المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاموس الشاعر


قلم مكسور
25 - 2 - 2017, 11:35 PM
.





قاموس الشاعر


*جريدة الخليج


عثمان حسن:

التراكم الكمي والنوعي في مسيرة الشعر العالمي بمثل ما هي متحققة في كثير من النماذج المعروفة، كانت مجالاً لرصد أنواع الشعر ومراميه ومقاصده من قبل الشاعر الأمريكي جون دروري الذي أصدر قاموساً خاصاً بهذه القصائد عرف باسم قاموس الشعر الذي صدر عدده الثاني قبل سنوات، وقد بدا واضحاً أن هذا القاموس بحسب ما يكتب دروري في مقدمته هو محطة ومكان وخريطة، هدفه الأخذ بيد القارئ وتشجيع الكاتب على اكتشاف الماضي.

ضم القاموس في حينه قائمة من الشعراء الكبار مثل فيرجيل ولوركا وعمر الخيام وبروست وريتا دوف وجون أشبري وعزرا باوند وغيرهم الكثير.

والقاموس كان لا يكتفي بتقديم آخر نتاجات هؤلاء الشعراء بل يقدم هامشاً لرحلة أدبية تغوص في ثقافات العالم من خلال أكثر من مئتي قصيدة، فيها الكثير من التنوع الأسلوبي والمضموني، الذي يضع القارئ في صلب عملية التحول الثقافي والفكري عبر تطور الحقب والمدارس وصولاً إلى الراهن المعاصر.

قد يشكل هذا القاموس مناسبة لتسليط الضوء على قاموس الشعر العربي في خمسينات وستينات القرن المنصرم، هذا القاموس الذي لم ينجز بعد، ولكنه بلا شك سيكون قاموساً غنياً بالمفردات والدلالات، التي استثمرت -ربما - نوعاً واحداً من الكلمات والعبارات التي تنضح قسوة وتبريحاً، ولكنها بلا شك كانت مفردات صالحة لتنميق هذا النوع من الشعر الباعث على الأمل والنهوض، لاسيما وقد عصفت بهذه المرحلة مجموعة من الأزمات المتلاحقة التي ساعدت هذا الشاعر على تلمس موضعه، من خلال هذه التحولات التي زحفت بقسوة في عمق حيوات الناس وهددت وجودهم ومصائرهم، واختبرت صبرهم وقوتهم على تحمل الكوارث والفواجع.

تعرف العالم العربي على قامات شعرية كبيرة مثل الجواهري ومحمود درويش ومحمد الماغوط وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وأدونيس وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج وبلند الحيدري وغيرهم الكثير.

شعراء هتفوا على شوارد الكلمات، بللوا هواء البشر بالسكينة والتسامح، كانت كلماتهم ندية وجذفوا من خلالها نحو السعة، مسنودين بطاقة من الأمل، وكل واحد منهم كان قوياً في استخدام مفردات أساه الخاص، لأنه كان واثقاً من تبدل الأشياء من حوله، نحو أمداء بعيدة في رقتها وتسامحها وصفاء عمود روحها، وتبدل مناخ قسوتها في شبه متوالية هندسية من العبارات التي تتمايل على شوارد البؤس والجفاف، فمهد الشاعر سنامها، لتعلو وتهبط في أرض ممهدة وصالحة للسير في زمن أكثر رقة وسعة مما ينبغي.

من خلال نزاع الشاعرالعربي مع هواجسه التي اختبرت بحر الألم، كان يصنع قصيدة رامبوية على مقاسه هو، ومن واقع لهيب اشتعاله الصوري والتخييلي هو، كان يكتب وزن دمه، وإيقاع مشاعره، وصور نحوله، وجفاف ريقه في الأرض الممتدة من الحلق الجاف إلى البلعوم الملتهب، نحو تخوم بحره المشتهى.

هل كتب الشاعر العربي قاموسه الخاص؟ ذلك ما يجب أن يعمل الشعراء والنقاد على اكتشافه واستخلاص معانيه وتبدلاته.