المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خريف البطريرك


رذاذ عبدالله
4 - 3 - 2010, 10:27 AM
خريف البطريرك

عبدالستار ناصر






http://www.addustour.com/NewsImages/2010/02/869_215862.jpg





بعد الضجة التي سببتها ترجمة (مائة عام من العزلة ) الى أكثر من ثلاثين لغة عالمية ، وأيضا بعد أن ظهرت تلك الرواية بمليون نسخة عبر ثلاثة أعوام بعد نشرها وفوزها الاستثنائي ، كان على غابرييل غارسيا ماركيز أن يقرر (كيف تراها ستأتي روايته التالية؟) ذلك أن حساب الشهرة الطاغية لا يشبه حساب الاسم العابر في أروقة النقد العالمي الصعب.




إنها رواية للنخبة من القراء ، وقد صمم ماركيز من البداية أن تكون واحدة من أصعب نتاجاته القصصية ، ولذلك جاءت (خريف البطريرك) أقرب ما تكون الى موسوعة تعج بأغاني الشاطئ الكولومبي وألحانه ، حيواناته وأعشابه ، طرائفه ومآسيه ، وحقائق دموية وسحر وتعاويذ ومآدب من لحم بشري ، وبحر يباع بأجزاء مرقمة ، إنها كما يقول مترجمها محمد علي اليوسفي: رواية مفزعة يتجاوز بها غارسيا ماركيز حدود أميركا اللاتينية.



هذا لا يمنع من الإحساس أن ثمة ما هو زائد ومكرر ومفتعل في أجزاء متناثرة هنا وهناك جاءت محض إمعان في تصعيد حالة الغرابة والدهشة في عمل قصصي أراد له ماركيز أن يبدأ به ، أن يكون عملاً لا يمسه إلا عدد محدود من القراء ، وبهذا يبدو كمن يتبرأ من أعمال رائعة كان قد كتبها في زمن أسبق ، لاسيما عمله المتميز (مائة عام من العزلة) التي نال بسببها شهرة واسعة في كافة أرجاء العالم.




ينتهي الجنرال في خريفه الأخير الى أن (الكذب هو أنسب بكثير من الشك كما أنه أنفع من الحب وأبقى من الحقائق) وذاك هو النشيد الذي صار يحكمه بعد عام دام أبعد من قرنين من الزمن في أغرب عمل إبداعي يكتبه غارسيا ماركيز بعد فوزه مباشرة بجائزة نوبل عام 1982 عن روايته العجائبية (مائة عام من العزلة) والتي كانت بحق رواية عصر جديد لنوع غرائبي طافر من الفن القصصي.




وخريف البطريرك مجموعة من أفكار وأحداث وغرائب لا يشعر معها القارئ العربي إلا بروح الإدانة لنمط من الحكام الذين يشبهون الجنرال المستبد في الرواية ، فهذا الحاكم في رواية ماركيز لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، ضعيف لا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما تكون أمه (بندثيون ألفارادو) قريبة منه ، ولهذا أعطاها صفة قديسة الوطن بمرسوم ملكي ، هو نفسه الذي يفعل ما يشاء وقت يشاء ، وإذا لم تعجبه الساعة الحادية عشرة ستكون بأمره الثانية عشرة.




والرواية تحكي أيامه الأخيرة ، عودة الى الماضي القريب أيام نشوته وانتصاراته على نساء إمبراطوريته ، ذكريات تمشي ببطء على شريط الرأس ، والرجل الوحيد الذي تمكن أن يصارحه بالحقيقة يبدو مجرد شبح بلا رأس وبلا جسد (أخرج الى الشارع وجابه الحقيقة يا صاحب السمو ، إننا نقترب من المنعطف الأخير) حيث لا أحد يخبره بما يعلم ولا أحد يقترب من أوهامه وسعادته الخاصة.



والرواية تسخر من زمن خفي عاش وما زال يعيش فيه ذلك النمط الذي تجاوز أعمار البشر العاديين وراح بعيداً عنهم الى زمنه المستتر بأسراره المعلنة ، وحده من يعتقد أن لا أحد يفهم خفايا مملكته حيث لا يخرج منها إلا للدخول إليها ، فهو يدري بشيء ولا يرى أي شيء إلا ما يقال له ، وتصعد الملهاة والسخرية الى مكانها الفاجع عندما يقترح عليه السفير الجديد التبليغ بوجود كارثة حمى صفراء لتبرير إنزال جنود المارينز طبقاً لاتفاقية التعاون المشترك فيما بينهم ، وذلك طيلة السنوات لبعث الحياة في الوطن المحتضر،.



في خريف البطريرك يجمع ماركيز بين الشعر والسيناريو والقصة القصيرة ، إنها نوع من البراكين والزلازل والكوارث الطبيعية العارمة ، براكين من كلمات وسطور يمكن أن تقرأها من آخر صفحة الى بدايتها ، وإذا ما جعلت منتصف الخريف صيفه أو ربيعه أو جئت بالشتاء الى شلالات الحروف ، لم يتغير الكثير ذلك أن هذا العمل دون سواه من أعمال غارسيا ماركيز يختلف عن السرد الروائي المألوف الذي يأتي بالبداية في أول السطور ويأخذ النهاية الى آخر الكتاب كما هو الحال مع (الحب في زمن الكوليرا) مثلاً ، بل على العكس تماماً إذا ما أجرينا عملية جراحية تجريبية كما فعلت أنا مع الرواية ، ونقلنا الصفحات 111 الى 143 مكان الصفحات (من 45 الى 78 ) لما تغير المعنى ، إذا ما قلنا بصراحة: إن الكتاب سيبدو أجمل.



غابرييل غارسيا ماركيز تورط في هذا العمل الجميل ، لعلها أعذب ورطة في حياته ، إذ جاءت برواية متميزة غير اعتيادية تقترب من الرسم والموسيقى ، وأعني بذلك الرسم السوريالي وموسيقى السيمفونيات الباهرة ، برغم أن الإبداع الروائي يحتاج الى عناصر لا نراها في الفن التشكيلي وقد لا نراها أبداً في الموسيقى.



خريف البطريرك تحكي بطريقة غير متسلسلة ، قصة حاكم لا يعرف أي شيء عن ظروف السياسة العالمية ، وربما لا يفهم أبداً ما إذا كان ثمة في الكون بلاد غير بلاده ، إنه بمعنى آخر مجرد أحمق جاء نحو السلطة عن طريق المصادفة وصار سيدها من حيث كانت السلطة سيدة عليه.



الجنرال ، ودون أن يعلم بأي شيء ، يدخل حروباً من الشكولاته ابتدعها متملقوه بلا حياء ، وعندما يأتيه نبأ تلك الحروب نراه يصرخ مخبولاً بآخر نوبات الحنق والشيخوخة (ليهربوا إذن لتنظيف براز الإنكليز) فهو لا يعرف من الدنيا غيرهم ، ثم يأتيه من يقول (تخلينا عن امتيازات التبغ للإنكليز وتخلينا عن امتياز المطاط والكاكاو للهولنديين ، ثم تخلينا عن سكة الحديد والملاحة النهرية للألمان ، وكل الباقي للأمريكان بسبب الاتفاقات السرية التي لم يعلم بها إلا بعد سقوطه وموته).



لكن من هم هؤلاء؟ إنه لا يصغي ، لأنه لا يريد أن يفهم ، ثم يسمع من يقول له: سيدي الجنرال ، جنودك يعملون مجاناً ليثبتوا بأنهم قادرون على تمزيق أمهاتهم إرباً إرباً وإلقاء المزق الى الخنازير دون أن يتحرك لهم ساكن ، كانوا يقدمون إثباتات بسوابقهم الشنيعة كي يكونوا تحت إمرة الجلادين الفرنسيين الذين يمتازون بأنهم عقلانيون ، أي أنهم منهجيون في القسوة ولا تأخذهم الرأفة ص ,198



والرواية تكشف ، برغم بعد الزمن عن الحاضر بما يقرب من ستين سنة ، همجية العدو الأمريكي عبر أحداث حقيقية وآراء تظهر على لسان الجميع: - يا لهم من همج هؤلاء الأميركان كيف تراهم لا يفكرون في البحث إلا من أجل التهامه. ص ,207



وعندما يهرب (خوسيه أنياثو سانيزي لابارا) من مصيره الذي يعرفه ، يجدونه مهشماً من الضرب ومعلقاً من عرقوبه على احد فوانيس ساحة الأسلحة (سيدي الجنرال أمرنا بمحاصرة شوارع السفارات لحرمانه من حق اللجوء وقد طارده الشعب رمياً بالحجارة) ص 204 وبهذا تقترب قسوته من قسوة الأميركان. وجهان لحقيقة ديالكتيكية واحدة.



رواية (خريف البطريرك) ليس فيها مفردة (بطريرك) أبداً ، كما أنها تنتقل من الراوي الى ضمير الغائب ومن الشخص الحاضر القريب الى الشخص الغائب البعيد ، وهي لا تحكي قصة فرد بعينه وإنما قصة جنرالات الرعب والتعذيب في العالم كله ، أكثر من 14 جنرال في رجل واحد ، إنها قصة المأساة العميقة التي تعاني منها شعوب العالم الثالث بأسره.



يقول غارسيا ماركيز نفسه عن روايته هذه ، بأنها أصعب أعماله وأنه كثيراً ما كان يكتب خمسة سطور فقط في اليوم الواحد ، وفي أحيان كثيرة كان يمزق تلك السطور في اليوم التالي ، ومن هنا ندرك حجم المعاناة ، معاناة المبدع في أجمل (ورطة) إبداعية في حياته الغنية بالفرح الحزين.



خريف البطريرك باختصار ، ليست للقراءة السريعة غير المتأنية ، إنها عمل يحتاج الى مزيد من التأمل ، وأرى من حق القارئ أن يرى فيها ما ليس بالضرورة أن المؤلف قد رآه ، وتلك هي قيمة أي عمل إبداعي أصيل ، أن يكون مسرحاً للنقاش والحوار والتفتيش بين السطور ، وبذلك يضمن المبدع خلود إبداعه في نفوس القراء ، وقد فعل ماركيز أصعب ما يفعله مبدع كبير: إنه كان يرى قبل أن يكتب.



أما عن التكرار والزيادات التي وردت واضحة في هذا العمل المهم ، فيمكن الرجوع الى الرواية نفسها ، حيث يكتشف القارئ ، وربما بشيء من السهولة ، كيف إن المؤلف تخبط في أمر نهايتها ، لأنها أصلاً بلا بداية ، فهي أقرب ما تكون شبهاً بسلسلة مربوطة دائرياً ، يمكن اختيار نقطة ما للبدء منها ، وبهذا تكون تلك النقطة هي نفسها النهاية إذا ما تركنا إصبعنا إشارة في المكان الذي بدأنا منه.



لقد كان البطريرك بلا أية مهارة في الحكم ، وهو ضمن المعنى الذي أورده (جورج برنارد شو) أن السلطة هناك في المكان الذي يشير إليه غارسيا ماركيز ، هي الطريقة الوحيدة لكي يصبح المرء شهيراً دون أن يكون له أية حالة استثناء في أي شيء: والمهارة التي سنطبقها على البطريرك قد تأخذنا في الوقت نفسه للسؤال عن حقيقة هذا العمل العجائبي الذي أدهش العالم ، وعما إذا كانت تلك الدهشة في مكانها الصحيح؟.


* نقلا عن الدستور الاردنيــة،،

RAKBOY783
4 - 3 - 2010, 10:57 AM
سلمتي اختي ع النقل

رذاذ عبدالله
4 - 3 - 2010, 12:33 PM
شاكرة حضوركــ الادبي بين الرواية،،
دمت بود،