المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على نافذة غرفتها


مختفي
15 - 10 - 2015, 07:35 AM
-








على نافذة غرفتها



*جريدة الخليج



نور المحمود:

تميل برأسها فتنظر من فتحة صغيرة في النافذة. تتجول بنظرها في كل الاتجاهات، تبحث عن شيء ما خارج أسوار غرفتها. صامتة لا تنطق بكلمة، كأنها تجمع كل الحروف كي تشكّل حواراً رائعاً وتترك لعينيها الاسترسال في الحديث. لا تريد أن تقطع عليهما حبل الكلام، ولا أن تشوش عليهما متعة اللحظة بضجيج الصوت.


تبتسم، فتفهم وأنت تتأملها أنها وجدت ما تبحث عنه. ثم تعود لمهمة البحث من جديد. يأخذك الفضول فتقرر أن تكسر الصمت لتزعجها بسؤال: ماذا تتأملين؟ وعن أي شيء تبحثين؟


تجيب من دون أن تقطع حبل نظراتها المعلق بين النافذة والفضاء: أبحث عن رفيقتين، تعودتا زيارتي كل يوم في التوقيت نفسه، وقد جئت مسرعة إلى موعدنا اليوم ولم أجدهما.


* ومن هما؟


حمامتان تحطان بعد ظهر كل يوم على حافة نافذتي، أتأملهما. ألتزم الصمت كي لا أزعجهما. جميلتان جداً، هادئتان، أسمع هديلهما، فأشعر بأنهما تشركاني معهما في ما تقولان لبعضهما بعضاً. أما اليوم فلم تحضرا، لست أدري ما السبب، فأنا لم أفعل ما يغضبهما.


* لكن يا صغيرتي الطيور كما تعلمين تهاجر من أماكنها بلا أسباب أحياناً، وتبحث عن أعشاش ونوافذ وبيوت تستريح على شرفاتها بلا مواعيد أو استئذان.


أعرف أنهما ستأتيان، أشعر بذلك، وسأنتظرهما، لذا أرجوكِ، الزمي الصمت كي تطمئنا وتستأنسا وتحطّا على نافذتي بسعادة.


تركتها تسرح بخيالها، وتواصل مناجاة الحمامتين بعينيها. تركتها تستمتع بنعمة البراءة التي تسكن قلبها وروحها وأفكارها، فتحلّق مع الطيور، تسمع هديل الحمام، تطرب لزقزقة العصافير وخرير المياه، تضحك لخربشات القطط على الأبواب، تسابق الرياح فتلتقط فراشة، وتنصت لحفيف أوراق الشجر المتساقط كلما مشت فوقه.


تركتها تفرح بما لم يعد يُفرحنا، وما لم نعد نراه أو نسمعه، ولا حتى نلمسه في حياتنا، مع أنه موجود طوال الوقت وكما كان منذ زمن. فلا الحمام رحل، ولا العصافير تقطعت أحبال حناجرها، ولا الشجر تعرّى للأبد، ولا هو تمسّك بأوراقه كي لا تسقط أرضاً فننعم بمنظرها وتبدل ألوانها وحفيفها كالبساط تحت أقدامنا. ولا الفراشات انقرضت، ولا الهواء أصبح عواصف، ولا القطط أصبحت ديناصورات مفترسة.


عدتُ إلى الغرفة فوجدت صغيرتي مستكينة، تقرأ كتابها بعدما اطمأنت إلى عودة الحمامتين إلى نافذتها.


صورة صغيرتي على نافذة غرفتها، وبراءتها وأشياؤها البسيطة، نبهتني كم تأخذني الحياة نحو ضجيجها، فأصبحت صماء عمياء بكماء أمام تلك الصور الجميلة، لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم سوى حديث الصخب، ومَشاهد الهرولة، وأفتقد بشدة تلك البراءة والراحة على نافذة غرفتي.