوحدي بصوت مسموع كي لا أغفو على الطريق... أحيانا أنادي على أبنائي ، واحداً واحداً ، فالطريق لا يحتمل هذا السكون ، بدأت المتخيلات تتراجع.. ازدحمت السيارات على الشارع.. حركة السير توقفت.. هل حدث شيء؟ ،"(ص106).



هكذا يروح السرد بإتجاه قصصي ممتع ، وفجأة يُعيدك الكاتب إلى حالة التوتر والترقب ، من خلال سؤال مثير للدهشة والاستغراب ، ويقطع عليك متعة التأمل والتفكير ، وانتظار مساحة من الصفحات كي تقطعها وتصل الى نهاية الرحلة ، والكاتب يقطعها بأميال كي يصل إلى أطفاله وزوجته ، ثم تتابع حدثاً أخر أكثر توتراً بعد أن تمضي معه في متعة السفر وكشف المستور عبر رحلة طويلة ، فتشفق عليه من جانب ، ومن جانب اخر يحفزك إلى روح المغامرة وتحدّي المجهول.



نقرأ مرة أخرى لوحة من عذاب النفس وتوترها ، بعد أن يتعرّض الكاتب خلال سفره لمجموعة من اللصوص ، ثم ينجو منهم بتحدّْ ، وبقوة التشبث بالحياة ، فيقول:"كرهت السفر ، هؤلاء الأشرار حولوا جسدي إلى كتلة آدمية تكره كل شيء ، حركة السيارات على الشارع الدولي لعبة سخيفة ، أتمنى لو تتوقف فلا أرى هذه الألعاب المتقافزة من حولي وأمامي... هل أبكي.. فأنا لا أعرف كيف ينحدر الدمع من عيني ، حزنت كثيراً على نفسي ، كيف أطعتها لأتعذب على هذه الطرقات ، أبرّر تجلدي كي لا تنكسر نفسي ، تعودت منذ الصغر على إتخاذ قراراتي حتى لو كانت خاطئة..". (ص119).



ينطوي الكتاب على مغامرات متعددة ، يُطلعك على عادات وتقاليد وثقافات وتواريخ شعوب تمتدّ من أواسط أوروبا إلى الشرق الأوسط. لا تقل هذه المذكرات عن غيرها في المعرفة واكتشاف أسرار الطبيعة والناس ، بل تسمو على كثيرْ في لغتها ، وطرق السرد المتبعة في الكتابة ، مما يجعلها أقرب لروح القصّ الحكائي المعاصر. انه كتاب يستحقّ القراءة بجدارة.


* نقلا عن الدستور الاردنيــة،،

RAKBOY783
22 - 2 - 2010, 10:59 AM
تسلمين ع الخبر

أسير الدموع
22 - 2 - 2010, 01:46 PM
يسلمو ع الطرح

قلبي الامارات
22 - 2 - 2010, 05:01 PM
شكرا على الخبر

الله يعطيك العافيه

رذاذ عبدالله
22 - 2 - 2010, 08:18 PM
أشكر تذوقكم للإصدارات الادبيــة،،
دمتم برقي،،