المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العيش في معجم


مختفي
25 - 9 - 2016, 11:35 PM
-


العيش في معجم


*جريدة الخليج


يوسف أبو لوز:

لا تقرأ المعاجم في يوم أو في شهر أو في عام، بل تقرأ على مدى العمر، إنها الكتب التي ترافق الإنسان في كل مراحل حياته في الصبا والشباب نتعلم منها اللغة، وفي النضج والرجولة نتعلم منها الحياة، وفي الشيخوخة نتعلم منها الحكمة والتأمل.

المعاجم أصل الكتابة، ومن يتولى وضع معجم أو قاموس كمن يتولى تشييد قلعة أو (برج مراقبة)، والمعاجم (أبراج مراقبة) تراقب الكاتب، وتضبطه، وتنظم سيره، وتدله إلى الطريق الصواب.

وضع العلامة الشيخ عبد الله العلايلي مقدمة المعجم الوسيط «الصحاح في اللغة والعلوم»، وصدرت طبعته الأولى في بيروت في 1975، وكان أعد الصحاح وصنفه نديم مرعشلي، وأسامة مرعشلي، رجلان اثنان فقط على ذمة كتاب واحد، رجلان بمئات الرجال، وكتاب بمئات الكتب.

يقول العلايلي في تقديمه لـ«الصحاح» (بعضه إحياء، وبعضه تجديد، هذا هو الكتاب الذي بين يديك، وجاء عن يد مصنفة متكاملاً هذا التكامل، ليكون شهادة بأن العربية كانت وما فتئت، كلمة حضارة وموئل سعي إنساني صاعد....). «الصحاح» 1328 صفحة من القطع الكبير، مصطلحات، وتصنيفات وشروحات، وصور، واشتقاقات، وإحالات إلى شعراء وكتّاب، وضبط لغوي، وثقافة، ومعارف وعلوم، كل ذلك وأكثر في هذا «الوطن» من الكلمات التي تتحول إلى كائنات.

في عام القراءة في الإمارات لا يكفي أن تقرأ الكتب وتغلق أغلفتها بعد القراءة، هناك كتب هي «أوطان» كتب «بلدان» مرة ثانية المعاجم والقواميس تظهر عبقرية الإنسان واللغة.

كل مكتبة لها عمودان فقريان، مؤسسها والمعاجم، مؤسس المكتبة عمود، والمعجم عمود، ومن هنا وهنا تنشأ الأرفف وتلتقي الكتب، تتجاور ولا تتنافر.

في عام القراءة تبدو الدعوة إلى تكريس ثقافة المعاجم والقواميس و«أمهات الكتب» مطلباً فكرياً معرفياً وليس مجرد دعوة، تبدو الدعوة إلى إحياء ثقافة المعاجم أيضاً شكلاً من أشكال المحافظة الأصيلة على الكتاب الورقي الذي تدهمه اليوم ثقافة وعادات القراءة على شاشة الكمبيوتر.

أتوقف عند صوت الكتاب. صوت الكتاب هو صوت الورق، صوت الكائنات اللغوية أو صوت الحروف التي تتحول إلى (أشياء) وظلال ودفء ورفاقية ومحبة مولودة من القلب.

علاقة القراءة بـ(الصوت) أو علاقة القراءة بصوت الكتاب تشبه علاقة الأم بالجنين في أحشائها ثم بالطفل في حجرها، أو بين يديها، ثم بالفتى أو الشاب الذي ترعاه بعينيها وروحها، ثم بالرجل الذي تستشعر قوته وحمايته.

بهذا المعنى تلتقي فكرة القراءة بالأمومة.

في عام القراءة، وفي كل الأعوام شيد لنفسك (برج مراقبة) وعش قدر ما تستطيع في معجم.